قرابة أربعين عاما مضت في اليمن وأسرة صالح مهيمنة على المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي في اليمن، بطرق غير مشروعة طبعا، ذلك أن النظام الجمهوري الديمقراطي الرسمي لليمن يجرم ذلك.
 
في مطلع الألفين تسارعت محاولة التوريث بشكل قوي وفعال، وأنشأ صالح الحرس الجمهوري (أحمد علي) والخاص (طارق محمد) والأمن المركزي (يحيى محمد) مشاة جبلي (خالد علي)  بقيادة أنجال أسرته من أبنائه وأبناء أخيه، وكان هذه المؤسسات التي أنشأها على حساب مؤسسات الدولة: الحرس بديلا عن الجيش، والأمن المركزي بديلا عن الشرطة/الأمن العام، والأمن القومي بديلا عن المخابرات العامة/ الأمن السياسي ..الخ.
 
من جهة أخرى نقض الاتفاق الموقع مع أحزاب المعارضة في 2005م على عملية إصلاح المنظومة الانتخابية بعد انتخابات 2006م الرئاسية، مما تسبب في تعطيل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في 2009م، لكن صالح اشترى في ذات العام أسلحة من روسيا تتجاوز قيمتها 1.2 مليار دولار، وهو مؤشر على أنه يعرف طريق العنف والقوة للتأبيد والتوريث.
 
كل مخزون صالح العسكري وحروبه العبثية والإرهاب وغيرها من سياساته التي قامت على إدارة التناقضات والصراعات أو كما وصفها بالرقص على رؤوس الشياطين تلاشت في غضون أشهر قليلة من الثورة الشعبية السلمية في 2011م وذهبت جهوده وأطماعه اللامشروعة سدى ( بعد تدمير حياة الشعب ودولته) وأجبر مرغما على الرحيل من الحكم، ثم فقد حياته على يد حلفائه من الحوثيين.
 
كل سياسة صالح التي انتهجها عبر غطاء ثورة سبتمبر اولا، والوحدة ثانيا، والديمقراطية ثالثا وكانت على الضد منها تلاشت ببساطة، ثم استخدم مكافحة الإرهاب، وكل ذلك بدعم سعودي وخليجي مستمر.
وإذا كانت الصورة واضحة بهذا الشكل فما الذي تريده الإمارات عبر إعادة إنتاج الأسرة الفاشلة؟ وماهي حظوظ نجاحها؟
 
من الأهداف المهمة للإمارات إنتاج قوى موالية كليا لها في الشمال على غرار المجلس الانتقالي في الجنوب بعيدا عن شرعية الدولة اليمنية عبر طارق صالح والمؤتمر الشعبي العام بهدف القضاء على حزب الإصلاح تحت لافتة التحرير بعد أن فشل الحوثي في القضاء عليه، لتتمكن بعدها من خلق ديمقراطية على غرار ديمقراطية السيسي في أحسن الأحوال، مع افتراض  قدرة التحالف على دحر الحوثيين، وأيضا كي  يمكنها طارق والمؤتمر، من لعب دور إقليمي نشط في اليمن لتقديم نفسها كدولة وظيفية في المنطقة للقوى الكبرى.
 
 ولهذا تسعى إلى بناء قواعد عسكرية لها في الجزر اليمنية وجيبوتي وأرض الصومال، كما تريد السيطرة على ميناء عدن الذي منحته إياها عائلة صالح قبل أن تستعيده الحكومة عقب الثورة السلمية، مع العلم أن ميناء عدن لن ينافس أبدا ميناء دبي، ذلك أن الميناء يفتقد للبنية التحتية والدولة منهارة والشعب على وشك المجاعة والإرهاب قريب منه، وبالتالي لن تأتي الشركات الدولية وتجازف بتجارتها عبر ميناء عدن، لكن وضعه تحت سيطرة الإمارات وتعطيله نهائيا هو هدف إماراتي أيضا، لإفشال أي نشاط له على مدى عقود مقبلة.
 
لكن ما تريده الإمارات بشكل أوضح هو ضرب الربيع العربي، وبعد سبع سنوات على الثورة فإن نتائج التحول المدمرة اقتصاديا وماديا مهولا، وليس الثورة اليمنية هي المدمرة بذاتها لأنها سلمية، بل بسبب هشاشة الدولة الوطنية التي نشأت في الستينيات وعجزت عن إقامة مؤسسات دولة حقيقية قادرة على الصمود والاستجابة لشعبها.
 
 وما ينطبق على اليمن ومصر وتونس ينطبق بشكل أوضح على دول الخليج وخاصة الإمارات كونها تجمع من عدة مشيخات وليس من مشيخة واحدة كباقي دول الخليج، وبالتالي هي عرضة للاهتزاز والتفكك أكثر من غيرها إذا تحرك العامل الشعبي لديها.
 
ورغم عدم التأثر الظاهري بالثورة السلمية فإن الإمارات لا تعيش عزلة محكمة بحيث تتجنب التأثر بالثورة العربية والتكنولوجيا المعرفية ولهذا تريد حماية نفسها من مطالبات بالحقوق والحريات القادمة لا محالة، لأن المجتمعات ذي الدخل المرتفع المرتبطة بعلاقات واسعة مع الخارج تتزايد مطالبها السياسية والاجتماعية والثقافية، (في هذا السياق يمكن الاستدلال  بالتغيير الذي بدأ في السعودية عبر تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسماح بقيادة السيارة والدخول للملاعب للنساء).
 
أما عن حظوظ النجاح فإن الإصلاح حزب مدني ذو قاعدة اجتماعية صلبة ولا يعتمد في قوته على أي قوة عسكرية كالاشتراكي سابقا أو الحوثي حاليا باعتبار هذين لديهما كتل اجتماعية لكنها تتكئ على السلطة وليس على الديمقراطية والمصالح المشروعة، أو قوة السلطة والدولة كحزب الحاكم المؤتمر، وبالتالي فإن كل الجهود لن تكون ذي تأثير فعال على الإصلاح، وسيتبين ذلك سريعا حال إجراء انتخابات في المستقبل.
 
 كما أن الإمارات تريد انتزاع الدور الإقليمي الذي تلعبه السعودية خاصة في اليمن التي كانت مغلقة عليها باعتبارها نفوذها الحيوي، هذا من ناحية، من ناحية ثانية ليس هناك أي فرصة مطلقا في اليمن لإقامة حكم غير ديمقراطي، فما فشل فيه الحوثي وهو أقوى كتلة اجتماعية مسلحة بايديولجيا عنيفة وخبرة تاريخية ستعجز عنه أسرة صالح، كما أن فرص إقامة حكم استبدادي على غرار حكم صالح  ليس له أفق، ذلك أن أحد أهم شروط الاستبداد توفر ثروة هائلة من موارد طبيعية وهذا غير موجود، فضلا عن نظام أيديولجي وهذا غير متوفر أيضا، ولا تمتلك الأسرة لأي بنية اجتماعية صلبة، وتعتمد أسرة صالح كليا على قوى عسكرية وبهزيمة القوى العسكرية تنهار تلقائيا.
 
 وما ينطبق على تعامل الإمارات مع أسرة صالح ينطبق في نتائجه مع المجلس الانتقالي الجنوبي ولكن نذكره في مكان آخر.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر