دليل الحروب العبثية والأنيقة


زكريا الكمالي

 
إذا كانت جماعة الحوثيين ترى بالفعل أن ما يدور في اليمن هو "حرب عبثية"، كما بيّنت اللافتات التضامنية العملاقة مع وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي في شوارع العاصمة اليمنية صنعاء، فلماذا تقبل أن تكون جزءاً من العبث الحاصل، وترفض كافة الحلول والمبادرات المطروحة لوقف الحرب، أو بالأصح، لماذا جلبت لليمن كلّ هذا العبث منذ الانقلاب قبل سبع سنوات؟
 
لدى الحوثيين قصورٌ عميق في إدارة المكايدات السياسية. مثلاً، سيكون من المقبول إطلاق تصنيفات للحرب من مراقب عربي أو غربي، تقتصر علاقته بما يدور في اليمن على ما يطالعه عبر إعلام منحاز ربما، لكن أن يصدر التأييد من مكّون يمني هو من أطلق الرصاصة الأولى وأوقد الحرب الطاحنة، فهذا هو العبث بعينه.
 
وبعيداً عن خدمات الدفاع المتبادلة بين الحوثيين وجورج قرداحي، يتعين على فلاسفة الحروب توضيح مفهوم "الحرب العبثية" بشكل أدق، أو الخروج بدليل يشرح الفوارق بين الحروب العبثية والحقيقية، وما إذا كانت هناك حروب "أنيقة" أو كمالية.
 
ما يشهده اليمن هو حرب مدمرة على كافة المستويات، وليس مجرد صراع ديَكة للتسلية والمراهنات بأموال ضخمة. وإذا كانت الحرب اليمنية لم تجعل الملايين من اليمنيين يتدفقون إلى أسوار القارة الأوروبية بحثاً عن الهجرة واللجوء كما صنعت أزمات عربية مختلفة، فهذا يعود إلى أن اليمني متعلّق بأرضه وبيئته، ويكافح من أجل البقاء حتى وهو معدم وفاقد للأمل.
 
قتلت الحرب أو تسببت بوفاة أكثر من 250 ألف يمني وفقاً لإحصائيات أممية، وأدخلت نحو 10 ملايين يمني في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، ودمرت الاقتصاد والمرافق التعليمية والصحية، وأعادت أوبئة وأمراضاً من الزمن الغابر، فهل ما يجري من بؤس ومعاناة مجرد مشاهد تمثيلية لحصد صيحات الإعجاب؟
 
ما يشهده اليمن حرب منسية، وتعاطٍ عبثي من المجتمع الدولي الذي يتعامل مع الأزمة بتسطيح غريب كما لو أنه إسقاط واجب، دون الغوص في جذور النزاع ومعالجة المسببات المختلفة ومعاقبة الطرف الذي أشعل حرباً ويصر على المقامرة بحياة نحو 30 مليون يمني خدمة لأجندة خارجية.
 
شنّ الحوثيون حرباً على مختلف شرائح المجتمع اليمني تحت مبررات عبثية خالصة، ابتداء من السلفيين والطائفة اليهودية في صعدة، وبعد ذلك القبائل ومؤسسات الدولة والمدن. وعاماً بعد آخر، تبتكر الجماعة ذرائع عبثية جديدة لمواصلة الحرب، بما يضمن لها إدارة البلاد بالخرافة ومزاعم الحكم الإلهي.
 
والقول إن حرب اليمن حقيقية وكاملة الدسم، لا ينفي عدم وجود أطراف عابثة ومقامرة بمستقبل الملايين. كما يستخدم الحوثيون أبناء القبائل وقوداً لمعاركهم الوهمية التي تزعم محاربة أميركا وإسرائيل في بلدات محافظتي مأرب وتعز، هناك مشاريع أكثر من عبثية لدى الطرف الآخر، وعبث لا محدود في طريقة إدارة المعركة.
 
الرداءة المستعصية في طريقة إدارة الحكومة اليمنية للمعركة العسكرية والسياسية والاقتصادية، عبثٌ مع مرتبة الشرف. والطريقة الدعائية التي اعتمدها التحالف الذي تقوده السعودية، في الإعلان عن مئات القتلى الحوثيين بشكل يومي دون ظهور نتائج ملموسة تكبح العدوان الحوثي على مأرب، هي ضرب من العبث بالتأكيد.
 
ما يجري في اليمن حرب ممنهجة ومكتملة الأركان، لكن هناك أطرافاً عابثة وانتهازية ساهمت بإطالة أمد النزاع، وعقّدت الحلول، وهي تلهث وراء مصالحها. وإذا كانت جماعة الحوثيين متمسكة بأقوالها بأن ما يجري هو حرب عبثية، عليها المبادرة بإثبات ذلك، وإعلان وقف القتال والاستعداد للجلوس على طاولة الحوار لمناقشة جذور الحرب. وحينها، سيعرف العالم أجمع من هو العابث الحقيقي.
 

*نقلا عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر