على مدى سنوات مضت، أظهرت مليشيا الحوثي أنها عصابة إجرامية كبيرة تمتلك الكثير من الموارد والمقدرات والأسلحة والعناصر البشرية التي تمكنها من مواجهة أي تحركات شعبية معارضة بقسوة ووحشية دون أي رادع، أو هكذا كانت تصور نفسها، خاصة بعد سقوط الجمهورية في صنعاء، وضعف الحكومة التي قادت المواجهة ضدها منذ 2015 بدعم التحالف بغض النظر عن أسباب الضعف.
 
خلال سنة ونصف من الهدنة، بدأت آثار الضعف الهائل الذي يعتري المليشيا يظهر تباعا، والمشاكل الحادة التي تغرق فيها، تبرز أكثر فأكثر، من الانقسامات والاغتيالات العسكرية، والانقسام الهائل بينها وبين حليفها المفترض المؤتمر الشعبي، وصولا إلى الأزمة الحادة مع القطاع الخاص، والاشتباكات المتفاقمة على الأراضي مع القبائل في مختلف المحافظات، وأخيرا برز إلى السطح الجهاز الإداري للدولة الذي استعانت به المليشيا للسيطرة على الأوضاع وإدارتها في المحافظات التي تحتلها، مطالبا بالرواتب.
 
وفق العقائد الحوثية النظرية والأيديولوجية وباعتراف المشاط نفسه في محافظة المحويت بذلك قبل أيام، فإن المليشيا لديها مشكلة كبيرة مع مسألة العقد الاجتماعي للدولة وفي مقدمتها دفع المرتبات وتنفيذ الخدمات، وتريد تسريح معظم الموظفين خاصة المعلمين من مدارسهم، ومثلهم مئات الآلاف الموظفين.
 
وقد انتبهت مليشيا الحوثي لتضاؤل قدراتها في السيطرة على المجتمع بعد أشهر من الهدنة، فعملت على إنشاء سلسلة من الأجهزة الأمنية والمخابراتية مثل الصمود الوطني، ومكافحة الاستقطاب المعادي، والمدونة السلوكية، واللجان المجتمعية، فضلا عن المراكز الصيفية والمعسكرات باسم الداخلية والدفاع، في محاولة منها للتركيز على قمع الداخل.
 
رغم ذلك فقدت المليشيا قدراتها الكبيرة على التجنيد، وغرق قادتها في الصراعات الداخلية على الموارد، وصارت الاغتيالات بين كبار القادة تحدث وتتكرر باستمرار، أما مستواها المتوسط فالصراعات بينهم لا تتوقف، وجهود المليشيا على مستوى المفاوضات مع السعودية والحكومة دون تقدم يذكر، والفقر ويسحق المجتمع بينما يزداد قادة الجماعة من الهاشميين وكبار حلفائهم ثراء.
 
قبل أسابيع أعلن المعلمون عبر ناد جديد باسمهم "نادي المعلمين" إضرابا واسعا عن التعليم، ليفتح الباب واسعا أمام بقية الجهات والمؤسسات الحكومية، الذين ابتكروا شعارا يحمل دلالات عظيمة " كرامتي في راتبي" في رد موجه مباشرة على ادعاءات مليشيا الحوثي أنها تدافع عن كرامة الناس. الشعار الجديد التقفه آلاف المدونين في وسائل التواصل الاجتماعي، ومثل شعارا بكل مضامينه لتجسيد الواقع الذي يريدونه والذي تعاديه مليشيا الحوثي.
 
انتشار الشعار مع استمرار الإضراب دفع مليشيا الحوثي لاستنفار جميع عناصرها سواء المخابراتية منها أو العسكرية والأمنية وحتى الذين يعملون في السلك المدني ليتحولوا إلى أداة خطف وقمع وتهديد وتنكيل بالموظفين، دون أي جدوى.
 
يقدر آخرون أن مليشيا الحوثي لم تعد تحظى بأي موالاة بين القطاعات الشعبية، كما أن معظم السكان صاروا أعداء بعد أن كانوا في السنوات الأولى يقفون بين مؤيد ومعارض ومحايد والأخيرين كانوا أغلبية، لكنهم حاليا صاروا أعداء. الطغيان الحوثي وصل إلى كل فرد في اليمن، ولم يعد بإمكان المليشيا تبرير جرائمها.
 
ومن خلال التحركات الاجتماعية والاحتجاجات التي ظهرت في الأشهر القليلة الماضية من مظاهرات واعتصامات وإضرابات وحروب واغتيالات فإنه يمكن القول بثقة إن مليشيا الحوثي لم تعد قادرة على احتواء الاحتجاجات وأن خلف القوة التي تحاول إظهارها ضعف هائل سينكشف قريبا وستنهار قوتها مع استمرار الاحتجاجات الاجتماعية بأشكالها المختلفة، وسيكون ذروة تطورها على غرار ما بدأه الناس في جنازة المكحل في إب قبل أشهر قليلة.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر