ارتفاع تاريخي للدينار الجزائري.. ما الأسباب الذي دفعته للانتعاش؟

قفز الدينار الجزائري في الأيام الأخيرة قفزة مفاجئة وتاريخية في التعاملات الرسمية البنكية وفي السوق السوداء للعملات، وهي الأولى من نوعها منذ عقد كامل. 

ووفق البيانات الرسمية لبنك الجزائر الحكومي، فقد وصلت قيمة الدينار الجزائري مساء الثلاثاء الماضي أمام الدولار الأميركي إلى 140.40 دينارا جزائريا، في حين بلغت قيمة اليورو 140.41 دينارا جزائريا. 

واستنادا إلى مؤشرات الهيئة المالية الحكومية، فقد بدأت مؤشرات تحسن العملة الجزائرية أمام اليورو والدولار منذ السادس من سبتمبر/أيلول الحالي، محققة مكاسب بـ6 دنانير مقارنة بالأشهر الأولى من هذا العام، في حين حددت موازنة 2022 قيمة الدينار الجزائري أمام الدولار الأميركي بـ149 دينارا للدولار الواحد. 

غير أن خبراء الاقتصاد في الجزائر، يؤكدون أن الأرقام المتداولة في التعاملات البنكية الرسمية الحالية تعد "تعافيا تاريخيا" للدينار الجزائري أمام العملات الرئيسية للمرة الأولى منذ عقد كامل، حيث وصلت قيمة الدولار منذ مطلع العام الحالي إلى 146 دينارا، وسجل اليورو أكثر من 152 دينارا. 

الإذاعة الجزائرية الحكومية نقلت عن خبراء اقتصاديين أن الدينار الجزائري سجل ارتفاعا بنسبة 12.5% خلال العام الحالي مقارنة بـ2021. 

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تعهد في أغسطس/آب الماضي بـ"دعم حكومي للدينار" في تصريحات لوسائل إعلام محلية، من دون أن يقدم تفاصيل عن طبيعة الدعم الذي ينوي البنك المركزي تقديمه للعملة المحلية. 
 

متاعب عملة

ومن خلال تتبع مسار الدينار الجزائري في العقد الأخير، استنادا إلى بيانات البنك الجزائري؛ فقد بدأت معاناته بمنحنى تنازلي منذ 2014، بالتزامن مع انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية في أغسطس/آب 2014. 

وذكر تقرير سابق لبنك الجزائر أن العملة المحلية تراجعت بنسبة 50% في الفترة بين 2014 و2018، لكن قيمة الدينار الجزائري حافظت على مؤشرها السلبي رغم تعافي أسعار النفط العالمية في 2018، ولم تفلح إجراءات بنك الجزائر في تخفيض قيمة صرف الدينار مقارنة بالدولار بنحو 20% في وقف استمرار خسائر العملة المحلية. 

وفي عام 2019، ذكر البنك المركزي الجزائري في تقرير آخر أن قيمة الدينار تراجعت بشكل كبير من 2018 وحتى 2019 بنسبة فاقت 12%، مرجعا ذلك إلى تطور سعر اليورو أمام الدولار في الأسواق العالمية. 

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، كشف رئيس الوزراء الجزائري أيمن بن عبد الرحمن خلال عرض حكومته موازنة 2022 أمام البرلمان عن أن الدينار سجل تراجعا بنسبة 6.1% من 2020 إلى 2021. 
 

مستقبل واعد

من جانبه، توقع تقرير دولي أن يواصل الدينار الجزائري ارتفاعه أمام الدولار واليورو في 2023، وأن يُنهي 2022 بنسبة 1.8%. 

وتوقع تقرير تحليلي لوكالة "فيتش سوليوشنز" صدر الاثنين الماضي أن يسجل الدينار الجزائري ارتفاعا جديدا أمام الدولار ليصل إلى 136.30 دينارا مع نهاية العام الحالي، مبررا ذلك "بالتدخل النقدي" من قبل بنك الجزائر. 

ورجحت الوكالة الدولية الاقتصادية أن تلجأ الحكومة الجزائرية إلى خفض سعر الصرف إلى أقل من 138.84 دينارا للدولار الواحد، ورأى التقرير في السياق ذاته أن لهذه الخطوة المتوقعة مبررات مرتبطة "بارتفاع احتياطات النقد الأجنبي"، وهو ما يعني -وفق التقرير- قدرة الدينار الجزائري على "صد الصدمات التضخمية المعاكسة في المستقبل القريب" التي سجلها منذ مطلع العام الحالي. 

ويرى التقرير أن تعافي الدينار الجزائري سيمكن من إبطاء معدلات التضخم من 9.7 إلى 9%، حسب توقعاته السابقة. 

وختم التقرير توقعاته بأن يستمر ارتفاع قيمة الدينار الجزائري خلال 2023، واستند في ذلك إلى "الإدارة السياسية للسلطات الجزائرية لدعم العملة، والعوامل الاقتصادية الأخرى التي تساعد على دعم الدينار". 

وفي يونيو/حزيران الماضي، توقع المدير العام لشركة "سوناطراك" النفطية الحكومية توفيق حكار أن تبلغ عائدات الجزائر من صادرات النفط 50 مليار دولار مع نهاية العام الحالي، بزيادة قدرها 15 مليار دولار مقارنة بـ2021. 
 

قرار سياسي

أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الجزائر البروفيسور محمد حميدوش قدم من جانبه تحليلا تضمن الأسباب والعوامل التي أدت إلى هذا التعافي التاريخي للدينار الجزائري منذ عقد كامل، وحصرها في "التدخل السياسي"، وإلى عوامل خارجية أخرى مرتبطة بتداعيات الحرب في أوكرانيا على أسعار النفط، وكذلك إجراءات حكومية. 

وأشار في تصريح للجزيرة نت إلى أن "السبب الأول ذو طابع سياسي، لأن قرارات البنك المركزي غير مستقلة وتخضع لتدخل من أعلى مستوى في اتجاه رفع أو خفض قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية، بالنظر إلى الأثر المباشر على الدورة الاقتصادية، وما قد تُحدثه من هزة على القدرة الشرائية من منظور اجتماعي محض". 

وواصل قائلا "هذه هي الثقافة الجزائرية بالنسبة للسياسة النقدية منذ الاستقلال، والتي لا تتغير بالقوانين والتنظيم السائد ولا تتأثر بقوانين السوق، كما يدعم هذا القرار الجانب المالي وفقا لما تحقق من فائض في ميزان المدفوعات، وهذا الفائض يرتبط من جهة بعامل مستقل يتعلق بارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة أزمة الحرب بين أوكرانيا وروسيا، والقطيعة بين العرض والطلب الذي أحدثته العقوبات الاقتصادية من كل أوروبا وأميركا والدول الحليفة". 

كما أشار إلى أن القرارات الداخلية التي وضعت عوائق إدارية أمام الاستيراد لتقليص فاتورة خروج العملة الصعبة وتشجيع الصادرات خارج المحروقات لتحقيق مداخيل إضافية، وكل هذه المتغيرات حسّنت احتياطي العملة الأجنبية؛ لترتفع من 40 مليار دولار أميركي إلى ما يقارب 100 مليار دولار أميركي مع حلول العام المقبل. 
 

تعاف مؤقت

ويعتقد الخبير الاقتصادي أن سعر صرف الدينار الجزائري الحالي "ظرفي"، وبرر ذلك باستمرار توفر العوامل المستقلة التي لها أثر مرجح على العوامل التابعة، والمقصود بها السياسة الاقتصادية الوطنية. 

مضيفا أنه "بالتالي لا يمكن الحكم على المخرجات الأخيرة لسوق الصرف بالظرفية لأن أسبابها لم تكن اقتصادية كتحسن أداء الشركات أو الإنتاجية بالنظر إلى طفرة في الإبداع أو زيادة صادرات السلع أو الخدمات الراجعة لزيادة الاستثمارات، وبالتالي عافية على المدى القصير، ويبقي التخوف على المدى الطويل. 

وعن مدى احتمال تأثر القدرة الشرائية إيجابيا مع تحسن قيمة الدينار، أكد حميدوش أن المستهلك سيستفيد من ذلك، خاصة المواد الغذائية والتجهيزات المنزلية وغيرها، وتوقع أن تشهد أسعارها استقرارا أو انخفاضا نسبيا. 
 

المصدر: الجزيرة 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر