نبتت فكرة «حرق الجسد» غير بعيد عن المؤثرات الدينية، حيث كان ينظر للجسد على أنه «نجس وشر» وبالتالي فإن حرقه يأتي في سياقات تطهرية روحية. وكان في بريطانيا قانون «حرق الزنادقة» الذي يعاقب «الهراطقة» والخارجين على تعاليم الكنيسة» بالحرق أمام الملأ، انطلاقاً من فكرة التخلص من «الجسد النجس» وهي فكرة ذات أبعاد لاهوتية، مرتبطة أساساً بعقيدة «الخطيئة الأولى» في اللاهوتين: اليهودي والمسيحي. كما كانت بعض القبائل الهندية تفرض على الأرملة أن تحرق نفسها مع جثة زوجها الميت، كنوع من التخلص من جسدها، خشية انتشار شروره بعد موت الزوج، والأمثلة على ذلك لا يمكن حصرها هنا.
 
وفوق ذلك فإن الفكرة ـ في سياقاتها الدينية ـ توسعت لتشمل بالإضافة إلى مفهوم «العقاب التطهري» مفهوم «الاستشهاد الاحتجاجي» حيث كانت بعض الطوائف المسيحية القديمة تمارس عمليات الانتحار حرقاً، حفاظاً على عقيدتها، واحتجاجاً على ظروف اضطهادها، كما عند «المونتانيون» وهم طائفة مسيحية «لا ثالوثية» آمنت بـ»إله واحد» ورفضت «عقيدة التثليث» لدى المسيحية التقليدية، وقد تعرضت للاضطهاد عبر التاريخ، ومارست «حرق الذات» احتجاجاً على محاولات صرفها عن عقيدتها. ثم جاءت القصة الـ»استشهادية» الأخرى لـ«نصارى نجران» الذين تقاطروا جميعاً على النار التي أشعلها لهم الملك في أخدود عظيم، التهم أجسادهم التي ضحوا بها في سبيل الحفاظ على دينهم الذي حاول الملك صرفهم عنه، كما جاء في سورة البروج من القرآن الكريم.
 
وفي فيتنام، وتحديداً عام 1963 أقدم الراهب البوذي كوانغ ديك على حرق نفسه أمام المارّة، وبمساعدة رهبان آخرين، احتجاجاً على ممارسات النظام آنذاك ضد الرهبان، في «عملية استشهادية» مدفوعة بنزوع ديني. وقد التقط المصور الصحافي الأمريكي مالكوم براون صورة «الراهب الشهيد» وحصل بها على جائزة البوليتزير، وكذلك على جائزة العام الدولية للتصوير الصحافي لعام 1963، قبل أن يقوم الناشط الأمريكي المناهض للحرب نورمان موريسون سنة 1965 بحرق نفسه أمام مبنى البنتاغون، احتجاجاً على مشاركة بلاده في حرب فيتنام، واستعمال قنابل النابالم الأمريكية في حرق القرى الفيتنامية المختلفة.
 
ومع وجود الجذور الدينية لفكرة «حرق الجسد» إلا أنها تطورت لتدخل سياقاتها السياسية، مع انتشار الحروب والصراعات، واختلال موازين العدالة الدولية وازدواجية المعايير، إذ يثير منظر النار وهي تلتهم جسد الأرض في نفوس البعض الرغبة في حرق الجسد، بما يتضمنه حرق جسد الإنسان من احتجاج ضد انتشار النار في جسد الأرض. وفيما يستدعي حرق جسد الأرض نظائر كثيرة من التاريخ في روما ودريدسون وهيروشيما، وفي حلب وغزة، فإن لحرق جسد الإنسان نظائر كثيرة فردية وجماعية في الشرق والغرب على حد سواء.
 
وفي 2010 أقدم محمد البوعزيزي على حرق نفسه أمام بلدية سيدي بوزيد، احتجاجاً على مصادرة الشرطة التونسية آنذاك عربة كان يبيع فيها بعض الخضار والفواكه، لكنه لم يشعل النار في جسده وحسب، بل أشعلها في جسد المكان والزمان، وما زال شرر هذه النار يتوالى حتى اللحظة إقليمياً ودولياً، بسبب ما هيئ لها من تغطيات إعلامية وتفاعلات شعبية وسياسية واسعة، جعلت من البوعزيزي رمزاً للحرية وأيقونة للثورة ضد الظلم والفساد، بغض النظر عن مآلات «الربيع العربي» المدمرة.
 
ثم جاءت حادثة حرق المجند في القوات الجوية الأمريكية أرون بوشنيل نفسه في سياق احتجاجي، ضد مشاركة بلاده في الحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة.
 
مرت حادثة حرق بوشنيل جسده في الإعلام الأمريكي والغربي بشكل عام مروراً سريعاً، رغم بعض التغطيات التي كانت من قبيل الخروج من الحرج، إزاء عدم التعرض لحدث تراجيدي كبير، أقدم فاعله فيه على إحراق نفسه، وتوثيق العملية بالصوت والصورة، مشيراً إلى أن ما سيقوم به عمل «متطرف» ولكنه ليس أكثر تطرفاً من حجم الحريق الإسرائيلي في جسد غزة.
 
قال بوشنيل، وهو يقترب من سفارة إسرائيل في واشنطن: «لن أتورط بعد الآن في الإبادة الجماعية، سأنظم احتجاجا عنيفا للغاية، لكن احتجاجي ليس كبيراً بالمقارنة مع ما يعيشه الفلسطينيون على أيدي محتليهم» ثم أخذ موقعه أمام السفارة، وبدأ بسكب البنزين على نفسه، ثم أشعل النار، وراح يهتف: «الحرية لفلسطين» وظل يرددها إلى أن بدأ الحريق يلتهم جسده، وعندها علت صرخات الموت الذي كان يقترب من الجسد الغض الذي احترق بإرادة حرة، تأييداً لقضية عادلة، لا هرباً من ظروف اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية أو عقلية سيئة، كما ذكرت بعض وسائل الإعلام والكتاب في واشنطن وتل أبيب.
 
لم يكن ما قام به بوشنيل انتحاراً، لأنه لم يكن يعاني من ظروف نفسية صعبة، فما كان لديه «حالة هستيريا» كما ذكر مايكل ستار في مقاله بصحيفة جيروزاليم بوست، ولا كان «مختلاً عقلياً» ولا كان شخصاً فوضوياً، كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست، بل كان شخصاً منضبطاً وناجحاً في عمله، حسب أصدقائه ومعاريفه، كما أنه لم يكن فقيراً، أي أن دوافعه لم تكن دوافع البوعزيزي، ومع ذلك فقد احتفى الإعلام الغربي بمحمد البوعزيزي، وحوله إلى «تمثال حرية» لأن حريقه اندلع في جسد الخريطة العربية، فيما أهمل هذا الإعلام أو كاد أرون بوشنيل، حرصاً على عدم تطاير نيران جسده إلى خرائط لا يُراد لها أن تحترق.
 
وبطبيعة الحال فإن بوشنيل كان يعي تماماً أبعاد ودلالات ما هو مقدم عليه، بل إنه تعمد تضمين عمله هذا بعض الرسائل ذات المغزى، بدءاً من اختياره المكان، أمام سفارة إسرائيل في واشنطن، ثم التوقف للحديث عما هو مقدم عليه، وتوضيح نواياه، كي يقطع المجال أمام ما يعرفه عن صحافة بلاده من رغبة في طي صفحة الخبر والتعتيم عليه، وإطلاق تعليقات مختلفة حول الحادثة. ولعل من أبلغ الرسائل التي أراد بوشنيل إرسالها ـ كذلك ـ رسالته بإحراق نفسه وهو في زي الجيش الأمريكي، في ربط مقصود بين ما قام به ضد جسده، وما تقوم به الولايات المتحدة ضد الجسد الفلسطيني، دون أن نغفل عن رمزية المكان (أمام سفارة إسرائيل) والزمان ( زمن الحرب) ورمزية الهتاف لفلسطين، أثناء التهام النار للجسد، في محاولة للفت الضمائر ـ قبل الأنظار ـ إلى مشهد النار التي تلتهم غزة، والتي أشعلتها دولة السفارة التي يقف أمامها، بسلاح الدولة التي يلبس زيها العسكري، في رسالة مكتملة، تنم عن وعي حاد، وضمير يقظ، وعقل مدرك للهدف النبيل الذي أراد بوشنيل تحقيقه.
 
أحد أصدقاء بوشنيل وصفه بأنه «مسيحي متدين» لا يمكن أن يقدم على عمل «ضد خطة الله» لكن يبدو أن المجند الأمريكي الشاب قد قام بـ»عملية استشهادية» على الطريقة المونتانية والبوذية التي لا تخلو من أبعاد احتجاجية ذات محتوى ديني وسياسي في الوقت ذاته.
 

*نقلاً عن القدس العربي

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر