"لسنا أحياء ولا أموات".. آلاف المهاجرين محاصرون في اليمن الذي مزقته الحرب (ترجمة خاصة)

سلطة صحيفة «Los Angeles Times» الأمريكية الضوء على معاناة اللاجئين الأفارقة في اليمن في ظل حالة الحرب التي تعاني منها البلاد، وركز صحفي يزور محافظة شبوة حالياً على قضية اللاجئين، التي تعد إحدى محطات اللاجئين من القرن الأفريقي، "يمن شباب نت" ترجم نصة ويعيد نشره كالتالي. 



لقد كان مكانًا هادئًا لمقبرة مؤقتة؛ حيث أن مهرب المهاجرين قد اختار المكان بشكل جيد. 

كان الحقل الذي اجتاحته الرمال خارج هذه المدينة بعيدًا بما يكفي عن الطريق السريع ليكون هادئًا، ولكن ليس بعيدًا بحيث يتعذر الوصول إليه. كان يحوي ثمانية قبور - تلال صخرية ضحلة، وشواهدها مطلية بخربشة زرقاء - تطل على منظر طبيعي للجبال.
 

يقول أحمد الدبيسي، وهو مهرّب بشر يبلغ من العمر 29 عامًا وتبدو صبيانية متناقضة مع خطورة تجارته:" كان عليّ أن أضعهم هنا لأن لا أحد سيقبلهم في أي مقبرة أخرى". 
 

بالنسبة للأشخاص الثمانية المدفونين هنا - وجميعهم من زبائنه - كان ذلك الحقل هو المحطة الأخيرة في بلد كان من المفترض أن يكون فقط محطة على الطريق. وبدافع الفقر أو الصراع، غادروا مع عشرات الآلاف من المهاجرين الآخرين منازلهم في شرق إفريقيا - على الرغم من قيود فيروس كورونا - وعينهم على السعودية بحثًا عن الأمان والفرص الاقتصادية. 
 

وبدلاً من ذلك، وجدوا أنفسهم محاصرين في اليمن، حيث وقعوا في شرك الحرب الأهلية متعددة الجوانب في البلاد وخطوط الجبهات المتشعبة، لديهم فرصة ضئيلة للهروب من النسيان.
 

"نحن لسنا أحياء، ولا أموات" يقول أحمد علي عبده (40 عاماً)، والذي قدم من الصومال قبل تسعة أشهر: ويضيف "نحن نجلس هنا"، ومع عجزه عن عبور الحدود إلى المملكة العربية السعودية، بات يحمل اليوم دلوًا وإسفنجة ويقوم بغسل سيارات غير مبال لسائقي السيارات العابرين، وغالبًا ما يكسب أقل من دولار واحد في اليوم.
 

يمضي أحمد قائلا "أعلم أن هناك حربا هنا، لكني أريد السعودية.  هناك على الأقل، إذا قبضوا علي، فسيعيدونني إلى الصومال".

في العام الماضي، حاول حوالي 140 ألف مهاجر من القرن الأفريقي عبور اليمن، وهو رقم قياسي. وحتى مع إغلاق الحدود مع فيروس كورونا، حاول أكثر من 34,000 مهاجر العبور هذا العام، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة. 
 

الرحلة طويلة ومعقدة ومحفوفة بالمخاطر. غالبًا ما تبدأ في إثيوبيا، حيث يأتي حوالي 94٪ من المهاجرين الى اليمن، معظمهم من المزارعين وأكثر من نصفهم بقليل حاصلين على تعليم ابتدائي فقط.  بالنسبة للكثيرين، فهذه ليست المرة الأولى التي يحاولون فيها الهجرة. 
 

يشقون طريقهم صوب أوبوك، وهي مدينة ساحلية في جيبوتي كانت ذات يوم موقع لأول مستعمرة فرنسية في المنطقة، أو ميناء بوساسو الصومالي. وكلاهما عبارة عن منصات انطلاق إلى اليمن، عبر خليج عدن. 
 

وقال حسن محمود (21 عاماً)، الذي سافر إلى مدينة جيجيجا الحدودية الإثيوبية، ومن هناك إلى بوساسو: "درست قليلًا وعملت في مزرعة في إثيوبيا"، مضيفاً "سمعت أنا وبعض أصدقائي من آخرين أن هناك عملًا في المملكة العربية السعودية، لذلك أتينا".
 

كلف الجزء الأول من الرحلة محمود 10 آلاف بير إثيوبي، أو 260 دولاراً، دفعها لمهرب محلي لديه اتصالات في اليمن. وسلم مبلغًا مماثلاً لعبور الخليج، الذي استغرق 24 ساعة في قارب صغير مع 120 راكبًا آخر دون طعام أو ماء. 
 

وصل إلى بئر علي، وهي منطقة صغيرة على ساحل شبوة على البحر الأحمر، بها شواطئ رائعة ذات رمال بيضاء ومياه فيروزية، ثم مشى لأكثر من أسبوع للوصول إلى عتق. (أولئك الذين يستطيعون تحمل تكاليفها يستقلون سيارة بحوالي 27 دولاراً).
 

ها هو باق هنا، فالممر إلى المملكة العربية السعودية مغلق الآن. بدون مال، كان محمود ينام ليلاً في شارع النصر، الشارع الرئيسي في عتق، ويبحث عن عمل في الصباح. 
 

يقول: "لا توجد وظائف هنا ولا طريق للسعودية، سأحاول العودة إلى بلادي قريبًا". ومع ذلك، فهو واحد من المحظوظين.
 

محمد أبو بكر (26 عاماً)، عمل في اليمن لمدة خمسة أشهر لجمع ما يكفي من المال للمتابعة شمالًا، ثم عبر الخطوط الأمامية للحرب الأهلية للوصول إلى محافظة صعدة الواقعة في أقصى شمال اليمن والتي تقع على الحدود مع المملكة العربية السعودية ويسيطر عليها الحوثيون، وهم جماعة متمردة مدعومة من عدو الرياض، إيران. 
 

إقرأ أيضاً..
- شبوة..منفذ تهريب مفتوح للميليشيات (1-3)
- شبوة..منفذ تهريب مفتوح للميليشيات (2-3)
- شبوة..منفذ تهريب مفتوح للميليشيات (3-3)


وكان الحوثيون قد زحفوا إلى العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014 قبل أن ينتقلوا إلى محافظات أخرى في محاولة للسيطرة على البلاد. رداً على ذلك، أطلق تحالف برئاسة المملكة العربية السعودية حملة جوية وحشية بالإضافة إلى حصار كامل جعل اليمن على شفا المجاعة. 
 

على الرغم من الحرب، تستمر الهجرة عبر الحدود عبر معابر المهربين التي تمر عبر التضاريس الجبلية بين البلدين. 
 

كان فيروس كورونا يعني تشديد الرقابة على الحدود. وقال أبوبكر إن الحوثيين قبضوا عليه واحتجزوه في السجن لمدة 50 يوما. في الأحوال العادية كان عليه أن يدفع ما وصفه الحوثيون رسوم خروج قدرها 1000 ريال سعودي للخروج، لكن السجن أصبح مكتظًا لدرجة أن آسريه حملوه ونحو 180 آخرين في شاحنات الماشية، واقتادوهم عبر خطوط المعركة مرة أخرى إلى الجنوب وألقوا بهم في الصحراء. 


تمكن "أبو بكر" من العودة إلى عتق، حيث يحاول، مثل عبده، كسب بعض المال من غسل السيارات. 
 

الحوثيون ليسوا الخطر الوحيد، حيث قال الدبيسي (المهرب) إن حراس نقاط التفتيش كثيرا ما يأخذون أموال المهاجرين وهواتفهم المحمولة. يقوم بعض منافسيه، بالتواطؤ غالبًا مع السلطات المحلية، باعتقال المهاجرين بعد وصولهم إلى الشاطئ أو دفع أموال لمهربين منافسين للتخلي عن عملائهم، الذين ينتهي بهم المطاف بعد ذلك بعيدًا في أوكار للتعذيب والضرب حتى تدفع عائلاتهم فدية. 
 

وقال الدبيسي: "عرض على المنافسين 20 ألف ريال سعودي للفرد - أكثر مما سأحصل عليه من المهاجرين، لكن ذلك سيدمر سمعتي. لماذا يأتي الناس إلي؟ لأنني أقدم خدمة جيدة". 
 

كان الأخ الأكبر للدبيسي، جمال، أول من قدم هذه الخدمة في الأسرة، لكنه قُتل قبل ست سنوات في شجار على المهاجرين.  منذ ذلك الحين، تولى الدبيسي زمام الأمور، وحول قريته إلى مركز نقل من خلاله، حسب تقديره، لأكثر من 100,000 شخص.
 

بحصوله على أكثر من 100 دولار لكل مهاجر، كان عملاً مربحًا، فمن قبل، عمل الدبيسي سائق حافلة، بالكاد كان يغطي نفقاته.  وهو الآن عقدة في شبكة متعددة البلدان، ويتواصل مع مئات السماسرة الإثيوبيين وقباطنة القوارب الصومالية والسائقين اليمنيين ورجال القبائل من خلال تطبيقات المراسلة الفورية على هواتفه المحمولة الخمسة.
 

من وجهة نظر الدولة، فإن المهربين مثل الدبيسي هم سبب وعلاج لمشكلة المهاجرين، قامت الحكومة بقمع المهربين في 2016 واعتقلت 20 ألف مهاجر لكنها وجدت نفسها غير قادرة على إطعامهم أو إيوائهم.
 

يعني الوضع الأمني أن لديها أيضًا أولويات أخرى. وقد أجبر ذلك المسؤولين الحكوميين على نوع من الانفراج المضطرب الذي يسمح للدبيسي وغيره من المهربين بنقل المهاجرين عبر شبوة طالما أنهم يفعلون ذلك بسرعة. 
 

حتى لو اعتقلوا الدبيسي، فلن يهم، يأتي المهاجرون كل يوم.  حسبما قاله أحمد عيدروس، باحث في مجال الهجرة من شبوة، مضيفا "إن لم تحدث عبرهم، لكان شخص آخر سيفعل ذلك".
 

لا يزال الدبيسي قادرًا على نقل شحنته البشرية عبر الحدود، لكنها أصبحت عملية أكثر صعوبة ومكلفة. وقال: "كان بإمكاني اصطحاب سبعة أشخاص فقط، واضطررت إلى نقلهم من مكان إلى آخر ونقلهم عبر سيارة صغيرة".

تخلى الكثير من المهاجرين عن الوصول إلى السعودية في المرحلة الأخيرة وباتوا يريدون العودة. لكن إثيوبيا رفضت استقبال المزيد من العائدين بسبب فيروس كورونا، وأوقفت السعودية رحلات الترحيل، وبدلاً من ذلك وضعت المهاجرين في السجن. ولا تزال المنظمة الدولية للهجرة تستعد لرحلات العودة لحوالي 14500 إثيوبي عالق. 
 

حتى العودة إلى شرق إفريقيا بالقوارب، عبر خليج عدن، أمر صعب. 
 

وقالت أوليفيا هيدون، مسؤولة العلاقات العامة في المنظمة الدولية للهجرة في اليمن: "يأخذهم المهربون بالقرب من الساحل ويجعلونهم يسبحون بقية الطريق لأنه ربما يكون هناك خفر سواحل أو قوات أمن". لذا فهم يفعلون ذلك لحماية أعناقهم مع تعريض حياة المهاجرين للخطر". 
 

وقالت هيدون إن المعلومات عن المهاجرين الذين فقدوا أرواحهم في المعبر شحيحة، ولكن "مهما كان الرقم هناك فهو منخفض للغاية". 
 

لم يكن ذلك مفاجأة بالنسبة للباحث احمد عيدروس. حيث قال إن المهاجرين القتلى في مقبرة الدبيسي المؤقتة ربما دفنوا بسرعة لتجنب الإجراءات الرسمية التي لا مفر منه.
 

اعترض الدبيسي على عدم تحديد كيفية وفاة زبائنه، وسط شائعات عن إطلاق النار على بعضهم في شجار مع مسافرين آخرين. على أي حال، كان قد جمع الجثث، وأرسل صورًا لها لعائلاتهم للتأكد من هوياتهم، ثم أحضرهم إلى الحقل لدفنهم.
 

لكن من المرجح أن يكون مكان الراحة مؤقتًا. فقد قال الدبيسي إنه خلال آخر مرة جاء فيها لحفر قبر، هدده السكان المحليون وأمروه بإخراج الجثث، فقد كان من المقرر أن تبدأ بعض أعمال البناء قريبًا في الميدان.
 

وأضاف وهو يلقي نظرة سريعة على أحد التلال: "جاؤوا ورفعوا أسلحتهم نحوي، وقالوا لي إنني يجب أن أتوقف عن الدفن وإلا سيطلقون النار علي"، وختم قائلا "سأضطر إلى نقل هذه الجثث إلى قريتي". 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر