سلط توسع الصراع اليمني اليمني وامتداد رقعته إلى البحر الأحمر الضوء على هذا الممر المائي الإستراتيجي. ومع دخول أطراف إقليمية ودولية في أتون الصراع اليمني غدا التدافع حول البحر الأحمر أكثر حدة.

 

في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي أعلنت السعودية إن ثلاثة زوارق انتحارية اقتربت من فرقاطة سعودية، كانت تقوم بدورية بالقرب من ميناء الحديدة على البحر الأحمر غربي اليمن، وأن أحد هذه الزوارق اصطدم بمؤخرة الفرقاطة مما أدى لانفجار أسفر عن مقتل وإصابة خمسة من طاقم الفرقاطة. وأضاف تحالف عاصفة الحزم الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين لصالح الحكومة المعترف بها دوليا في اليمن، أن الهجوم شنه مسلحون حوثيون، وأنه سيؤثر سلبا على الملاحة الدولية.

واعترف الحوثيون بمسؤوليتهم عن الحادث، بيد أنهم أعلنوا رواية مختلفة مؤكدين أن الانفجار نجم عن صاروخ موجه. وكان ذلك الهجوم الثاني على الأقل الذي يشنه الحوثيون على سفن حربية تابعة لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية، خلال الأشهر الثمانية الأخيرة. ولاشك أن الهجوم على الفرقاطة السعودية يمثل علامة على تصاعد القتال في البحر الأحمر على الساحل الغربي لليمن، بين قوات التحالف والحوثيين المدعومين من إيران.

 

إن تصاعد وتيرة التوتر في هذه المنطقة الحساسة -والتي تشكل أهمية إستراتيجية دولية لاسيما للولايات المتحدة التي ظلت تحتفظ بتواجد عسكري مقدر بشكل دائم- يهدد بتوسعة الصراع عبر تورط أطراف دولية في العمليات العسكرية. ويبدو في أفق المستقبل ربما القريب كأن شجرا يمشي هناك يحمل نذر صراع مدمر.

 

ومنذ زمن موغل في القدم، كان البحر الأحمر مسرحا للصراع الدولي بين القوى العظمى في فترات تاريخية متعاقبة. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، دخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق في نطاق الصراع والتنافس على البحر الأحمر، لفرض نفوذهما على هذه المناطق والاستحواذ على مزاياها الإستراتيجية والسياسية والجغرافية والاقتصادية.

 

الأهمية الإستراتيجية
ترتكز أهمية البحر الأحمر الإستراتيجية بشكل أساسي إلى موقعه الجغرافي المؤثر في العلاقات الإقليمية والدولية. ويقع هذا البحر متوسطا قارات العالم القديم الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويشكِّل إضافة لذلك نقطة التقاء إستراتيجية بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي.

 

ومثّل العام 1869 نقلة نوعية في الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر وذلك بالتزامن مع افتتاح قناة السويس في مصر لتربطه لأول مرة بالبحر الأبيض المتوسط فيصبح أقصر وأسرع ممر بحري بين الشـرق والغرب، وبديلا في ذات الوقت لطريق رأس الرجاء الصالح الطويل في حركة التجارة الدولية.

 

ولاحقا ومع اكتشاف النفط الخليجي الذي أصبح أكبر مشغل لماكينة الصناعة الأوروبية والأميركية تحول البحر الأحمر إلى طريق نفطي إستراتيجي، فضلا عن إنشاء المملكة العربية السعودية لخط الجبيل - ينبع على البحر الأحمر لتنويع مراكز التصدير. وفي نفس الوقت أصبح ممرا لنقل السلع المصنعة من أوروبا إلى أكبر سوق لها في آسيا وأفريقيا، لتدخل كل من الصين واليابان والهند في زمرة القوى الاقتصادية العالمية المؤثرة التي يمثل لها البحر الأحمر ممرا حيويّا لتجارتها وحراكها الاقتصادي.

 

ويشكّل البحر الأحمر في الإستراتيجيات العسكرية الدولية محورا أساسيا لأي تدخل عسكري محتمل، في حالة أي تهديد لمصالح القوى الكبرى في المنطقة وما حولها. ويزيد من قيمة البحر الأحمر العسكرية وجود بعض الجزر ذات الموقع المهم، والتي تتحكم في المضايق ونقاط الاختناق. 
مهددات الأمن العربي


يقع البحر الأحمر في عمق المنطقة العربية التي تستمد تاريخها من كونها مركز الحضارات القديمة ومهد الديانات السماوية الثلاث. وتحيط بضفتي هذا البحر الشرقية والغربية، سبع دول عربية، هي الأردن والسعودية واليمن والصومال وجيبوتي والسودان ومصر، وتحوز هذه الدول على نحو %90 من سواحله، ومن المفترض أن يكون الوطن العربي لاعبا رئيسيا في موازين القوى والسياسات الدولية المتعلقة بهذا الممر الإستراتيجي.

 

ويشير ذلك إلى أن ضمان أمن البلاد المطلة على البحر الأحمر يمثل محورا مهما من محاور ضمان الأمن القومي العربي. وبالضرورة فإن هذه الدول ذات حساسية عالية تجاه كل ما يؤثر في التوازن البحري المرتبط بالتوازن الدولي. وتثبت التجارب أن الدول المطلة على البحر الأحمر كانت على الدوام الطرف الأكثر تضررا من أي اختلالات أمنية، ومن ثمّ فإن العبء الأكبر يقع عليها وعلى منظومة الأمن القومي العربي -إن وجدت- في حماية الملاحة في هذه المنطقة الحساسة.

وقد أثبت التاريخ العسكري للبحر الأحمر، أنه بحيرة شبه مغلقة، بسبب وجود اختناقات رئيسية، تتحكم في مداخله الشمالية والجنوبية، ويمكن لمن يسيطر عليها أن يسيطر على حركة الملاحة في البحر كله. ولحسن الطالع فإن المنطقة العربية تتحكم في البحر الأحمر من الجهتين الشمالية عبر قناة السويس والجنوبية، عبر مضيق باب المندب، وربما تظل هذه الحقيقة الجغرافية ماثلة على الرغم من التطورات التقنية العسكرية الكبيرة.

 

ولعل وجود إسرائيل ضمن الدول المطلة على البحر الأحمر يشكل أحد مهددات الأمن القومي العربي. وكان البحر الأحمر ومضايقه وخلجانه وجُزره، جزءا من الحروب العربية الإسرائيلية في الأعوام (1956، 1967، 1973)، وذا علاقة مباشرة بحربي الخليج الأولى (1980 - 1988) والثانية (1990 - 1991). وتعتبر إسرائيل خليج العقبة موقعا حيويا لها، من الناحية الإستراتيجية، لتحقيق تجارتها مع الدول الأفريقية. وكان أمر تحقيق الملاحة في خليج العقبة، وتأمين تجارتها عبره، سببا غير مباشر في شن حربها على مصر في العام 1956 أو ما عرف بالعدوان الثلاثي على مصر، وكذلك كان سببا مباشرا في شن إسرائيل حرب 1967 على كل من مصر وسوريا والأردن.

 

ويزداد تهديد إسرائيل خطورة بالنظر إلى الدعم المطلق الذي تجده من الولايات المتحدة الأميركية تحت مزاعم وجود مصالح إستراتيجية مشتركة بينهما في البحر الأحمر، حيث تلتزم واشنطن بضمان أمن إسرائيل في مواجهة أي احتمالات لفرض قيود خاصة على مضايق البحر أو الملاحة فيه.في اشارة إلى منع الدول العربية إسرائيل من المرور عبر مضيق باب المندب في حرب 1973، مما كان له أثرا في نتائج الحرب لصالح العرب.

 

ومع استبعاد إمكانية قيام العرب بمنع إسرائيل من عبور باب المندب، حتى في حالة اللا سلم واللا حرب؛ فإن الدعم الأميركي لإسرائيل لا تقتصر أهدافه على حماية ما تعتبره واشنطن حق إسرائيل في المرور عبر مضايق البحر الأحمر، بل إن السياسة الأميركية تؤيد مطامع إسرائيل التوسعية، في البحر الأحمر ومضايقه. وتؤمن واشنطن بارتباط الأمن الإسرائيلي بالبحر الأحمر، ولذا تعتقد أن لإسرائيل الحق في إيجاد عمق إستراتيجي ووجود عسكري في هذا البحر، دفاعا عما تزعم أنه مصالح إسرائيل وعمقها الإستراتيجي.

 

وكان التهديد الإسرائيلي للأمن القومي العربي شاخصا في نزاع جزر حنيش على البحر الأحمر الذي وقع بين اليمن وإرتيريا حيث استمر القتال من 15 ديسمبر/كانون الأول 1995 إلى 17 ديسمبر/كانون الأول 1995. وانطلقت شرارة الحرب عندما شنت قوات إريترية - إسرائيلية هجوما على جزيرة حنيش الكبرى، واحتلتها وأسرت الحامية اليمنية العسكرية فيها، وكان ذلك الهجوم بقيادة ضابط إسرائيلي. وبررت إسرائيل مشاركتها بأن هدفها من احتلال جزيرة حنيش بواسطة إريتريا، بأن ذلك يأتي في إطار إستراتيجية إقليمية وقائية تنفذها إسرائيل، تحسبا لتهديدات سودانية يمنية، يمكن أن تعمد في المستقبل إلى التعرض لحركة الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر.

 

إنعاش الخطط المؤجلة
خلاصة الأمر أن ميناء الحديدة اليمني من أهم الموانئ التي قد يلج عبرها تهديد خطير للأمن القومي العربي في ظل استعار الصراع اليمني اليمني مع تورط قوة إقليمية مثل إيران التي تدعم الحوثيين الذين انقلبوا على الشرعية في اليمن. فقد شهد هذا الميناء انطلاق الهجمات التي استهدفت خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر فقد استهدفت هذه الهجمات سفينة إغاثة إماراتية وفرقاطة سعودية فضلا عن استهداف سفن أميركية وهو الأمر الذي يوجد مبررا للتدخل الأميركي المباشر. وقد قال مسؤولون في البنتاغون: "إن الهجوم على الفرقاطة السعودية كان يستهدف سفينة حربية أميركية، أو أنها كانت محاكاة للهجوم الذي استهدف المدمرة كول عام 2000 في عدن، وأسفر عن مقتل 17 جنديا أميركيا".

 

كانت زيارة قطع من الأسطول الإيراني لميناء السودان الرئيسي على البحر الأحمر وللمرة الثانية في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2012 إنذارا مبكرا لدخول طهران في أتون صراع البحر الأحمر. واقتنصت إسرائيل الحدث واتهمت الخرطوم بأنها ممر لتهريب السلاح الإيراني عبر الحدود المصرية إلى حركة حماس، وذلك في إطار سعيها للحصول على تسهيلات مطلقة لبسط نفوذها في المنطقة، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب البحري في البحر الأحمر.

 

لقد أثبتت حرب 1973 أن التعاون العربي هو الأداة الرئيسية لتحقيق التوازن على مختلف الاتجاهات، وهو ما اتضح لاحقا أكثر من خلال ردود الفعل الإسرائيلية والأميركية بعد الحرب. ومن المنطقي أن تتطلب حماية البحر الأحمر، باعتباره بحيرة عربية وجود نظام إقليمي عربي سليم، تتبعه قوة مشتركة لها قدرات التدخل سريع، تتألف من المكونات الضرورية بحرية وجوية وإنذار مبكر، مع العلم أن ذلك موجود في شكل أفكار سبق نقاشها على مستوى الجامعة العربية لكن العبرة بالتنفيذ المستند إلى إرادة قوية وإحساس بأهمية أمن البحر الأحمر.

 

ومن ناحية أخرى يقتضي أمر أمن البحر الأحمر معالجة الخلل الأمني في الصومال بجهود عربية؛ فقد كانت الأزمة الصومالية وغياب مؤسسات الدولة سببا في تصاعدت عمليات القرصنة في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية ومدعاة للتدخلات الدولية وصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1838، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2008، والذي قضى بوجود قوات أجنبية أمام السواحل الصومالية لمقاومة القرصنة. 

 

وربما من مزايا جغرافية البحر الأحمر أنه لا يصلح لتمركز القطع البحرية الثقيلة، كحاملات الطائرات والغواصات، فلجأت القوات البحرية للقوى الكبرى إلى التمركز في المياه القريبة منه، كالبحر المتوسط، والمحيط الهندي والخليج العربي، لكن في ذات الوقت تعكس عمليات التسابق لتأسيس وجود عسكري فاعل في دولة جيبوتي خطورة الأوضاع على كامل القرن الأفريقي وتداعيات حرب اليمن وارتفاع وتيرة المواجهة اليمنية اليمنية.

 

ويزيد من حتمية الاهتمام بقيام منظومة عربية لضمان أمن البحر الأحمر أنه باستثناء مصر واليمن والسعودية، فإن بقية الدول العربية المطلة على البحر الأحمر تفتقر إلى منافذ بحرية أخرى تجاه العالم الخارجي، الأمر الذي يهدد أمن تلك الدول، في حالة نجاح أي دولة معادية في فرض الحصار البحري على تلك المنافذ البحرية، أو شلّ حركة تجارتها.

 


*كاتب صحفي سوداني وأستاذ جامعي 
المقال نقلاً عن الجزيرة نت

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر