(تحليل)..معهد أمريكي يبحث في الطريقة المثلى لاستثمار الدبلوماسية الأمريكية في إنهاء حرب اليمن (ترجمة خاصة)

[ المبعوث الأمريكي الخاص لليمن تيم ليندركينغ يتحدث في مؤتمر صحفي لوزارة الخارجية في 16 فبراير 2021. مصدر الصورة: وزارة الخارجية ، تصوير رون برزيسوتشا / بوبليك دومين عبر فليكر ]

  قال معهد أمريكي إن هجوم الحوثيين على مدينة مأرب شمال اليمن، يشكل معضلة رئيسية بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية، منوها الى أن إستراتيجية الرئيس بايدن الدبلوماسية تواجه بالفعل موقفًا معقدًا على الأرض يترك أمام الدبلوماسيين القليل من الإجابات السهلة.
 
 ونشر معهد Lawfare الأمريكي، تحليلا للباحثة الكساندرا ستارك بعنوان: "منح فرصة للدبلوماسية في اليمن". وتعد الكساندرا واحدة من كبار الباحثين في مؤسسة "نيو أمريكا"، وفي مقالتها التي تقييم فيها سياسة بايدن تجاه اليمن، أشارت الباحثة إلى بعض النجاحات، إلا أنها أشارت أيضًا إلى أنه تبقى الكثير مما يتوجب القيام به قبل أن يتمتع اليمن بقدر ضئيل من السلام والاستقرار.

وفي مقدمة مقالتها لفتت الكاتبة إلى أن الرئيس بايدن وضع دعم الولايات المتحدة للحرب في اليمن في قلب خطابه الأول للسياسة الخارجية بعد توليه منصبه، ووعد في فبراير/ شباط بتكثيف دبلوماسيتنا لإنهاء الحرب في اليمن- الحرب التي خلقت كارثة إنسانية واستراتيجية، وإنهاء الدعم العسكري الهجومي للتحالف الذي تقوده السعودية، بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة.
 
وتطرقت المقالة إلى الجدل الدائر إزاء سلوك واشنطن على الأرض، موضحة أنه: في حين تم الترحيب بالإعلان، باعتباره تحولًا تاريخيًا في نهج الولايات المتحدة تجاه اليمن، فقد جادل بعض النقاد منذ ذلك الحين بأن الإدارة كانت متساهلة للغاية تجاه المملكة العربية السعودية في جهودها للتفاوض على وقف إطلاق النار في اليمن، بينما يقول آخرون إن الولايات المتحدة يجب أن تتخذ موقفاً أكثر صرامة تجاه الحوثيين، خصم السعودية المدعوم من إيران..
 
وعلى ضوء ذلك، تساءلت الكاتبة: ما الذي استطاعت الدبلوماسية الأمريكية تحقيقه وكان متوقعا إلى حد معقول؟
 
 وقالت: حتى الآن، أعادت الجهود الدبلوماسية للإدارة تنشيط المفاوضات المحتضرة التي تقودها الأمم المتحدة وغيرت حوافز العديد من اللاعبين الإقليميين الرئيسيين بطرق مثمرة. لكن سياسة بايدن تجاه اليمن واجهت بعض العقبات. فهي تواجه وضعاً معقداً على الأرض لا يرجح أن تسفر عن انتصارات سريعة. كما أنها أيضا أظهرت بوضوح كلا من الآمال وحدود النفوذ الأمريكي مع شركاء الأمن. إلا أن الاستثمار في الدبلوماسية، البطيئة، والمضنية، والناقصة في أحيانا كثيرة، لا يزال أمرا يستحق العناء.
  
 
 الدبلوماسية ليست عقيمة تماما 
 
 تحت هذا العنوان الفرعي، اعتبرت الكاتبة أنه: منذ خطاب فبراير، حقق الانخراط الدبلوماسي الأمريكي المتعلق بحرب اليمن بعض التقدم المهم. ففي مارس، أعلنت المملكة العربية السعودية عن اقتراح عرض لوقف إطلاق النار تراقبه الأمم المتحدة، مقابل إعادة فتح مطار صنعاء والسماح باستيراد المواد الغذائية والوقود عبر ميناء الحديدة. وفي حين أن البيان لم يكن خروجًا كبيرًا عن الشروط التي كانت قيد المناقشة، بشكل خاص منذ ربيع عام 2020، إلا أن حقيقة أنه عُرض علنًا وأيد مبادرة الأمم المتحدة بشكل أساسي كانت خطوة إلى الأمام. حيث تعزو الكاتبة إعلان المملكة ذاك، جزئيًا على الأقل، إلى تجدد الانخراط الدبلوماسي الأمريكي.
 
وأشارت إلى أن هناك أيضًا مؤشرات إيجابية على أن المفاوضات بين المملكة العربية السعودية والحوثيين تحرز تقدمًا بطيئًا. وربطت ذلك بمشاركة مبعوثين خاصين من كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة. كما أشارت إلى الدور الذي لعبته سلطنة عمان، باعتبارها وسيط موثوق به، وكانت أكثر نشاطًا في هذه المفاوضات. وبحسب التقارير ركزت المحادثات المباشرة بين إيران والسعودية على اليمن. 
 
وتواصل: في حين أن إيران لا تملك السيطرة على الحوثيين، الا أن الصواريخ التي أطلقتها الجماعة على السعودية صنعت من مكونات صنعتها إيران وتم تجميعها في اليمن، وخلص فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى أن الطائرات بدون طيار المصنعة في اليمن استخدمت التصميم والمكونات الإيرانية.  حيث ترى بأن إيران، على الرغم من أنه من غير المرجح أن تنهي الشراكة مع الحوثي بالكامل، إلا أن مثل هذه الصفقة قد تخفف من مخاوف السعودية بشأن ضربات الطائرات بدون طيار والهجمات الصاروخية عبر الحدود.
 
 وأخيرًا، تعتقد كاتبة المقال، إلى أن تعيين المبعوث الأمريكي الخاص لليمن تيم ليندر كينغ أدى إلى إحياء العملية التي تقودها الأمم المتحدة. حيث يبدو أن الاهتمام الدبلوماسي الأمريكي المتزايد قد حفز أيضًا على زيادة الدعم للعملية التي تقودها الأمم المتحدة من قبل اللاعبين الدوليين الآخرين وعزز جهود الوساطة العمانية.
 
 وتنوه الباحثة الأمريكية إلى أن هذه التطورات الدبلوماسية تمثل خطوات صغيرة إلى الأمام، وليست اختراقات كبيرة. إلا أنها في نظرها تظل كلها مؤشرات على أن الاستثمار الدبلوماسي الأمريكي قد غير الحسابات السياسية للاعبين الرئيسيين لتعزيز فرص السلام في اليمن.
 
  
 لكن الدبلوماسية بطيئة للغاية

 تحت هذا العنوان الفرعي الجديد، تشير الكاتبة إلى أن: إستراتيجية بايدن الدبلوماسية، تواجه في الوقت نفسه، موقفًا معقدًا بالفعل على الأرض، يترك الدبلوماسيين مع القليل من الإجابات السهلة. ففي فبراير/ شباط، ضاعف الحوثيون هجومهم، المتواصل منذ عام، على مأرب. وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية تمثل آخر معقل شمالي للقوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وبحسب هيومن رايتس ووتش، فإن هجوم الحوثيين في مأرب، التي يقطنها قرابة مليوني نازح يمني، شمل "إطلاق قذائف مدفعية وصواريخ، عشوائيًا، على مناطق مكتظة بالسكان... مما تسبب في نزوح جماعي وتفاقم الأزمة الإنسانية". وبدون وقف فوري لإطلاق النار، يمكن أن يصبح الوضع الإنساني، المتردي بالأصل في مأرب، أسوأ بكثير.
 
 واعتبرت أن هجوم مأرب معضلة بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية، نظرا لأن الولايات المتحدة لديها نفوذ ضئيل على الحوثيين. "وطالما أن النصر في ساحة المعركة قد يضعهم في وضع أفضل في المفاوضات المستقبلية، فسيكون من الصعب إقناع الحوثيين بوقف الهجوم". واستدركت: وفي الوقت نفسه، أدى النجاح الأخير الذي حققته القوات الموالية للحكومة في محافظة البيضاء إلى تعقيد السؤال حول أي طرف يملك زخم أكبر في ساحة المعركة؟ ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا سيغير حسابات أي من الجانبين حول فائدة التفاوض مقابل التمسك بالنصر.
 
 وترى الكاتبة أنه: حتى إذا كان المجتمع الدولي قادرًا على التفاوض على وقف إطلاق النار بين الحوثيين والتحالف الذي تقوده السعودية، وهو بحد ذاته مهمة صعبة، فسيكون ذلك مجرد جزء واحد من إنهاء حرب اليمن. إذ بدأ الصراع كحرب أهلية بين الجهات اليمنية، ولم يحل القتال الأسئلة الأساسية حول كيفية حكم اليمن، أو التوترات بين الأطراف المعنية مع تضارب المصالح والمظالم.
 
أضف إلى ذلك، أن حالة التشرذم داخل الجماعات المسلحة نفسها، والتي أدت إلى الاقتتال الداخلي بين كل من الحوثيين والقوات المتحالفة مع الحكومة المعترف بها دوليًا، تعني أن الحرب أكثر تعقيدًا بكثير من كون الصراع "ثنائي" وهو ما يتم تصويره أحيانًا.
 
 وتحذر قائلة: بينما يجب على المجتمع الدولي أن يواصل الضغط من أجل وقف فوري لإطلاق النار الذي بات مطلوبا بشكل عاجل، لا ينبغي التعجيل بالعملية السياسية طويلة المدى. فقد فشل دفع العملية الدستورية بعد الربيع العربي والانتخابات دون حل القضايا الأساسية في منع هذه الحرب. وبالمثل، فإن التعجيل بعملية سلام أخرى دون معالجة قضايا العدالة والمساءلة، وتسريح الجماعات المسلحة، والحكم، من المرجح أن يمكّن الجماعات المسلحة التي حشدها النزاع، ويترك المجتمع المدني اليمني المتنوع في العراء.
 
وتؤكد الكاتبة أنه: لا يمكن للمجتمع الدولي أن يفرض نظامًا سياسيًا بعد الحرب على اليمن- وفي نهاية المطاف فإن مصير اليمن متروك لليمنيين.
 
وتخلص إلى القول إنه "ونظرا لكل هذه الأسباب، فحتى الدبلوماسية الناجحة في اليمن ستبدو بطيئة ومضنية".
 

 معضلات الدبلوماسية

 وبعد كل ما أوضحته سابقا، تستعرض الكاتبة بعض معضلات الدبلوماسية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، مشيرا إلى أن إدارة بايدن تعرضت لانتقادات لعدم اتباعها نهجًا صارمًا بما يكفي تجاه المملكة العربية السعودية. وتستشهد بخطاب بايدن في هذا الجانب، الذي أكد فيه بالقول: "سنواصل دعم ومساعدة المملكة العربية السعودية في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وشعبها".
 
وأضافت: وبينما وعدت الإدارة بإنهاء الدعم العسكري الهجومي للتحالف، أوضح البنتاغون أن الولايات المتحدة لا تزال تقدم خدمات صيانة الطائرات للمملكة عبر المبيعات العسكرية الخارجية. وبعد المراجعة، أعلنت الإدارة أيضًا أنها ستعلق بعض مبيعات الأسلحة الهجومية للسعودية، لكنها ستقدم أخرى إلى المملكة وشريكتها في التحالف، الإمارات العربية المتحدة.
 
 وذكرت أن العديد من المدافعين عن منع مبيعات الأسلحة، راقبوا ذلك بقلق متزايد، واعتبروا أن هذه القرارات تشكل تراجعا عن وعد حملة بايدن بمعاملة المملكة العربية السعودية كـ "منبوذة" على المستوى الدولي. وترى الكاتبة أنهم "ليسوا مخطئين، لكن الابتعاد تمامًا عن العلاقة الأمريكية السعودية سيعني التخلي تمامًا عن النفوذ الذي قد يكون مفتاحًا لإنهاء التدخل الذي تقوده السعودية في اليمن".
 
 وتلفت إلى أن: هناك منطق دبلوماسي حقيقي يسري هنا. حيث يبدو أن إدارة بايدن تراهن على أن الولايات المتحدة في وضع أفضل لحث السعوديين على صفقة لحفظ ماء الوجه في اليمن بمزيج من الترهيب والترغيب، ومن خلال الدفاع عن المصالح الأمنية الرئيسية للمملكة العربية السعودية بدلاً من التصرف كقاض نزيه بين الأطراف.
 
 ونوهت إلى أن هذا النهج ترك ليندر كينغ وإدارة بايدن عرضة لاتهامات بأن الولايات المتحدة فشلت في التصرف "كحَكم محايد" في الصراع. والولايات المتحدة، بالطبع، ليست وسيطًا "محايدًا". ومع ذلك، تُظهر مجموعة وافرة من الأبحاث العلمية أن الوسطاء المتحيزين يمكن أن يلعبوا أدوارًا مساعدة في المفاوضات لإنهاء الحروب الأهلية، لأنهم يتخذون إجراءات لضمان تمثيل مصالح "جانبهم" في اتفاقية ما، ويمكنهم استخدام نفوذهم ومعرفتهم الفريدة لجلب جانبهم للتفاوض بحسن نية وتقديم تنازلات مكلفة.
 
 وتعتقد أن هذا النهج لا يرضي الكثيرين من مختلف الاطراف، وهو بالتأكيد ليس فوق النقد. لكن يجب أن يُفهم في سياق تكون فيه الدبلوماسية، لإنهاء الحروب الأهلية، فوضوية وتخلق معضلات صعبة؛ إنها تتحرك بشكل متقطع، وحتى عندما تحقق نجاحات خلف الأبواب المغلقة، فإنها غالبًا لا تظهر على الفور.
 
 وترى الباحثة الأمريكية أنه: على الرغم من هذه التحديات، فإن الدبلوماسية الضرورية لإنهاء الحروب الأهلية المعقدة، مثل الحروب الأهلية في اليمن، لا تزال تستحق العناء. ويجب على الولايات المتحدة مقاومة إغراء اتباع الطريق السهل، المتمثل في الاكتفاء بالوصول لاتفاقية ورقية بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، والانسحاب.
 
وفي هذا الجانب، تستشهد بمقولة أحد الكتاب الأمريكيين المتخصصين بالشأن اليمني: وكما جادل غريغوري جونسن مؤخرًا، فبدون عملية سلام شاملة، "يمكن لليمن أن تنزلق بسهولة إلى سيناريو كابوس تبرم فيه المملكة العربية السعودية صفقة مع الحوثيين، وتُترك الحرب الأهلية المحلية دون معالجة، ويقل الاهتمام الدولي بالانسحاب السعودي، فيما القتال مستمر على الأرض".
 
 وتختتم الكاتبة مقالتها بتقديم نصيحة لرئيسها، بايدن، بأنه يتوجب عليه أن "يستمر بالاستثمار في الدبلوماسية على المدى الطويل من أجل تحقيق نتائج حقيقية. فبينما يعد إنهاء التدخل العسكري الخارجي أمرًا بالغ الأهمية، إلا أنه سيكون مجرد الخطوة الأولى في التحدي الأوسع المتمثل في استخدام النفوذ الدولي المحدود للمساعدة في إنهاء هذا الصراع المدمر والعميق الجذور".
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر