إخفاقات العمليات البحرية للتحالف


علي الذهب

تبدت العملية العسكرية الموسومة بعاصفة الحزم التي ينفذها التحالف العربي في اليمن، بقيادة المملكة العربية السعودية منذ مارس/آذار 2015، كما لو أنها مثلث غير متساوي الأضلاع، ولا نقول، إجحافا، أنه مفقود أحد أضلاعه، ويمثل هذا الضلع عمليات التحالف في المسرح البحري؛ لأنها لعبت دورا مقبولا خلال العام الأول من العملية، سواء في مسألة الحصار البحري، أو في تحرير المدن الواقعة على خليج عدن، ابتداء من باب المندب غربا إلى منطقة شقرة شرقي عدن، فضلا عن عمليات أخرى متواضعة نفذت هذا العام 2016 في مناطق ساحل حضرموت، وأجزاء من الساحل الغربي للبلاد وبعض الجزر المقابلة له في البحر الأحمر. أما جزيرة سقطرى، فلم تشهد أي مواجهات مسلحة؛ لأنها ظلت بعيدة، كحالها، عن ميدان الحرب؛ لذلك لم تطلق رصاصة واحدة، أو يقتل جندي واحد حينما عززت قوات التحالف فيها شرعية الرئيس عبدربه هادي.

في أيامها الأولى، كانت اتجاهات الحرب تشير إلى نشوب معركة حديثة مشتركة، يدير التحالف وقائعها برا وبحرا وجوا، ويقع ضمن أولويات أهدافها السيطرة على أهم مدن الساحل اليمني المشاطئة لخليج عدن والبحر الأحمر، عبر عمليات إبرار بحري وجوي مدعومة من قبل المقاومة الشعبية ومقاتلين مؤيدين للرئيس هادي، بما يمكن من تحقيق موطئ قدم يتيح لهذه القوات التوسع نحو الداخل خلال فترة زمنية لا تتعدى مائة يوم.

انحراف عن الأهداف

كانت آراء عدد من الخبراء العسكريين المهتمين بالحرب الدائرة في اليمن، رشحت أربع مناطق ساحلية يحتمل أن تنفذ من خلالها عمليات إبرار بحري للقوات المهاجمة، وقد مثلت أولى تلك المناطق: أهم رؤوس الشواطئ الواقعة بمحافظة عدن في جهتيها الشرقية والغربية، أما الثانية: أهم رؤوس الشواطئ الواقعة بين باب المندب وميناء المخاء، وأما الثالثة: رؤوس الشواطئ التي تربض عليها بعض المواقع العسكرية بمدينة الحديدة وامتداداتها في الجنوب والشمال منها، وأما الرابعة: مدينة ميدي القريبة من الخط الحدودي البري والبحري الفاصل بين اليمن والمملكة العربية السعودية. وظلت الجزر أهدافا خاصة وفقا لأهميتها العسكرية، ومقيدة بأولوية الحفاظ سلامة سكانها وعلى أمن الملاحة البحرية. 

الملاحظ، بعد مرور عشرين شهرا من انطلاق العملية، أن وضع مناطق الساحل الغربي التي رشحتها تلك الآراء والتوقعات، لم يطرأ عليها تغيير جوهري فاعل، باستثناء المنطقة الساحلية التي يقع فيها ميناء ميدي، ومجموعة جزر حنيش وزقر التي تقع جميعها ضمن اختصاص المنطقة العسكرية الخامسة، وفقا لتقسيم مسرح العمليات العسكري في اليمن، وكذا جزيرة ميّون الواقعة على عتبة مضيق باب المندب، والخاضعة لاختصاص المنطقة العسكرية الرابعة، وأجزاء من ساحل مديرية المندب، فيما ظلت مراكز هامة من هذا الساحل، مثل: ذو باب، والمخاء، والحديدة، مناطق سيطرة للحوثيين، ولم يحاول التحالف تحريرها من خلال معركة مكتملة الأركان كمعركة تحرير عدن.

خصم يجيد استثمار الفرص

استغل الحوثيون الكثير من المعطيات الإيجابية في مناطق الساحل الغربي، لضمان انتظام تدفق الإمدادات اللوجستية والأسلحة المهربة التي تدعم الموقف القتالي لقواتهم في كافة الجبهات، وتتيح لهم التوسع في المناطق التي يخوضون فيها معارك ضد الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، سواء في المناطق القريبة من هذا الساحل؛ كتعز والمناطق المتوترة التابعة لها، أو المناطق البعيدة التي تحتدم فيها المواجهات، والعمل على إعاقة ومشاغلة أي نشاط من شأنه زعزعة سيطرتهم على العاصمة صنعاء، علاوة على هذه المناطق التي تعد أساس بقاء هذه السيطرة.

بعد الهجوم الصاروخي الذي استهدف الحوثيون به السفينة الإماراتية سويفت، بالقرب من باب المندب، في بداية أكتوبر/تشرين أول 2016، ومحاولتيهم الفاشلتين لاستهداف مدمرتين أميريكيتين، في واقعتين منفصلتين خلال الشهر ذاته، بدا الأمر كمؤشر واضح على التحول الذي طرأ على أدائهم في مسرح العمليات البحري، ونتيجة منطقية لنشاطهم الدفاعي الحثيث في مناطق الساحل الغربي، على أن إعلامهم الحربي كثيرا ما كان يزعم أنهم استهدفوا الكثير من السفن الحربية، وهو ما لم يؤكده التحالف أو ينفيه ولو مرة واحدة، ليظل الأمر في حيز حرب الشائعات التي يتبادلها الطرفان في هذا المسرح، ومع ذلك كانت هذه الوقائع مؤشرا سلبيا على أداء التحالف في تأمين الملاحة البحرية، وفي المهام الاستخبارية التي تضم المراقبة، والرصد، وتبادل المعلومات.

حتى لحظة كتابة هذه المقالة، تشير تحركات الحوثيين في مناطق الساحل الغربي، إلى حرصهم على التمسك المستميت بها، ليقينهم أنها تقع ضمن الأهداف المؤكدة للتحالف، ما لم تحدث متغيرات جديدة تسقط هذا الخيار، وهذا ما يؤكده العمل الدؤوب الذي تقوم به عناصر حوثية بارزة من ما يسمى اللجنة الثورية ومن قادة ميليشياتهم.

إلى ذلك، يجري تداول معلومات في أوساط مختلفة بمناطق الساحل الغربي، عن استخدام الحوثيين وسائل متحركة للاستطلاع البحري وتبادل المعلومات وتوجيه الأوامر، جرى استحداثها عقب الغارات التي شنتها طائرات التحالف على محطات رادارية ونقاط استخبارية ثابتة فيها، ولم يستبعدوا أن تكون مزودة بهواتف خلوية متصلة بالأقمار الاصطناعية، وأنهم أسندوا مهام إعداد وتنفيذ هذه المهام ومهام الهجمات على الأهداف البحرية، إلى كوادر مدربة تنتمي إلى وحدات مكافحة الإرهاب ووحدات خاصة تابعة للجيش السابق، وقد دل على ذلك ورود أسماء من منتسبيها في قوائم التعزية والتأبين التي ينشرها الحوثيون تباعا.

في سياق استغلال إخفاق التحالف في هذا المسرح، ينبغي عدم إغفال نشاط استخباري رديف تضطلع به البحرية الإيرانية، في إطار عمليات تخادم راهنة ومستقبلية بينها وبين الحوثيين، أكدتها تصريحات مسئولين إيرانيين بشأن نوايا بلادهم في إقامة قاعدة بحرية على الأراضي اليمنية المشاطئة للبحر الأحمر، وهذا ما يعزز الرأي القائل أن البحرية الإيرانية قد تكون هي من زود الحوثيين بمعلومات دقيقة حول حركة السفينة الإماراتية والمدمرتين الإميريكيين التي استهدفوها، لا سيما بعد أن أحبط السفن الحربية للتحالف أكثر من محاولتين لإمداد الحوثيين بالسلاح والمواد التموينية خلال العامين الماضيين، وكان مصدرها إيران.

ضلع المثلث الناقص

مما لا شك فيه، أن لمناطق الساحل الغربي أهمية استراتيجية واضحة المعالم، لكونها تحوي عددا من الموانئ والمرافئ البحرية الرئيسة والثانوية، والمطارات، ومراكز نقل وإمداد وتوزيع أنواع مختلفة من الطاقة، وشبكة طرق تربط بينها وبين المدن الكبيرة والمتوسطة الواقعة في السهل الساحلي الجنوبي، والهضبة، والمرتفعات الوسطى، وتمتعها بميزات طبيعية واصطناعية تحقق الانتشار السريع والتحرك الآمن للقوات. بعبارة أخرى، تعد هذه المناطق عمقا استراتيجيا وتكتيكيا للمناطق خارج جغرافيتها، سواء في ظرف الحرب الراهنة أو في حالة أي تحول يفضي إلى هيمنة أي طرف على هذه المناطق.

يمكن إسناد أسباب توقف التحالف عن التقدم في الساحل الغربي إلى ثلاثة عوامل رئيسية، هي: -

1.     العامل السياسي

يتجلى هذا العامل فيما يلي:

أ‌.      تعارض المصالح بين أطراف في التحالف، تؤيدها قوى دولية، يرى، جميعها، أن البديل تهيئة واقع آخر على الأرض، يحول دون المشاركة القوية لتيارات سياسية داعمة للرئيس هادي، في حالة أي تحول يفرضه خيار الحسم العسكري، بوصفها القوة الأكثر تأثيرا وتنظيما.

ب‌.     في الاتجاه ذاته، يؤخذ هذا التوقف في سياق مقررات مؤتمر الحوار الوطني المتعلقة بشكل الدولة ونظامها الفيدرالي الذي عجزت الإرادة السياسية عن تحقيقه؛ ممثلا بفرض الأقاليم المقترحة وجعلها أمرا واقعا على الأرض، أو التحول إلى أسوأ من ذلك، وهو خيار العودة بالقوة إلى وضع ما قبل عام 1990.

2.     العامل العسكري

ينطوي هذا العامل على أبعاد فرعية متعددة، أبرزها:

أ‌.      ما يتعلق بالإنهاك الذي طال دول التحالف، بتصاعد خسائرها المادية والبشرية؛ الأمر الذي أجبر دولة، كالإمارات، على سحب أغلب قواتها.

ب‌.     عدم وجود القوة البشرية الكافية لخوض معركة اقتحام منطقة مكشوفة وآهلة بالسكان، مثل الحُديّدة، لن تقل الخسائر فيها عن تلك التي مني بها التحالف في عدن ومارب، في ظل إحجام دول عربية، كمصر، عن المشاركة البرية.

ت‌.     التباس وتناقض الرؤية حول مستقبل ميدان المواجهة المسلحة بعد عملية الحسم، في حرب توصف أنها حرب منسية في بلد معقد، تحكي، كذلك، قصة معقدة، وذات أبعاد مختلفة.    

3.     العامل الجيوسياسي

يشكل هذا العامل أبزر عوامل توقف الحسم العسكري إجمالا، والحاكم للعوامل الأخرى، وهو ما ينعكس على الموقف من هذه المنطقة التي تعد في نظر بعض القوى الدولية والتحالف منطقة تهديد لمصالح المجتمع الدولي، في ضوء التصورات التالية:

أ‌.      قربها من أهم ممر وخط ملاحة دولي، هو مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

ب‌.     تحاشي تطور الصراع واستطالته، وتحول اليمن إلى بؤرة جاذبة للتنظيمات الإرهابية المتطرفة التي قد تلفظها مناطق عنف مسلح بدأت تضيق بها، كالعراق وسورية.

ت‌.     الأجندة الغربية الخاصة التي لا تتفق مع الأجندة الوطنية، وسعيها لخلق كيانات مجزأة تعلو سطوة الأقليات فيها، لتصبح نواة صراع مستقبلي يدخل البلاد في دوامة حرب أخرى بعد عقود قليلة، على نحو ما أخذت إليه أحداث ثورات الربيع العربي.

ما يجب الاختتام به، القول إن هذه العوامل خاضعة لتحولات فجائية قد تجعلها أقل تأثيرا، فضلا عن الإرادة الشعبية التي يستحيل وقوف أي قوة أمامها، لكن مع هذا سيكون الثمن مكلفا أمام قوى الاستكبار التي تعمى عن إرادة الشعوب ومصالحها، فلا ترى إلا بالعين التي تكون مصالحها على رأس قائمة المصالح.

 

* باحث في الشئون الاستراتيجية

 

حقوق النشر محفوظة 2016 © "يمن شباب نت" yemenshabab_logo2

 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر