صباح يوم الثلاثاء 19 آذار/مارس أفاق سكان حارة الحفرة في مدينة رداع بمحافظة البيضاء اليمنية على تفجير الحوثيين منازل لمواطنين من سكان الحي، نتج عنه عشرات القتلى والجرحى، بسبب انهيار المنازل على ساكنيها.
 
بدأت القصة قبل عام عندما أقدم صهر مشرف رداع الأمني أبو حسين الهرمان على قتل سيف الزيلعي، أحد أبناء رداع في نقطة أمنية، وظلت أسرة القتيل تطالب بتسليم القاتل للمحكمة، دون جدوى، بسبب الحماية الأمنية التي منحها المشرف الأمني للقاتل، الأمر الذي حدا بعبدالله الزيلعي شقيق القتيل إلى اعتراض عربة عسكرية فوقها قاتل شقيقه، فأطلق النار عليه، وأرداه قتيلاً، مع شخص آخر بجانبه، وعلى الأثر توجهت قوة حوثية كبيرة، للقبض على الزيلعي، لكنه لم يكن في المنزل.
 
وعلى طريقة الحوثيين في الضغط أخذت القوة عدداً من الرهائن من الأسرة، وفي اليوم التالي توجه فريق خبراء متفجرات من صنعاء، متجهاً إلى رداع، مصحوباً بقوة حوثية، وفور وصولها رداع، توجهت لمنزل أسرة الزيلعي، وفخخته، رغم أخذهم رهائن من الأسرة للضغط على ابنها لتسليم نفسه.
 
على الفور حدث انفجار هائل أدى إلى دمار كامل للمنزل ومنازل أخرى مجاورة، انهدمت على رؤوس سكانها الذين قتل وجرح منهم العشرات، بينهم نساء وأطفال.
 
كانت الجريمة موثقة بكاميرات الحوثيين الذين صرخوا فوق ركام المنازل وعلى جثث أهلها: «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل» دون وجود أي رابط بين الشعار والمستهدفين الأبرياء الذين لحقتهم لعنة أمريكا وإسرائيل. على الإثر اشتعل غضب شعبي في كافة مناطق البلاد، وخشي الحوثيون من تداعيات العملية، وخافوا من تأثير الجريمة على صورتهم التي تحسنت بعد عملياتهم في البحر الأحمر، فحاولوا التملص من تبعات التفجير، لدرجة أن نائب وزير خارجية الميليشيا حسين العزي، قال إن الجريمة قام بها عناصر من «وزارة الداخلية» وأن المجني عليهم من هم من جماعة «أنصار الله» متجاهلاً حقيقة أن وزير الداخلية هو عبد الكريم الحوثي، عم زعيم الجماعة عبدالملك.
 
لم يهضم الناس محاولة قلب الجاني ضحية والضحايا جناة التي حاولها الحوثيون الذين عادوا وتحدثوا عن تصرف فردي، وخطأ «استخدام القوة بشكل مفرط» في محاولة منهم لربط التفجيرات التي نفذوها هم، ربطها بالطبيعة القبلية للمجتمع اليمني، على أساس أن ذلك العمل جزء من ثقافة القبيلة، في مسعى واضح لتبرئة فئتهم من مثل تلك الأعمال الهمجية، وربطها بالقبيلة اليمنية وتخلفها.
 
والواقع أن التقاليد القبلية معروفة في هذا الشأن، وأنها تغلظ عقوبة من يقوم بمثل هذه الأعمال، وقد شهدت القبائل في اليمن الكثير من الحروب والثارات، لكن تلك الحروب لم تكن تعمد إلى تفجير المنازل وقتل النساء والأطفال، حيث تقدح تلك الجريمة في شرف أي قبيلة يقوم أفرادها به، وتغلظ الأعراف عقوبة من يقوم به، إلى أن جاء الحوثيون الذين اتبعوا منهج نظام الأئمة في الماضي الذي كان يقوم بتفجير المنازل، ويستعمل سياسات العقاب الجماعي. ومع ذلك لنا أن نسأل هل بالفعل كانت جريمة رداع تصرفاً فردياً؟
 
تمت الجريمة بقيادة وإشراف المشرف الأمني الحوثي في رداع، والمشرفون الأمنيون يتلقون تعليماتهم من وزير الداخلية مباشرة، لأن المشرف الأمني يحظى بسلطة تفوق سلطة المحافظ نفسه، وعادة ما يتم اختيار المشرفين الأمنيين من السلاليين والعقائديين المقربين لزعيم الجماعة، وحسب الولاء للتوجهات الأيديولوجية للميليشيات.
 
ثم كيف يكون التصرف فردياً، وقد تم تجهيز وإرسال فريق المتفجرات من صنعاء، مع الاستعداد بالمدرعات، مع تواجد قوة أمنية كبيرة، دون أن يكون لعبد الكريم الحوثي وزير داخلية الحوثيين، وعم زعيم الجماعة علم بذلك، وهو الذي لا يتصرف المشرفون الأمنيون إلا وفقاً لتوجيهاته؟!
 
وفوق ذلك، وإذا تجاوزنا تفجير منازل رداع فإننا نقف أمام سلسلة طويلة من تفجير منازل الخصوم قام بها الحوثيون منذ دخولهم صنعاء، وقبل ذلك بكثير، أثناء تمردهم في السنوات التي سبقت 2011 في المديريات التي سيطروا عليها في محافظة صعدة.
 
وكيف يكون هذا التفجير تصرفاً فردياً إذا بلغت حصيلة المنازل التي فجرها الحوثيون حوالي ألف منزل، منها 731 منزلاً موثقاً، وضمن هذه 118 منزلاً في محافظة البيضاء وحدها، حسب تقرير حقوقي صدر عن المركز الأمريكي للعدالة في كانون أول 2023؟!
 
وقد وثق المركز مقتل 27 ضحية، منهم أحد عشر طفلاً وخمس نساء تحت ركام منازلهم التي فجرها الحوثيون، كما وثق جرح 24 ضحية بينهم تسعة أطفال وسبع نساء، وتأتي محافظة البيضاء في مقدمة المحافظات المتضررة، بحصيلة 118 منزلاً، وتليها محافظة تعز بحصيلة 110 منازل، وفي صعدة التي بدأ فيها الحوثيون سياسة التفجير والتي فجروا فيها عام 2011 منزل آل حبيشي الذي كان داخله 13 شخصاً، قتل منهم 11 من أفراد الأسرة بينهم نساء وأطفال، تحت ركام المنزل، وهذه التفجيرات وثقها الحوثيون أنفسهم، وهو ما يؤكد أنها سياسة لا تصرفات فردية.
 
الواقع أن التفجير منهج أشبه ما يكون بسياسة العقاب الجماعي، لأنه يستهدف الأسرة كلها، بتفجير منزلها، بسبب تهمة موجهة لأحد أفرادها. وقد نجح هذا الأسلوب في ترهيب المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تفقد الأسرة كلها سكنها، وهو الأمر الذي يرى الحوثيون أنه يجعل بقية الأسر تحذر، وتتحمل تبعات معارضة أي فرد منها لسياسات الميليشيات.
 
عندما سئل رجل الدين الموالي للحوثيين مرتضى المحطوري عن تفجير الحوثيين منازل أسرة الشيخ عبدالله الأحمر، رئيس مجلس النواب الأسبق، عام 2014، أفتى المحطوري بأن ذلك جائز، على اعتبار أنه «من باب ترهبون به عدو الله وعدوكم».
 
كما أن التفجير كان سياسة أئمة اليمن أثناء حكمهم لفترات متقطعة في البلاد، حيث مارسها الإمام عبدالله بن حمزة، الذي كان يتوعد خصومه بالحرق والهدم وينفذ وعيده، في قوله:
فلأضربن قبيلة بقبيلة
ولأحرقن بيوتهم بالنار.
 
وجاء في سيرة الإمام الهادي ـ مؤسس الإمامة الهادوية ـ التي كتبها قائد جيشه أنه كان يهدم قرى بأكملها، وكثيراً ما ورد في سيرته «فعمد إلى…فهدم دورها وحرق زروعها وثمارها». وعندما سئل الإمام الهادي عن قتل أطفال الخصوم أجاز ذلك، مستدلاً بأن الله عندما أهلك الأمم السابقة أهلكهم جميعاً، دون تمييز للصغير عن الكبير.
 
وسار الإمام يحيى حميد الدين، وهو والد آخر أئمة اليمن، على السياسة ذاتها، وقد سجل لنا الشاعر زيد الموشكي هدم الإمام منزل الشاعر، بسبب انتقادات الموشكي لسياسات الإمام، وكتب قصيدة في ذلك جاء فيها:
لله درك فارساً مغوارا
طعن السقوف ونازل الأحجارا
يا من هدمت البيت فوق صغاره
شكراً فأنت جعلتنا أحرارا
 
وقد تم إعدام الشاعر الموشكي فيما بعد عام 1948، على الرغم من أن الشاعر لم يقم بأي عمل مسلح، سوى معارضته لسياسات الإمام يحيى في عزل البلاد عن العالم الخارجي، ومنهجه في التجويع والإفقار والتجهيل.
 
يقول فقهاء القانون الدولي إن هدم المنازل فوق ساكنيها يعد جريمة حرب جسيمة تخالف القانون الدولي الإنساني، كما أن تعمد هدم المنازل لتدمير الممتلكات جريمة حرب، وفقا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وجريمة ضد الإنسانية إذا نفذ بشكل واسع النطاق، أو بطريقة توحي بهجوم ممنهج ضد المدنيين، وهو ما ينطبق على ممارسات الحوثيين في هذا الخصوص.
 

*نقلاً عن القدس العربي

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر