فتحت لنا الانتخابات الرئاسية السنغالية التي أجريت يوم 24 مارس/ آذار الجاري، نافذة أمل ديمقراطي على أطراف العالم الإسلامي الغربية في غرب أفريقيا، والتي فاز فيها المعارض السنغالي الشاب بشير ديوماي فاي، ليصبح أصغر رئيس أفريقي منتخب، بعد خروجه من السجن بعشرة أيام وخوضه هذه الانتخابات، مسدلاً الستار بذلك على واحدة من أروع قصص الإلهام النضالي والكفاح الديمقراطي السلمي الأفريقي في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ أفريقيا والعالم.
 
بشير ديوماي فاي، مواليد 1980، مفتش الضرائب وخرّيج كلية القانون في جامعة الشيخ أنت جوب بدكار. أسّس في 2014، مع رفيقه وأستاذه عثمان سانجو ذي الخلفية الإسلامية، حزب "الوطنيون الأفارقة من أجل العمل والأخلاق والأخوة"، ذا الأيديولوجيا العلمانية الوطنية، والذي ضمّ في صفوفه خيرة النخبة الشابة السنغالية من مختلف التيارات، لما يتمتّع به هذا الحزب من رؤية وطنية تحرّرية ضداً للمصالح والنفوذ الفرنسي في السنغال الغنيّة بالنفط والغاز، وذات الـ 16 مليون نسمة ومساحة 196 ألف كيلومتر مربّع على سواحل غرب أفريقيا وهبة نهر السنغال العظيم الذي أخذت منه اسمها. فقصة هذين الشابين، عثمان وبشير، قصة كفاح ملهمة. فبعد سجن عثمان سانجو بتهم كيدية سياسية من حكومة ماكي سال السابقة، ومنع عثمان من الترشّح للرئاسة، كانت خطّة عثمان البديلة جاهزة، وهي الدفع برفيق دربه بشير إلى قيادة الحزب أميناً عاماً له والترشّح للرئاسة في هذه الانتخابات التي خاضوها بتحدٍّ واقتدار كبيريْن وتحت شعار "مشروع السنغال السيادي، العادل والمزدهر"، مستغلين حالة السخط العام على حكومة ماكي سال الموالية لفرنسا.
 
فوز بشير، أو بالسنغالية بسيرو ديوماي فاي، في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، بنسبة 56% مقابل 31% لمرشّح الحكومة، كان بمثابة استفتاء كبير للشعب السنغالي وتوقه إلى التغيير واستعادة سيادة القرار السنغالي الرسمي من الارتهان لفرنسا، وخصوصاً أن بشير ورفيقه عثمان كانا من حملة مشروع استعادة السيادة الوطنية السنغالية وتحرير القرار الوطني السنغالي، وهو ما كان واضحاً في حملتهم الانتخابية القصيرة، التي لم تتجاوز عشرة أيام من خروج المرشّح الرئاسي الفائز بشير ديوماي فاي من السجن.
 
ترسم قصة كفاح هذين الشابّين، عثمان وبشير، بخلفيتيهما الإسلامية، شارة إلهام لشباب القارّة الأفريقية في إمكانية التغيير سلمياً متى ما آمنوا بذلك طريقاً وحيداً للنضال، في ظل حالة الاحتقان الذي تمرّ به دول غرب أفريقيا وكفاحها من أجل الانعتاق من هيمنة النفوذ الفرنسي النهاب للثروات والمقدّرات، والتي يُعبّر عنها بفوضى الانقلابات العسكرية بين حين وآخر، مع ما تمثله هذه الانقلابات من تكريس لحالة الاحتقان السياسي، وإن تسترت هذه الانقلابات بالتحرّر من النفوذ والهيمنة الفرنسية، والغربية عموماً.
 
التجربة السنغالية الديمقراطية عريقة، وجاءت هذه الانتخابات وفوز المعارضة السنغالية فيها لتكريس هذه التجربة وتجذيرها بشكلٍ أكبر، خصوصاً أن في قلب هذه التجربة قصة كفاح ونضال شبابي سنغالي باذخة الحضور والإلهام في أوساط الشباب الأفريقي، حينما ندرك حجم التضحيات التي قدّمها هؤلاء الشباب في أطر حزب باستيف من خيرة شبابهم طوال المرحلة السابقة ما بين قتيل ومعتقل ومشرّد.
 
 
ورغم هذا الفرح الكبير الذي عمّ الشعب السنغالي والشعوب الصديقة له، إلا أن أمام هذه التجربة تحدّيات كبيرة، في مقدّمتها أن فرنسا التي تدرك أنها خسرت أو في طريقها إلى خسران كامل نفوذها على دول غرب أفريقيا، أو ما تسمّى مجموعة الإيكواس، لن تترك هذا التجربة تمضي بسلام، برغم الرسائل المطمئنة التي بعث بها الرئيس بشير ديوماي فاي، ورفيقه عثمان سانجو من أنهم ليسوا ضد فرنسا، ولكن ضد فرض فرنسا نفسها وصيّة على بلادهم، وأنهم مع علاقة صداقة ودّية لتحقيق المصالح المشتركة التي يحترم فيها الطرفان صداقاتهما.
 
السنغال في المخيال الغربي، والفرنسي تحديداً، إحدى أهم قلاع الحضارة الإسلامية في أفريقيا، ويحضر فيها الإسلام هوية واضحة لم تستطع فرنسا طوال وجودها من تذويب هذه الهوية الإسلامية المتجذّرة التي تبرز في كل مجالات الحياة من مساجد وقلاع وحصون وتعليم وأعياد ومناسبات إسلامية طوال العام، برغم أنها (فرنسا) فرضت لغتها لغةً رسمية للدولة، وكذلك عملتها الفرنك، وحاولت فرنسة كل مجالات الفن والثقافة، إلا أن الشعب السنغالي ظلّ متمسّكأً بهويته الروحية والثقافية المتمثلة بالإسلام الذي يدين به ما يقارب 94% من هذا الشعب الأفريقي.
 
ومن تحدّيات هذه التجربة الديمقراطية السنغالية الملهمة أيضاً أن الرئيس الجديد حديث عهد بالمنصب الرئاسي، ولم يسبق له أن تولّى أي منصب حكومي، ما يشكّل تحدّياً حقيقياً للرئيس وكيفية التعاطي مع هذا الموقع الجديد بالنسبة إليه، والذي يتطلب قدرة فائقة على نسج العلاقات والتحالفات والمصالحات وتطوير مؤسّسات الدولة السيادية وتخليق إدارة جماعية متناغمة تعلي من قيم المشروع الوطني ومصالح البلاد الوطنية العامة.
 
عدا عن ذلك، ثنائية الزعامة القائمة اليوم بين الرئيس الجديد بشير ورفيقه عثمان، الذي كان يُفترض أن يكون هو المرشّح للرئاسة لولا القيد القانوني عليه، قد تشكل نقطة خلاف مستقبلية ما لم تُحسَم في إطار مؤسّسات الدولة السنغالية نفسها، بحيث مثلاً يصبح عثمان رئيساً للوزراء، حتى يتم التخلص من ثنائية الزعامة الشعبية التي تحققت للرجلين، ويمكن من خلالها أن ينسج خصوم هذه التجربة الديمقراطية الملهمة في غرب القارّة الأفريقية خيوط صدام مستقبلي بينهما.
 
وختاماً، مباركٌ للشعب السنغالي هذا النجاح الديمقراطي الكبير، متمنين له المضيّ بهذه التجربة حتى النهاية وترسيخها كتجربة ملهمة لشعوب المنطقة، الغارقة في أتون انقلابات عسكرية تنتج بعضها بعضاً، خالقةً حالة من عدم الاستقرار، ومسهلة للمتربصين بالمنطقة تدخلهم الدائم، ما يجعل المنطقة في فوضى دائمة وعدم استقرار.
 
*نقلاً عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر