عن الإعلام والثورة والإصلاح


جمال أنعم

 

"من نقاش مبكر سابق للسقوط"..

نتابع الكثير من تجليات الانكشاف الفاضح في الأداء الاعلامي عموما، وما اراه أن ارتباكا كبيرا حدث عندما تبدل الدور..

كان الإعلامي في المخاض الثوري يشتغل داخل المعترك، وكانت له اسبقيته. كان يدرك مهماته الثورية. وكان موجها وصانع احداث وحاجز صد. اليوم يبدو الإعلامي مقتاتا على مائدة السياسيين يقف بعيدا بانتظار مايأتيه من هنا او هناك، قانعا بأداء ادوار ثانوية اقل بكثير مما يراد منه..

دعوني، ولو متأخرا، احاول إيقاظ بعض من زوابع تكاد تهمد في الأورده والأفئده. لدينا مهمات إعلامية ثورية محضة تكاد تغيب وتنسى وتضيع في زحام الأحداث. اعلام الثورة بدأ بالإنكشاف حين تحول الى مجرد اداء خبري يفاقم الشعور بالعجز خاصة مع فقدان الروح وتراجع الدافعية.

ايها الزملاء لا ادري ان كان ما أطرحه الان جديرا بإهتمامكم؟ يقيني انه همنا جميعا ويستحق النقاش، وننسى أننا في خضم صراع مر وقاس يتطلب بقاءنا في حالة يقظة دائمة وفي وضع مكتسح هجومي على الدوام، واقفين على كل الجبهات، ماسكين زمام المبادرة، مقتحمين نفكك ونحلل ونوجه ونواصل التعبئة والتنوير والتثوير، نفند الخطابات المضادة ونعمل على حراسة الوعي العام من كل محاولات الاختراق نرسم مسارات ونوسع الآفاق. ونعمل على تسيير الاختناقات، نفتح مساحات للنضال والتغيير، لا نسمح بالاختناقات ولا بالإنحشار العام في دوائر اليأس. لقد علقنا الكثير من مهماتنا الثورية وصرنا نزاحم الكثيرين في مقاعد الفرجة والانتظار، صرنا ربما الاكثر ندبا وهشاشة وقابلية للعطب، منشغلين بما هو سطحي وثانوي وغير ذي بال.

 الانسحاب لايمكن ان يكون ضمن خياراتكم..أعرفكم فرسان كبار لاتهزمكم الظروف مهما قست واشتدت. دعونا نقارب جوهر الأداء: مأرب برس، والمصدر، وكل الصحف الفتية التي صدرت بقوة ارواح أصحابها يليق بها ان تتعامل بروح اكثر استقلالية يجب ان لا تتحول العملية الى تبادل لوم. الامر عندي مرتبط بطبيعة اداء صحفنا ومواقعنا عموما..هذا الأداء: هل كان له دوره في تحديد قدرات وامكانات كل صحيفة وموقع؟

اعرف صحفا ومنابر قريبة محسوبة على جهات واطراف داعمة..اداء هذه الوسائل: الى اي مدى يخضع لسياسات الداعمين وتوجهاتهم؟ الى اي مدى تتحول هذه الصحف الى متعهدة خصومات ووكيلة صراعات بالنيابة؟؟

دعونا نناقش الأداء..طبيعة هذا الأداء؟ ومدى تلبيته للمطلوب؟ وقدرته على دعم ذاته بما يطرحه ويتبناه بوضوح سياساته؟ وكذا بقوة مهنيته وكفاءته الأدارية وقدراته التسويقية..الخ

اخشى أننا دخلنا مرحلة اليأس باكرا..واعتقد انه علينا التخلص ابتداء من اي نزوع عدمي يلغي جهود زملاءنا جميعا ضمن هذا المسار. أنا شخصيا اقبل رؤوس الجميع واحتفي بكل هذا المشهد الصخاب برغم تصدعاتنا وارهاقنا فيه..لدينا امكانات مهدرة في كثير منها، ولدينا قصور واختلالات وارتباك عام، وعلاقات نكده بين الاعلامي والسياسي، ونعاني ادواء وعلات ذاتية وموضوعية تتعلق بالواقع وبالمحيط الخاص والعام.

التجارب تقول: ان افضل المعالجات هي التي نقوم بها ونحن مستمرون في العمل، متقدمون نحو الأمام. الغرق في هذا الركام المعيق والمحبط لا يؤشر لإمكانية ايجاد حل وأحداث فرق.

نحن - ولكي لاننسى - في عمل ثوري مفتوح ومستمر..ويجب أن ندرك أن الوقت متاح فقط لأداء المهمات الثورية، ومعالجاتنا لقصور أداءاتنا الإعلامية يجب أن تصير عمليات ثورية بامتياز.. سريعة وخاطفة، يقظة لا تتوقف ولا تسمح بالقعود، ولا الإكثار من الشكوى والصراخ، نحن في قلب التحدي.

ليس لدينا الوقت اللازم كي نتبادل الإدانات والاتهامات والملامة. أتحدث عن مهمات إعلامية ثورية يجب أن تؤدى على نحو لايقبل التأجيل والترحيل، والعمل وحده والانطلاق في المسار الصحيح هو الكفيل بمدنا بالكثير من الخبرة والقوة والطاقة والعافية والإمكانات المطلوبة للعمل. الإستبداد عمق لدينا فقدان الثقة بالذات ورسخ لدينا الاسترابة من كل مانقول ونفعل. الا تروا ان لدينا القابلية بل والجاهزية لإدانة ذواتنا ومكوناتنا وتحميلهم كل الأوزار..!

هنا تكمن بعض ادواءنا القاتلة. الفاشلون الكبار على مدى عقود يتحدثون بتخفف عن فشلنا. نحن حمالي الأسية كما يقال..هنا يأتي الخطاب الاعلامي الثوري الناضج، المدرك، القادر على اسقاط كل التخرصات..مايحسب عليك يمكن ان يكون لك..مشاركتنا الجزئية عملية فدائية من الاصلاح محاولة لإنقاذ ما يمكن انقاذه.

نحن هنا نعالج فشل. العقود الطوال ليس فشلنا الخاص. لا أتحدث عن تزييف للحقائق او تضليل الوعي..أتحدث عن واقع الحال، نحن منهزمون منذ البداية مستعدون للجلد، ظهورنا سهلة وريبتنا عميقة، تصل حد فقدان اليقين بقدرتنا على اجتراح ماهو افضل.

نحن مستسلمون لمحاولة ماكرة تستهدف تحويلنا الى جموع متواطئة ضد نفسها..تعيش خارج قناعاتها، كما لو اننا جميعا منخرطون في مؤامرة ضد الذات والوطن.الثورة  مسار مفتوح، والعمل السياسي بعض من ادوات الفعل الثوري. هذا ما افهمه..لست ممن يضعون الثورة في جانب والاصلاح في جانب، كنموذج التسوية برمتها وعناوينها: اما ان تكون امتدادا للفعل الثوري او خيانة له..وعلينا ان نحدد هذا، نحن، وفق معطيات متوافرة.

هذه الحكومة، بالله عليك، أليست بعضا من عناوين مرحلة انتقالية، توافق الجميع عليها لإنجاز مهام محددة..؟ هذه الحكومة لا تصلح معيارا للحكم..وهؤلاء الوزراء، الذين ينتمون للمعارضة، هم في نظري ابطال كونهم قبلوا تسلم المسؤولية في مرحلة خطرة وحساسة وبالغة التعقيد..وضع كثير منهم حياته على المحك في مواجهة مراكز النفوذ وجماعات المصالح القديمة. الم تكن هذه المشاركة الباسلة محاولة اختراق أولية لقلاع الفساد والاستبداد العتيقة؟

ثم ماذا يعني تغيير وزير على رأس مؤسسة مجهضة تعمل بكليتها وفق المواضعات والتقاليد البوليسية المهيمنة؟ هؤلاء الذين اقنعنا الخصوم انهم - بمجرد وصولهم للسلطة - صاروا شياطين وملوثين، يجب كشف الغطاء عنهم ورميهم بكل الآثام..!

هذه مرحلة ضمن مجاز خطير، تحمل الاصلاح فيه العبء ببطولة واقدام. نحن نتصرف بمثالية لا تبررها الوقائع ولا يقررها الحال..لدينا استعداد لتقبل فكرة كوننا معاقبين أبديين لابراءة لهم.

لقد  ترك فينا الماضي تشوهات كثيرة..والآن يريد هذا الماضي المعاودة من خلال اقناعنا بأن هذه التشوهات هي قبحنا الخاص، دمامتنا المكتسبة، هي صورتنا الحقيقية جوهرا ومظهرا.

يشتغل القوم على محاولة اصابتنا بالصدمة من الحكم كي لا يفكر احد بالوصول الى السلطة عبر السبل الدستورية المقرة. حين يقنعك وانت في السلطة انك افشل فاشل وانك لاتستطيع فعل شي، فلن يكون بمقدورك بعدها اقناع احد وانت في المعارضة  بجدوى صعودك للحكم..

يقتضي الوعي الثوري ان ندرك يقينا ان رموز النظام السابق تحاول العودة من خلال يأسنا وتيئيسنا من انفسنا، ومن خلال  احباطنا وسخطنا واعلاننا الإنهرام قبل ان يهزمنا الواقع بالفعل..

حقوق النشر محفوظة ©2016 يمن شباب نت?

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر