يجب الوقوف أمام ما جرى في عدن خلال اليومين الماضيين وتقييمه بالاستناد إلى حقيقة واحدة فقط وهي أن المقاومة التي وقفت في وجه الانقلاب العدواني للحوثي وصالح قد تشكلت في خضم صراع متحرك ومواجهات دامية وتحت رايات متعددة التقت عند هدف واحد وهو هزيمة هذا الحلف المليشاوي العدواني، لكنها في معظمها لم تقترب بما فيه الكفاية من مشروع بناء الدولة الذي كان يجب أن يشكل قاسماً مشتركاً يمكن العودة إليه عند الضرورة، قاتلت ببسالة لكسر العدو وافتقرت إلى هذه البسالة حينما تعين عليها أن تعالج قضايا المستقبل.

 

إشكالية ضعف الانتماء إلى هذا المشروع للأسف جعل الخلافات التي تبرز بين فصائل المقاومة تأخذ أبعاداً تتجاوز حدودها الطبيعية، لا يردعها عن الاحتكام للسلاح أي رادع، وطالما افتقرت العلاقة الداخلية بين هذه الفصائل إلى رابط استراتيجي يكون هو المرجعية في إعادة بناء وتأهيل وتنظيم المقاومة باعتبارها القوة الأساسية التي تحمي فكرة استعادة الدولة وبنائها على الأسس التي تحقق السلام والاستقرار للجميع فإن أبسط خلاف بين مكوناتها سيجري تسويقه على أنه مؤامرة تستهدف هذا الطرف أو ذاك، وستجد نفسها وقد انساقت وراء هواجس المواجهة وكسر الآخر بعد أن يعاد تشكيل الأخر في الوعي المضطرب بطريقة أقرب إلى الملهاة.

 

ما أشبه الليلة بالبارحة في ممارسة الفعل العبثي حينما يتم تجاهل التحدي الرئيسي ويستسلم الجميع لمغالطة الضمير الفاسد الذي يهمل العدو الحقيقي ويبحث عن عدو محتمل.

 

مهما بدت بعض الأطراف قوية فإنها في نهاية المطاف لن تكون أكثر من شوكة مؤذية في خاصرة منظومة المقاومة ، ولن يكون لقوتها أي معنى إذا ما جردت من وظيفتها الحقيقية المتمثّلة في مواصلة ردع الانقلاب حتى هزيمته ، وحماية المنجز الذي تحقق على الأرض وتمكينه من أن يتحول إلى نموذج اجتماعي وشعبي واقتصادي يجسد مصداقية المقاومة في الانتصار لمشروع الدولة.

 

لا شك أن هناك تعقيدات كثيرة على الطريق، لكن الهدف الأكبر الذي يسعى إليه الجميع وهو بناء اليمن الذي توافقوا عليه، وعلى هذا الطريق حل المشكلات المرتبطة بذلك ومنها قضية الجنوب وتثبيت نظام مدني لدولة المواطنة التي يتطلع إليها الجميع، لا بد أن يساهم في إعادة صياغة الأولويات في ضوء التحديات الضخمة التي تنتصب كل يوم في صورة جديدة ، وما لم نتخلص من الأساليب القديمة في مواجهة التحديات والتي أثبتت أنها أدوات هزيمة أكثر من كونها أي شيء آخر فإن المقاومة ستغرق في خلافاتها الداخلية حسب ما تمليه تقديرات الحسابات الخاصة للأفراد.

 

لقد تحدثنا أكثر من مرة بشأن صياغة رؤيا منهجية تكون أساساً لحوار شامل مع دول التحالف حول مستقبل اليمن، واعتقد انه آن الأوان لإطلاق جملة من الفعاليات على أكثر من صعيد لإجراء مناقشات داخلية بعيداً عن نزق التعصب الذي أورثنا مخاطر الانقسامات والاتهامات مع كل خلاف في وجهات النظر، لا شيء مما يصنعه الإنسان محرم بحثه، المحرم هو أن تقمع الآراء بتلك الوسائل والطرق التي تجعل التفاهم عملية مستحيلة.

 

كل محاولة لتمرير قناعات معينة بتخوين الأخر أو تشويهه أو قمعه بموقف متعالي من أي نوع كان هو عمل لا يصدر إلا عن ضعيف، أخرق لا يحمل أي مشروع محترم غير ما يعتمل فيه من تناقضات يجندها للتخريب ، لانه لا يرى نفسه حاضراً إلا في الخرائب.

 

راجعوا الخطاب الذي يشكل جزءاً من منظومة إعلام القوى المنضوية تحت راية الشرعية (غير الرسمي) لنعرف كيف تتحرك الخرائب بخطاب غير مسئول وكأن البعض يلهو غير مدرك الأثر النفسي والسياسي والثقافي الذي يصنعه هذا الخطاب المشوه.

 

 ورغم ذلك هناك من يصرخ متسائلا لماذا تأجل الانتصار؟ تأجل الانتصار لأن للانتصار شروط لا يمكن اقتصارها على الجبهة العسكرية فحسب ولكن يجب البحث عنها أيضاً في المكان الذي يعبئ الذخيرة بالموقف السياسي والمعنوي قبل تعبئتها بالمفجر، هذا المكان هو بيت القصيد الذي لم يلتحم بعد مع الجبهة إلا بخطاب تفكيكي مدمر للقدرات ومثبط للمعنويات ومشكك في تماسك الفكرة التي تزود البندقية بالإرادة.

 

لا بد من فتح هذه الجزر على بعضها وإعادة تسيلها عبر قنوات يتولى الرئيس رعايتها وتشكيل فريق عمل مشترك توكل إليه مهمة التفكير في إيجاد الحلول المناسبة لهذا الوضع المؤقت والمضطرب ولدينا كامل الثقة أن محفزات الاتفاق والتلاحم لا زالت أقوى من بواعث الخلاف، المهم تفويت فرصة الذهاب بالخلاف الى نقطة اللاعودة.

 

 

*من صفحة الكاتب على فيسيوك

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر