"جبايات لا حدود لها".. كيف تُدمر مليشيات الحوثي القطاع الخاص في صنعاء؟ (تقرير خاص)

[ مليشيات الحوثي استحدثت نقاط جمركية في مداخل المدن الخاضعة لسيطرتها ]

 في اليومين الماضيين انخفضت أسعار صرف العملة القديمة في المناطق التي تسيطر عليها مليشيات الحوثي، أمام العملات الأجنبية، بمستوى محدود، من 148 إلى 144 أمام الريال السعودي، حيث لا يمكن للريال القديم تجاوز مستوى 160 ريالا أمام السعودي، مهما كان الوضع النقدي.
 
لا ترتبط عملية الانخفاض بالتأثر من نمو الإنتاج، أو إصلاحات اقتصادية، أو زيادة في تصدير السلع، وفق مصدر مصرفي تحدث لـ"يمن شباب نت". وقال إن "الانخفاض مرده إلى شائعات تفيد بأن الحوثي والسعودية اتفقوا على كل شيء، بما فيها إعادة جميع الإيرادات في اليمن إلى البنك المركزي في صنعاء فاقد الصلاحية والمشروعية".
 
وخلال الأيام القليلة الماضية ضخت مليشيات الحوثي أخبارا وإشاعات تتحدث عن أنه سيتم تسليم رواتب القطاع المدني والعسكري في صنعاء بالعملة الصعبة بموجب المباحثات التي ترعاها سلطنة عمان بين المليشيا والسعودية.
 
ترويج هذه الأخبار التي ساهمت في تخفيض أسعار العملة بشكل محدود، يحاول الحوثي التغطية من خلالها على حقيقة أن شركات الصرافة في مناطق سيطرته بدأت تعاني فعلا من شح النقد الأجنبي، رغم قلة الإنفاق العام والاستثمار في مناطق سيطرته، بحيث أن تلك الشركات ترفض تسليم الحوالات بالعملة الأجنبية، الصادرة من صنعاء وغيرها من المناطق الخاضعة للمليشيا إلى مناطق الحكومة الشرعية.
 
وأمام هذه الدعوات نصح علي أحمد التويتي مدير صرافة سابق، في منشور له على فيسبوك ردا على تساؤلات كثيرين، بأن "لا أحد يصرف عملته الأجنبية إلا بمقدار حاجته فقط". وذلك في تحذير واضح للمواطنين من عدم صرف ما بقي معهم من مدخرات أو حوالات من أن يكون هوامير الصرافين خلف تلك الإشاعات.
 
حرب على الاقتصاد
 
عكس ما هو متوقع، من أن الهدنة ستفتح الآفاق أمام الاقتصاد للانتعاش، وإعادة البناء مرة أخرى، إلا أن الحوثي بدأ حربا اقتصادية مدمرة، على القطاع الخاص في اليمن بشكل خاص، وعلى القطاع عموما، باستهداف موانئ التصدير ومنشآت الطاقة في جنوب شرقي اليمن.
 
ورغم ادعاء رئيس الحكومة الشرعية معين عبدالملك بأن الاقتصاد اليمني نما في 2022 بنسبة 2% فإن تلك المكاسب تلاشت ابتداء منذ أكتوبر أي الربع الثالث من السنة الفائتة، بفعل الهجمات الحوثية المنظمة والمتعمدة التي وصفت بالإرهابية من مجلس الأمن والحكومة اليمنية ودول مجلس التعاون، وأدت إلى تقليص المكاسب، التي دفعها بالأساس ارتفاع أسعار النفط.
 
وتشمل الحرب الحوثية أشكالا متعددة من الهجمات على القطاع الخاص، مثل الاقتحامات، وتدمير أسس السوق الحر، وصراعات الكيانات الحوثية الاقتصادية، بالإضافة إلى الجبايات الباهظة التي تتزايد باستمرار.
 
بالإضافة إلى تدخل كبار القادة الحوثيين في أعمال كبار التجار، والسيطرة على شركاتهم بصورة متعددة، وتدمير دور القضاء التجاري، واستمرار الهجمات المسلحة على أهم المؤسسات الحيوية للقطاع الخاص بمختلف أحجامه.
 
ويقول المحلل السياسي عبدالهادي العزعزي لـ"يمن شباب نت"، إن مليشيا الحوثي تعمل على المسار العسكري، بالإضافة إلى المسار المالي للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الكتلة المالية بالعملات المحلية والأجنبية، وإدارة النشاطات الأهم من القطاع الخاص، ليس بغرض تنميته، ولكن بهدف الاستحواذ عليه، وتدمير القطاع الخاص الذي كان قائما من قبل.
 
إفلاس محور إيران
 
كشف تحليل نقدي ترجمه "يمن شباب نت" الأسبوع الماضي أن مليشيا الحوثي بدأت تعاني فعلا من أزمة مالية، بعد سنوات من الحروب التي تشنها، وحروبها على القطاع الخاص، بالإضافة إلى أن الاضطرابات في إيران، وقال التحليل "انخفض الدعم الإيراني بسبب نقص الأموال بالإضافة إلى الاضطرابات في الداخل الإيراني".
 
والخميس الماضي، ظهر المدعو حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني المصنف إرهابيا، يتوسل دول الخليج العربي دعم لبنان بمليارات الدولارات بعد تردي قيمة الليرة اللبنانية ودفعت بالبلاد إلى مرحلة متقدمة من الافلاس.
 
في الوقت نفسه أدت الاحتجاجات في إيران، والعقوبات المفروضة عليها، إلى أن ترفع إيران أسعار الوقود إلى سوريا، وتطالب بدفعه مقدما بأسعار باهظة، تسبب في أزمة وقود خانقة في سوريا، بينما انهارت  الليرة اللبنانية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في الأيام القليلة الماضية، وصلت حد صرف 100 الف ليرة مقابل دولارين فقط، بعد أن كانت في 2019 تساوي 67 دولارا.
 
استهداف القطاع البنكي
 
برز القطاع البنكي أحد أهم القطاعات الاقتصادية الخاصة تضررا من الهجوم الحوثي الذي يستهدف النشاط الاقتصادي، حيث يتعرض القطاع لسلسلة من الهجمات الحوثية تصاعدت مؤخرا مع بدء الهدنة ربيع السنة الماضية.
 
وقرر الحوثي المضي قدما في إصدار قانون بنكي جديد ظاهره محاربة الربا، وجوهره السيطرة على ديون وودائع وأموال بمقدار 30 مليار دولار، بسعر صرف العملة القديمة، أو ما يعادل بالريال اليمني 15 ترليون ريال، أكثر من نصفها تعود للقطاع الخاص.
 
كما عمدت مليشيا الحوثي إلى تحويل ترليون وسبعمائة مليار ريال من أموال وودائع البنوك التجارية الخاصة، إلى حساب خاص في البنك المركزي بصنعاء، ومنع البنوك والمودعين من الحصول عليها أو استعادتها.
 
وخلال الأسابيع الماضية، من السنة الجديدة قررت المليشيا حظر ثمانية بنوك جديدة من الاشتراك في مزادات البنك المركزي في عدن، وعددها أربعة بنوك، أحدها كاك بنك، كما قرر الحوثي الحد من قدرة البنوك الأخرى من الوصول إلى المزادات إلا بمقدار ما تبيعه من بضائع في المناطق المحررة، دون أن يوفر أي بديل للتجار للاشتراك في المزادات عبر البنوك.
 
أكثر من ذلك منع الحوثي المنظمات الدولية من التعامل مع ثمانية بنوك رئيسية، هي البنك الأهلي اليمني، وبنك القطيبي، وبنك التضامن أكبر البنوك التجارية الإسلامية في اليمن، بالإضافة إلى بنك الكريمي، وبنك عدن، وبنك سبأ الإسلامي، والبنك العربي، وكاك بنك عدن، وفق ما نقله مركز دراسات الإعلام الاقتصادي، الذي قال إن الحرب الاقتصادية ستكون نتائجها مدمرة على القطاع الخاص والمواطن اليمني.
 
وقال وفيق صالح الصحفي الاقتصادي في تصريح خاص لـ"يمن شباب نت"، إن التداعيات للقرارات الحوثية تجاه البنوك كارثية بالتأكيد، مضيفا،" يحاول الحوثي من خلال فصل البنوك في صنعاء من الاشتراك في مزادات البنك المركزي في عدن، تعميق الانفصال المالي والنقدي، بحيث يكون هناك بنكان مركزيان، أحدهما تحت سيطرته".


 
رفع الدولار الجمركي وزيادة الجبايات
 
على نحو غير معلن رفعت مليشيا الحوثي سعر الدولار الجمركي في منافذها الانفصالية التي يبلغ عددها أحد عشر جمركا في عدة محافظات، ابتداء منذ مطلع يناير الجاري.
 
وبلغت نسبة الرفع قرابة 50% بالطبعة القديمة، إذ ارتفع سعر الدولار الجمركي من 500 ريال إلى 750 ريالا. وقالت الغرفة التجارية بصنعاء في أحدث تصريحات عنها في منتصف يناير إن الحوثي يواصل رفع الضرائب والجبايات ويعطل الأسواق والنقل ويسيء إلى القطاع الخاص في اليمن.
 
وقال عضو الغرفة التجارية قيس عبدالقوي الكميم، من خلال قناة اليمن الفضائية التابعة للحوثي في 15 يناير الجاري، إن مليشيا الحوثي رفعت الجبايات عدة مرات مقارنة بما تقوم به الحكومة في عدن.
 
وأشار الكميم -الذي يرأس قطاع مستوردي قطع الغيار في الغرفة التجارية بأمانة العاصمة-، إلى أن الحوثي رفع نسبة التحسين من 4000 آلاف ريال إلى 400 ألف ريال بالطبعة القديمة، وبعضها إلى 500 ألف ريال، كما أنه يأخذ عشرة أضعاف من الضرائب مقارنة بضرائب الحكومة الشرعية في عدن.
 
وتابع "إذا كانت الضريبة في عدن مليون ريال بالطبعة الجديدة، فإن الحوثي يأخذ ما بين 4 إلى 5 ملايين بالطبعة القديمة، علما أن سعر الطبعة الجديدة من العملة بعد الانقسام النقدي أقل من نصف العملة القديمة".
 
كما كشف الكميم -الذي يبدو أنه يعبر عن غضب عارم يشعر به القطاع الخاص في صنعاء- عن تراجع هائل أصاب الحركة التجارية التي تتبع القطاع الخاص وقال: "التاجر كان يستورد كل شهر بات الآن يستورد بضائع كل 7 أشهر"، مؤكدا أن "مصلحة الجمارك الحوثية والضرائب تبتزان التجار، وتستوليان على ملايين الريالات أسبوعيا من التجار المستوردين".

غضب الغرفة التجارية
 
وكشف الكميم أن الغرفة التجارية تطالب مليشيا الحوثي بتحويل الإيرادات التي تجبيها من التجار إلى الغرفة التجارية مقابل إصلاح وتأهيل كل شوارع العاصمة صنعاء.
 
وكانت الغرفة التجارية قد نظمت سلسلة من اللقاءات مع القيادات الحوثية للتنسيق دون جدوى، وقال الكميم إن تلك اللجنة ترمي بمقترحات الغرفة التجارية عرض الحائط، ولا تريد إلا الجبايات فقط.
 
رغم ذلك، لم تصدر الغرفة التجارية ولا الاتحاد العام للغرف التجارية في صنعاء أي بيان يندد برفع السعر الجمركي عند الحوثي، لكنها نظمت وقفات عدة وأصدرت بيانات يندد بالقرار الحكومي في عدن.


 
وشكك الكميم بأن مليشيا الحوثي لن تخفف من أي جبايات حتى في حال فتح موانئ الحديدة أمام الاستيراد، مشيرا إلى هجرة منظمة للقطاع الخاص من صنعاء إلى المناطق المحررة الخاضعة للحكومة اليمنية الشرعية، بسبب التعسفات الحوثية والجبايات التي تصل إلى أكثر من 50% من قيمة البضاعة.
 
الجبايات المنظمة
 
بينما كانت تقتصر الجمارك على بنود محددة، أضافت مليشيا الحوثي سلسلة من البنود التي تجبي من خلالها الأموال. وقالت مصادر خاصة لـ "يمن شباب نت" إن البيان الجمركي الحوثي صار يتضمن بنود التحسين، وأسر قتلى مقاتلي الجماعة، ويصل هذا البند إلى مبلغ يتراوح ما بين 100-200 الف ريال من الطبعة القديمة عن كل حاوية، بالإضافة إلى جبايات باسم الطوارئ والدفاع المدني، تصل إلى مبلغ 100 ألف ريال عن كل حاوية.
 
كما كشفت المصادر عن سلسلة من الميازين المحورية الحوثية التي تبدأ في المناطق التي تسيطر عليها المليشيا ولا تنتهي إلا بصنعاء، يدفع فيها التاجر قرابة 12 ألف ريال عن كل طن، دون أن تعود بأي فائدة على الطرق.
 
وذكرت المصادر أيضا، إن "مليشيا الحوثي تأخذ من التجار في الجمارك مبلغ 11 ألف ريال عن كل يوم، ثم ترتفع لتصل إلى 20 الف ريال مقابل البقاء في حوش الجمارك".
 
وأشارت إلى أن الشاحنات التي تنقل من المحافظات المحررة وتصل مناطق الحوثي دون بيان جمركي يتم فرض غرامة عليها بمقدار 800 الف ريال من الطبعة القديمة باسم اللجنة الاقتصادية الحوثية.
 
ولفت تجار في أحاديث منفصلة لـ"يمن شباب نت"، إلى أن مصلحة الضرائب والزكاة التابعة لمليشيات الحوثي، تلتقي بالتاجر مرة أخرى في مقرات عملهم، لاستخلاص الضرائب والزكوات بشكل إضافي.
 
التكتلات الاقتصادية الحوثية تتصارع
 
بينما يواصل الحوثي التنكيل بالقطاع الخاص، بدأ في الفترة الأخيرة صراع شديد بين تكتلات اقتصادية تابعة له. حيث تظاهر على مدى أيام كبار مزارعي التفاح من محافظة صعدة أمام مقر مهدي المشاط في صنعاء للمطالبة بإيقاف استيراد التفاح الخارجي.
 
وقال خليل المراني عضو ما تسمى اللجنة الزراعية الحوثية في صعدة، إن المشاط والحكومة (غير المعترف بها) ووزير الزراعة الحوثي رفضوا التجاوب مع مزارعي التفاح في صعدة، ويواصلون العمل لصالح هوامير المستوردين من الجماعة نفسها.
 
بينما كشفت مصادر أخرى عن أعباء جديدة تقوم بها مليشيا الحوثي في جماركها الانفصالية تحتجز فيها شحنات المواد الغذائية والتجارية التي تتلف بسرعة، وكشفوا عن تكبدهم خسائر باهظة.
 
بينما قالت مصادر حوثية مطلعة في وزارة الكهرباء إن شركات الطاقة الكهربائية لا تستجيب لتوجيهات الوزارة بتحديد السعر، وقال أحمد الحوثي الناطق الإعلامي باسم الوزارة الخاضعة للحوثي إن اللجنة التنسيقية لمستثمري الطاقة الكهربائية لهم نفوذ كبير على الوزارة والقائمين عليها، تعيق سياسات الوزارة.
 
وبدأت مليشيا الحوثي يوم الأحد الماضي، محاكمة أكثر من 35 شركة طاقة كهربائية ، معظمها يمتلكها قيادات حوثية، بعد صراع بين الوزارة والتجار على جبايات وإيرادات غير مشروعة.
 
لم تقتصر الهجمات الحوثية عل الموارد الاقتصادية والمالية في المدن، بل امتدت لتشمل القرى، والأرياف في عدد من المحافظات، أبرزها صنعاء، إذ تستمر الحملة الحوثية على همدان منذ نهاية ديسمبر الماضي، حيث سيطرت المليشيا على مزارع القات وجرفتها، وسيطرت على مساحات زراعية واسعة في قرى الجاهلية وغيرها بهمدان. بينما تواصل منذ مطلع يناير توسيع السيطرة على عقارات السكان والقرى في بني مطر.
 
وكشفت مصادر خاصة لـ"يمن شباب نت" عن محاولة حوثية جديدة للسيطرة على مساحة تقدر ب2 كليو متر من الأراضي الزراعية في مديرية بيت الفقيه بالحديدة غربي اليمن، يوم الأحد الماضي.
 
إثارة الخلافات التجارية
 
إلى ذلك حصل "يمن شباب نت" على وثائق تفيد بتورط كبار قادة الحوثي بالخلافات التجارية بين الشركاء التجاريين، في عدة محافظات خاضعة لسيطرة المليشيا المدعومة من إيران.



وظهر القيادي الحوثي عبدالله يحيى الرزامي متهما بمحاولة السطو على فندق أسطنبول في حدة أرقى أحياء صنعاء، بينما يقول الرزامي إنه محكم فقط، للفصل بين شريكي الفندق، واختلافهم على مبالغ بملايين الدولارات.
 
كما ظهر عبدالمحسن الطاووس محكما في نزاع تجاري في إب بين شريكين اختلفوا على ما لا يقل عن ثلاثة ملايين دولار. وقال القاضي عبدالوهاب قطران على "تويتر" إن "سياسة السيطرة على العقارات والمؤسسات والشركات من خلال التدخل لحل النزاعات سياسة إمامية قديمة".
 


- فيديو :


مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر