لمن القدس اليوم؟


محمد علي محروس

 
في الرابع عشر من مايو عام 1948م، أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها في فلسطين، بعد أن سلمتها على طبقٍ من ذهب للمهاجرين اليهود، والحركة الصهيونية؛ تنفيذاً لوعد بلفور في 1917م، الذي قضى بدعم تأسيس وطنٍ قومي لليهود في فلسطين، الحامية العثمانية ذات الأقلية اليهودية حينها.. ذات التاريخ يمثل إعلان تأسيس ما يسمى بدولة إسرائيل، كوطن قومي لليهود، وذي نزعة عدائية للمسلمين، وعين الغرب ويدهم الفعلية في تقويض جهود التنمية وضمان عدم الاستقرار على المدى البعيد.
 
سبعون عاماً من المصادرة القسرية للحق الفلسطيني، سبعون عاماً من التشريد، من القتل الممنهج، من التقويض لكل جهود السلم والسلام، من التدمير للقرى والبلدات والمدن، والتجريف للأراضي، وانتزاع الزيتون من جذوره الأصلية، سبعون عاماً من طمس الهوية، ومحاولات التهويد الثقافية والدينية والمجتمعية، سبعون عاماً مضى، ولكنّهم لا يفلحون في كل ما يفعلون، وهل يصلح الله عمل المفسدين؟
 
منذ النزعة الاحتلالية والقدس تحت الوصاية الدولية، ليست لأحد، ثم تم احتلالها بالكامل بعد حرب 67، لتصبح فعلياً تحت سيطرة الكيان الصهيوني المغتصب.. تحاول الأمم المتحدة تقسيم المدينة بين فلسطين شرقاً، والصهاينة غربا، لكنّها تصدم من حين لآخر بتعنت إسرائيلي وكأنهم أصحاب الحق، وهم كذلك، يزعمون بأن أورشليم "القدس" عاصمتهم الموعودة مهما كانت التكلفة، قصر الزمان أو طال، ورغم محاولاتهم الحثيثة فإنهم يُواجَهون برفض عالمي مجمع عليه إلا من دول محدودة؛ لها ارتباطاتها الدينية والاقتصادية بالكيان المغتصب، ولكن دونما تأثير يُذكر.
 
في ديسمبر من العام الماضي، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سلسلة قراراته المثيرة للجدل، بعد إعلانه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛ تنفيذاً لوعد انتخابي قطعه في حملته التي حملت العديد من الوعود الكارثية على المستويين الداخلي والخارجي، ومكافأةً للوبي اليهودي الذي كانت له بصماتٌ فعّالة في وصوله للبيت الأبيض رغم المؤشرات العكسية التي كانت ترجح كفة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
اليوم، تتم عملية النقل للسفارة الأمريكية، في اعتراف أمريكي واضح وصريح بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفي خطوة منافية للعدالة الأممية والشرعية الدولية، وفي إجراء أحادي، يقوض جهود التهدئة في المنطقة، ويشرعن لمزيد من الفوضى في ظل توسع دائرة الصراعات في الشرق الأوسط الملتهب.
 
تشرف ابنة ترمب على عملية النقل معية زوجها ومستشار أبيها كوشنر، إضافة إلى نائب وزير الخارجية وعدد من أعضاء الكونغرس، في سابقة خطيرة، تؤكد مدى عنجهية النظام الأمريكي ورعايته لإسرائيل في مهامها المحددة لها بعناية فائقة وسط حالة من التوتر مع إيران ورعاياها في المحيط العربي.
 
لكن ذلك كله ملفوف باعتبارات أخرى، ليست أمريكا وحدها من تصيغ ضمنياً أُطر ومحددات المرحلة والتطورات المتسارعة والمتلاحقة، فشركاؤها وحلفاؤها العرب لهم باع طويل، ومساهمات محمودة في جعل واقع المنطقة بهذه الصورة المهترئة، حيث كل الأمور مهيئة لإسرائيل المتباهية كملاذ آمن للديمقراطية اليهودية وكدولة نموذجية من بين دول المنطقة وإن اغتصبت وقتلت ودمرت!
 
التغيرات التي نشهدها اليوم، جعلتنا في متاهة البحث عن أنفسنا، فمن الثورة المضادة التي شرعنة للمستبدين بالعودة إلى سدة الحكم في دول، وصولاً إلى إثارة نعرات سلالية ومذهبية في دول أخرى، فإننا نواجه خطر البقاء وإثبات الوجود في ظل استحكام عملية المواجهة من باب "اشغله بنفسه ينشغل عنك"!
 
هذه سياسة مصطنعة، تهدف إلى مد جسور التواصل مع إسرائيل تحت غطاء التطبيع وقفزاً على الثوابت الدينية والقومية في سبيل ما بات يُعرف بالصداقة مع اليهود والعمل على حث الجميع نحو سلام دائم "صفقة القرن"، وكلها متاهات تقود للسيطرة الكلية والفعلية على المنطقة، دينياً وسياسياً وثقافياً واقتصاديا، وهذا ما حققته أمريكا حتى اللحظة للابنة غير الشرعية " إسرائيل" وضمنته على المدى البعيد ولا اعتراض من السعودية الكبرى ولا من أم الدنيا وحامية العرب مصر.
 
نحن أمام مفترق طرق، كلها تؤدي إلى القدس بحلوها ومرها، القدس التي لم تعد لأهلها؛ إذ تنازل عنها الجميع تطبيعاً وتعاوناً وتعبيراً عن حسن النوايا تجاه اليهود ودولتهم المُغَتَصِبة، وتنفيذاً لتوجيهات وأوامر الأخت الكبرى "أمريكا" كما قال جنرال إماراتي ذات يوم!
 
الصراع دائم ومستمر ومتجدد، مهما خفتت جذوته، فالقدس لا يمكن أن تذهب سدى، ضمن صفقة القرن التي يتم تفعيل بنودها وتنفيذها بسرعة متناهية، ومن أجل ذلك جاء ترمب، ومن أجل ذلك تتدفق أموال النفط إلى واشنطن رزماً رزما.
القدس محور الشرق، وعاصمة قلوب العرب، وبها اعتزازهم، وإليها انتماؤهم، وهي قبلتهم الأولى، وموئل أفئدتهم، وعنوان تاريخهم الذي يأبى الانكسار.. فإن تنازلت الدول والحكومات؛ فإن الشعوب لا ولن تتنازل، فالقدس حقٌ والحق لا يسقط بالتقادم مهما كانت الأحوال.
 
ستظل القدس شاهدة على غوغائية أفعالهم، وعلى انكسارهم، وعلى تبعيتهم العمياء على حساب القيم والمبادئ والثوابت والمكتسبات... ستظل شاهدة على أنهم كغثاء السيل وأكثر، عاجزون، وماهرون في تنفيذ ما يُملى عليهم دون نقاش أو استفسار، ستظل شاهدة على أنهم منهزمون، وأنهم قومٌ غافلون، يتبعون مصالحهم مهما كانت التضحيات!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر