عبقرية ثورة 26 سبتمبر 


وليد عوفان

تكمن الفكرة العبقرية في مؤسسة الدولة والجمهورية بكونها عابرة لكل التشكيلات الاجتماعية المختلفة وعابرة للمرجعيات العرقية او القومية والمناطقية، وتمنح حق المساواة والمواطنة وتعطي الحقوق للجميع وتأخذ الواجبات دون مفاضلة، وتعمل تجاه أبناء الشعب بشكل قانوني واحدي التعامل لا يحابي ولا يجامل ولا يداهن، فإذا أهملت هذا الجانب المهم فيحكم عليها بالفشل والسقوط، أما إذا تخلت هذه المؤسسة "الدولة، الجمهورية" عن مهمتها الخالدة والواجبة، وانتقلت لتعمل أو تكرس أي فكرة تخدم الجهوية الاجتماعية أو تشكلات ثيوقراطية أو أفكار قومية عرقية أو تجيير السلطة لخدمة مصالح شخصية ذاتية معينة، فإنها لم تعد مؤسسة دولة أو جمهورية ويسقط عنها صفتها المعتبرة وتتحول لمسميات أخرى تتناسب مع أدائها الذي تقدمة لأفراد الشعب. 

  

ومن الطبيعي ان تكون الدولة بتمثيلاتها المعتادة لأفكارها المؤسسية نقيض واضح وصريح للتشكلات التقليدية التي تكرس السلطة لمصالح فئات معينة أو تمنح امتيازات بحسب الانتماء والجهة أو تشرعن قوانين وأفعال متنافية ومضادة مع مسؤولياتها وواجباتها الفعلية، فشرط الدولة لمنح مسؤولياتها لا تخضع للمعايير الشخصية أو الانتمائية، ولكنها ابتكرت طرق جديدة كالكفاءة والنزاهة والافضلية التكنوقراطية لشغر المناصب وممارسة المسؤوليات التي تكون من أولوياتها منح الحياة الكريمة لجميع مواطني الدولة دون استثناء وتطبيق القوانين وحماية الوطن وسيادته ومحاسبة كل من يخالف ذلك. 

  

ومن هنا جاءت عبقرية ثورة ٢٦ سبتمبر الخالدة في قلوب اليمنيين ، لأن فكرتها الأساسية والرئيسية هي انتزاع السلطة من يد الإمامة التي كانت تسخر كل إمكانات البلد وكل مقدراتها لصالح أسرة بعينها وفي سبيل خدمة إرادتها وتعزيز مكانتها وتطبيع وجودها وإثراء نفسها وأناس بعينهم وخلق طبقة حاكمة فوق النقد تستمد معنى تسلطها على الشعب من حق إلهي يضفي عليها مهابة ومكانة تعلو بها على الناس ومن مطالبهم وتردعهم عن مقارعتها ومجابهتها، سلطة تعمل على إفقار الشعب وتجويع الناس وانتزاع ما يملكون لتعزز الفاقة عندهم ولتستأثر هي بالغنى والثروة، سلطة تعمل على تجهيل الشعب وتنتقى منه من تمنحه هذه الميزة الخارقة لكن ليكون خادما مطيعا لها، سلطة لا تكتفى بالطاعة وحدها ولكنها توجب الولاء، سلطة غاشمة لا تريد لشعبها ان يكونوا مواطنين صالحين بل عكفه تنتجبهم وتجيشهم متى تحتاج. 

 

قبل ثورة أيلول الخالدة كان قدر اليمنيون أن يظلوا رعية منهوبين وعكفة طائعين، ويظل الإمام وأسرته وحاشيته هم الملوك وأصحاب السلطة وجامعي الثروة، فلا أمل لمواطن أن يتغير وضعه أو أن يعيش دور المسؤولية أو يطمح في سلطة، ولا مجال ان تتيح الإمامة هذه الأمر فهي تعتبره حكرا لها دونهم وحق لهم دون سواهم، ما صنعته ثورة ٢٦ سبتمبر المجيدة أنها أتاحت المجال لليمني وللمواطن العادي أن يحكم وأن يتولى المسؤوليات بقدر كفاءته ومسؤوليته، هذا الأمر لم يكن ليحلم به اليمني قبل ذلك. 

 

هذه الثورة منحته الامل والتفاؤل بشأن إمكانية تغير الحاكم الذي لا يستمد سلطته من الدين، منحته الأمل بوضع أفضل وبجمهورية جل أهدافها تحسين معيشته ومنحه الحياة الكريمة، وبجيش ليحمي سيادة البلد لا كرسي من يحكم، ومؤسسات تعنى بتوفير متطلباته لا تنهب مقدراته، فتحت له إمكانية تعليم أولاده دون استئثار ذلك للسلطة ولمن تريد، منحته صفة المواطنة والمساوة كأعلى صفة يحصل عليه المنتمي لهذا البلد لا ان يكون مجرد رعوي، منحته أن يُعرف بيمنيته لا من رعية فلان او رعايا علان، قد تكون تلك الافكار عادية اليوم لكنها كانت مثاليه حينها، كان الحالمون وحدهم من الضباط الأحرار ومن ثلة المثقفين والنخبة هم من تصوروا وضع أفضل لهذا البلد وللمواطن، وإن تقاصرت في الواقع ولم تطبق بحرفيتها لكنها غيرت مسار الأمة اليمنية وحولت نظامه وقلبت الموازين حينها وكافحت سنوات طوال لتحقيقها. 

 

فالثورة هي النص المسرحي والسياسيون هم الممثلون لها كما يقال فيمكن ان يكون أدائهم جيداً أو ويمكن ان يكون سيئاً، ونحتاج أن نؤكد على الدوام بأن كل المشاريع التي لا تخدم أهداف سبتمبر الخالدة او تنتقص منها او تتلبسها أو تخرج بها عن مبادئها الخالدة ما هي إلا مشاريع رجعية إمامية استبدادية أو جهوية مناطقية أو عرقية مقيته أو خدمة لأجندات خارجية تنتقص من سيادة الجمهورية ومن كرامة وحقوق مواطنيها فهي مشاريع مشبوهة، ولن يقبل اليمني العودة لكنف أحد أو وصايته، ولن يقبل بأقل من أن ينال جمهوريته كاملة وغير منقوصة بكل اهدافها ومبادئها العظيمة. 

  

فالوطنية تخرج عن إطارها إذا حاولت التمازج مع أفكار العولمة، فما بالك أن يُعاد بها لأفكار إمامية بائدة، تمايز بين أبناء الوطن وتحابي بعضهم وتمنحهم المكانة دون سواهم، أو أفكار تجعلنا مواطني درجة ثانية أو أتباع وأنصار نخدم توجهات وأولويات خارجية، فهو النكوص عن سبتمبر وإدبار عنه، فالمعارك الكبيرة والمبادئ الخالدة تحتاج لها قادة عظماء كبار، أما الأتباع الصغار المترددون تأبى الجمهورية أن تنتصر بهم أو ينالوا هذا المجد وهذه العظمة، وسيتلاشون من صفحتها ويأتي من ينتصر للجمهورية ولليمن الكبير وللشعب والوطن فينال هذا المجد وينهل من عظمة هذا المقام. 

مشاركة الصفحة:

اقراء أيضاً

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر