عدن وذكرى آخر رصاصة


خالد حيدان

في مثل هذه اللحظات منذ خمس سنين  كانت قد صدرت الاوامر التنفيذية باغتيال الشهيد الشيخ صالح سالم حليس  وانتقلت فرقة التنفيذ قبل صلاة العصر لرصد الهدف في مديرية المنصورة وهو يخرج من مسجده  (مسجد الرضا) ولم يكد الرجل يبتعد خطوات عن الجامع حتى كانت الدراجة النارية بآثميها تقترب من الرجل  وتطلق اعيرتها القاتلة على جسد الشهيد ليسقط مضرجا بدمائه .

هذا هو المشهد الذي تكرر مرة اخرى في  صبيحة الثلاثين من يونيو عام ٢٠٢١ م ليطلق نفس القتلة نيرانهم على الشهيد بلال الميسري في نفس المديرية المنصورة وبين الجريمتين والمشهدين   ظل نفس المشهد يتكرر في عدن على مدى خمسين عاما ماضية وهذه هي اركان المشهد:

• الآمرون
• المنفذون
• وسائل التنفيذ
• الضحية

ومع اختلاف  اسماء اركان المشهد التي ظل أركانها الثلاثة الأولى غائبة كغياب العدالة لم يكن يعرف الا اسم الضحية ومكان الجريمة وزمنها، وظل الجرح ينزف، والرصاصي يلعلع، والرجال يتساقطون، والمدينة تضيع، والاسئلة تتوالى:-

▪ لماذا يقتل الرجال؟
▪ لماذا تحكم المدينة وتدار بالقتل والارهاب؟
▪ لماذا تغيب العدالة؟
▪ لماذا يهجر الناس المدينة؟
▪ لماذا تكثر الاشباح في قلب المدينة؟

كانت الآمال بعد تحرير المدينة عدن في صيف ٢٠١٥ م ان تستعيد عدن انفاسها وتصنع تجربة دولة جديدة تعيش الحياة والامن والتنمية والاستقرار وتتكامل مع محيطها ، ولكن امام هذه الآمال كانت هناك ايد خفية قد اعدت خططها واصدرت اوامرها وجهزت منفذيها وباشرت القتل لا سواه  في حارات المدينة .

 نكسة اخرى بعد النكسة الاولى مع الاستقلال الوطني ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧م والذي ظن الناس يومها انه اخر يوم ستسمع فيه طلقة رصاص في المدينة واننا بعدها لن نحتفل كل عام الا  بالذكرى لآخر طلقة رصاص في المدينة وان جهودنا جميعا ستكون جهود عقلاء، للحياة والتنمية والاعمار في هذه المدينة العالمية، فإذا الظنون تخوننا عاما بعد عام ليستمر القتل في الاعوام العاقبة للاستقلال لينتهي عقد الستينات بتصفيات في عاميه الأخيرين، قتل خلالها من قتل وسجن من سجن وهجر من هجر.
 
وظن الناس ان عقد السبعينات سيكون عقد الرشد حيث تخلص الرفاق من مناوئيهم ولكن المفاجأة كانت مزيدا من الهيجان والعنف الذي استمر بشكل هستيري على مدى عقد السبعينات - الذي شهد حربين بين النظامين الجمهوريين في الشمال والجنوب - ذهب ضحيتها الاف القتلى والجرحى والمهجرون ومع اشتعال نيران الحروب كانت حوادث القتل والاغتيالات لا تنتهي وظل اركان الجريمة، الآمر والمنفذ ووسيلة التنفيذ اشباحا وكأنهم لا أثر لهم.


وفي عقد الفضيحة عقد الثمانينات ازداد سعار القتلة وغيب العقل وكانت الفضيحة الكبرى في عام 1986 حيث اكلت نيران القتل مسعريها وشهد العالم حفلة قتل لا مثيل لها في مدينة لا نزيد مساحتها عن مئة كيلو متر مربع وكانت مجزرة بكل ما تحمله الكلمة وضحاياها بعشرات الالاف قتلى وجرحى ومشردون ومتضررون وكان هذا هو الانجاز العظيم، الذي قدمت من خلاله المدينة في مشروع الوحدة مع الشمال.


ومع استمرار جرائم القتل والإرهاب وطلقات الرصاص والاختطاف وتدمير المدينة وتعدد اللاعبين المحليين والدوليين والعبث بحياة الناس كانت الآمال تجدد بان تكون هذه الطلقات آخر الطلقات وتكون كلمة للعقلاء والعدالة، ولكن سرعان ما تبخرت هذه الاماني وكانت الاجابات على الاسئلة تتضح بشكل جلي أكثر وأكثر خاصة مع استجلاب مجرمين محترفين لإرهاب المدينة.
 
وهاهي عدن تترنح بطلقات الرصاصات الأولى التي قتلت الإباء الأوائل مع الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر ومستمرة في قتل الأبناء جيلا بعد جيل ومع كل شهيد يسقط يتمنى المجرمون سقوط المدينة النهائي وانزوائها بعيدا عن موقعها الجغرافي المتميز واهميتها كمدينة عالمية مسنودة بكثافة بشرية وقدرة فائقة لدى اليمنيين للعلم والتعلم والحياة والبناء.


هذه عدن المدينة والتاريخ ودماء الشهداء تنتظر العقلاء لتحتفل بذكرى آخر طلقة رصاص وتنعم بالأمن والعدالة والاستقرار.

مشاركة الصفحة:

اقراء أيضاً

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر