النساء بريف تعز.. أنامل ناعمة تكافح الفقر من "سعف النخيل" (تقرير خاص)

[ أيادي ناعمة في تعز تكافح الفقر من سعف النخيل ]

 باكرا، مع ساعات الفجر الأولى؛ تبدأ الحاجة "فاطمة علي صالح" عملها اليومي المعتاد في نسج وحياكة أوراق النخيل، لتشكل منها، في نهاية اليوم، مجموعة من الصناعات اليدوية المختلفة والبسيطة..
 
 من حسن حظ فاطمة، التي طوت من عمرها ستون عاما، أن مثل هذه الصناعات اليدوية لاتزال تلقى رواجا وقبولا في منطقتها بـ "شريرة السفلى" بمديرية الشمايتين، جنوبي غرب محافظة تعز، والمناطق المحيطة بها.. غير أنه ما زال يتعين عليها التنقل عبر الجبال الشاهقة لتسويقها وبيعها.
 
بهذه الطريقة، التي لا تخلو من مشقة، تتحصل فاطمة على المال لتلبية احتياجات أسرتها، والتي لجأت إليها مُذ تفاقمت عليها الأوضاع المعيشية بعد موت زوجها وعائلها الوحيد قبل سنوات.. ثم جاءت الحرب لتزيد من تردي الحالة المعيشية لمعظم الأسر في ريف المحافظة المحاصرة من قبل ميليشيات الحوثي منذ أكثر من سبع سنوات.
 
وتقول فاطمة لـ "يمن شباب نت"، إنها لجأت إلى هذه الحرفة، التي كان من حسن حظها، أيضا، أن تعلمتها من والدتها منذ الصغر، وها هي اليوم تعتمد على صِنعة يديها كمصدر دخل رئيس للعيش، ومواجهة أعباء ومتطلبات الحياة.
 

 

عمل شاق وغير مربح.. ولكن..!!
 
في الواقع، لا تعد عملية حياكة المنتوجات من سعف النخيل باليسيرة، كما قد يعتقد البعض، ممن تصلهم هذه الأعمال بشكلها النهائي الجميل، وقد حُبكت ونُسجت بإتقان ومهارة أياد ناعمة خبيرة.
 
فوفقا للحاجة فاطمة، تمر العملية بمراحل عديدة؛ تبدأ من عملية البحث عن أشجار النخيل المناسبة للاستخدام والحصول منها على الأوراق (سعف النخيل) بعد قطعها، وهي عملية شاقة وتحتاج إلى خفة حركة ومهارة للصعود إلى شجرة النخيل التي غالبا ما تكون طويلة وباسقة..
 
ثم، بعد قطعها من ظهر الشجرة، يتم حمل ونقل المحصول إلى المنزل، الذي يعتبر هو المعمل اليدوي البسيط، حيث تتم فيه عملية التجميع والتقطيع إلى أجزاء صغيرة، يتم خلالها فصل الأوراق (السعف) بشكل خيوط ذات أحجام مناسبة، ثم بعد ذلك يتم تبليلها بالماء لبعض الوقت، ثم تجفيفها لبعض الوقت أيضا..
 
 كل ذلك قبل أن تبدأ العملية الشاقة الأهم، والتي تحتاج إلى التفكير الإبداعي وخلق التصور المناسب لنوعية العمل (المنتوج المطلوب)، ثم التركيز في العمل من أجل حبك ونسج تلك الأدوات والأشكال المطلوبة بدقة عبر اليد، لتكون جاهزة للاستخدام المنزلي، ثم أخيرا التنقل من مكان إلى آخر للتسويق والبيع..
 
ومع أنها "مهنة مضنية وشاقة، وغير مربحة كثيرا" في نظر فاطمة، إلا أنها- كما تؤكد لـ "يمن شباب نت"- مضطرة كونها تشكل لها وأسرتها "خط النجاة الوحيد من الجوع"، مستدركة: "لا يوجد لدينا أي مصدر دخل آخر غير هذه المهنة..".
 

جهد بدني وذهني مضني

وتقر فاطمة بأن العمل الذي تقوم به، يأخذ الكثير من صحتها، خصوصا وأنه يحتاج إلى الكثير من الحركة والمجهود البدني والذهني أيضا، من اجل الإبداع وإخراج المصنوعات اليدوية بشكل متقن، لا سيما في ظل التنافس الكبير الذي تشهده هذه الصنعة في المنطقة، ومحيطها.
 
 بالنسبة للجهد البدني الذي تبذله، فهو يعتبر- في نظرها- مضنيا بالنسبة لامرأة في عمرها، كونه يتطلب منها المرور بكل تلك المراحل الشاقة، ثم التنقل بين القرى والمناطق في هذا العمر المتقدم، لعرض وبيع ما قامت بصناعته..؛ إلا أن ذلك كله ليس وحده ما يجعل من عملها شاقا، بل إن الجهد الذهني في نظرها يأخذ منها الكثير من صحتها أيضا، فهو يؤرقها كثيرا..
 
 وفي هذا الجانب، تصف فاطمة لـ "يمن شباب نت"، عملها بأنه يتطلب منها الكثير من المجهود الذهني، حيث يتوجب عليها دائما التفكير أولا في نوعية المصنوع الذي عليها حياكته، بطريقة جديدة تضفي عليه المزيد من القبول لدى الناس، ثم يتطلب منها النظر بتركيز كبير إلى ما بيدها من عمل أثناء قيامها بالحياكة والنسج، حتى لا يحدث اضطراب وخلل في الحياكة، مما قد يضطرها إلى اعادة العمل كله من جديد..!!
 

 

مردود لا يكافئ الجهد

في الأسبوع الواحد، تنتج الحاجة فاطمة عشرة مصنوعات من المنسوجات الخزفية، تتنوع بين السلال المستخدمة لخزن الطعام واغطية المأكولات، بالإضافة الحصير والكوافي الخزفية، والمكانس اليدوية، وغيرها من المنتوجات التي تستخدم للأعمال المنزلية أو الزينة..
 
ثم تبدأ بعملية الانتقال إلى الأسواق القريبة، أو بين المناطق المجاورة، لتسويقها وبيعها. وبحسب فاطمة، تتفاوت أسعار بيع المنسوجات بين 500 الى 2,000 ريال يمني (ما يوازي: 0.50 – 2 دولار أمريكي) للقطعة الواحدة، وذلك بحسب نوعيتها وحجمها..
 
وإذا ما احتسبنا سعر البيع لكل قطعة، عند أعلى سعر، وهو: 2,000 ريال، (افتراضيا).. فإن مردود الأسبوع الواحد، من العشر القطع الخزفية يصل إلى 20,000 ريال (ما يوازي: 20 دولار فقط، في الأسبوع الواحد)..!!
 
 وهذا المردود، بحسب فاطمة، لا يتناسب مع حجم الجهد الذي تبذله خلال عملية صناعتها، لكنها "تسهم في تغطية بعض احتياجات منزلها" كما تؤكد لـ "يمن شباب نت".
 

 
أنامل ناعمة تواصل كفاحها

 على خطى الحاجة فاطمة، تعمل العديد من النساء في منطقتها في صناعة الأواني الخزفية بأنواعها، وبأناملهنّ الناعمة يكافحن الفقر وشظف العيش تحت رغبة الإصرار على البقاء..
 
بينهن "مُنى صالح"، التي هي الأخرى تؤكد لـ "يمن شباب نت" أن هذه الحرفة (المهنة)، لم تعد تدر عليهن دخلا مناسب، كما كانت في السابق..!! مرجعة السبب في تناقص اهتمام الناس بشراء هذه المنسوجات اليدوية، الى "دخول صناعات حديثة، ذات جودة أفضل".
 
لكنها- كفاطمة أيضا- ترى أن الاستمرار في هذا العمل يعد ضروريا، كونه يساعدها- كغيرها من نساء القرية- في "تغطية بعض مصاريف واحتياجات الأسرة". وتضيف "مُنى" سببا آخر ساعد على استمراريتهنّ، وهو أنهنّ لا يقمن بشراء سعف النخيل، بل يحصلنّ عليهن بالمجان، نظرا لكثافتها في المنطقة".
 
وهذا- حسب قولها: "خفف عليهنّ من تكاليف مصاريف الإنتاج، بخلاف الألوان التي يتم شراؤها من المدن، والتي ارتفعت أسعارها مؤخرا عما كانت عليه في السابق".
 
 وبخصوص مشقة الجهد البدني المبذول في العمل، تؤكد "مُنى" أن "بعض النساء يقمنّ فعلا بتبني العملية كاملة من بدايتها حتى نهايتها"، وهذا ما يجعل من هذه المهنة مضنية وشاقة، إلا أن البعض الأخر- وفقا لاستدراكها: "يحصلنّ على مساعدة من أبناءهن في إنجاز أعمالهنّ، من خلال تكليفهم بجلب سعف النخيل من الوديان"، الأمر الذي يخفف من حجم المشقة الكبيرة في هذه العملية.
 
وبحسب عدد ممن أستطلعهن "يمن شباب نت"، من المشتغلات في هذه الحرفة من نساء المنطقة، فإن بعض الأسر المنتجة تستخدم الرجال أيضا في عملية تصريف المنتوجات، من خلال التنقل بين المناطق والأسواق وبيعها.
 
وهذا سببا إضافيا أخر، يجعل من هذه الحرفة مستمرة بين النساء، للمساعدة في تلبية احتياجات الأسرة المالية في تلك المناطق، وإن كان المردود ليس كبيرا، كما يجمع الكثيرين هنا.  
 

 

تسويق متنوع.. والنتيجة واحدة
 
وبالنسبة لـ "مُنى"، التي تواصل حديثها لـ "يمن شباب نت"، فتقول إن هناك طريقتان يتم اتباعهما غالبا في تصريف وبيع المنتوجات الخزفية، أما الطريقة الأولى، وهي المتبعة أكثر، "بأن نقوم بعملية التسويق من خلال إرسال منتوجاتنا الى الأسواق الشعبية لبيعها هناك"، أما الطريقة الثانية، وهي الأقل أتباعا، "فيتم التصريف عن طريق قيام بعض الزبائن بطلبها مباشرة من الأسر المنتجة"..
 
وأما الأسعار، وفقا لـ "مُنى" أيضا، فهي متفاوتة؛ حيث تباع الكوافي الخزفية بسعر 300 ريال (0.25 دولار)، وسلال الطعام وأغطية الأكل بسعر 500 ريال (0.50 دولار)، بينما يباع الحصير الخزفي بحدود ما بين: 1500 الى 2000 ريال (1,50 – 2 دولار)..
 
 وفي المحصلة؛ "هي مهنة متعبة، وغير مربحة، لكننا نضطر إلى العمل فيها، لسد الفراغ في توفير بعض المال". تخلص "مُنى" إلى تقرير النتيجة المتفق عليها من الجميع.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر