أمور الحرب الطيبة


فكرية شحرة

 فيما هي تقص علي تفاصيل مراسم زواجها الفخم وتكاليفه الباهظة، كنت بدافع شرير أفسد بهجة قلبها الجميل بقصص الذين يموتون جوعا في وطننا.
 
تتحدث عن ذلك البذخ المهول الذي رافق أيام عرسها في أشياء أراها تافهة، وتتحدث هي عنها كضرورة لإنجاح حفل زواجها وحديث الناس عنه شهورا أو سنوات قادمة وتصفها بالأمور الطيبة..
 
وكنت أنا أصف معاناة أسر متعففة، تخشى أن يتحدث الناس عن فاقتها؛ عن معلّميّن قدوة صاروا في أشد حالات البؤس والشقاء؛ عن حياة أناس لم يدخل اللحم بيوتهم أياما وشهور..!!
 
تحدثني عن فستانها الذي صمم من أجلها، وكلفها ثروة باهظة كي ترتديه يوماً واحداً.. وكنت أحدثها عن الاطفال الحفاة، العرايا، والمحرمين، في العيد القادم مع الغلاء الفاحش؛ لكنه يوم واحد فقط ولا بأس أن يواصلوا عريهم طوال العام ..!!
 
حدثتني عن أصناف المأكولات والحلويات، ومسميات لا أعرفها، وكيف امتدت الموائد التي لم يحضرها جائع قط..!! الكل متخمون وكروشهم المتدلية لم تعد تتسع للمزيد ..!!
 
تحدثني، وأنا أفكر في كل تلك الأطعمة: أين تخلصوا منها بعد استعراض فخامة الوليمة ..؟!
 
كان زواجا فخما، وكانت دهشتي فخمة أيضا ..!! هل ما زال في وطني من يقيم أعراسا باذخة ليستفز حاجة الفقراء للضروريات ؟!
 
وإذا كان هؤلاء الأشخاص ممن يعول عليهم قيادة الجماهير الجائعة إلى الحرية والكرامة؛ كيف ستثق الجماهير في هؤلاء القادة المرفهون؟ هل يعلمون أن الماء في مدينتي الخضراء (إب) في طريقه كي يباع بالكيلو مثله مثل الكهرباء ؟!
 
هل يعلمون عن الانتظار الطويل من قبل المعلمين لإكرامية اليونسيف، وكيف وصلت مهشمة بخصومات جائرة تصل لثلاثة أرباع المبلغ وأكثر ؟!! كيف تتم المتاجرة بكرامة المعلم، وتهمش حقوقه فلا يعرف له غريما والكل غرماؤه؟
 
أي لصوصية وفساد تعتصر هذا الوطن من قبل ثلة حاميها حراميها من الطرفين؟! على من نعول في هذا البلد إذا؟!
 
لا احد ..!! لا قيادات، ولا حكومات، ولا أحزاب متآكلة، ولا شخصيات ذات سطوة جماهيرية.. لا أحد يريد أن يدخل التاريخ كعلامة جمهورية فارقة ..!
 
الجميع يصر على أن تلعنهم الأجيال المتعاقبة، كأسوأ مسؤولين أداروا أقذر حقبة تاريخية ..!
 
لن يستمر هذا الحال.. هذا هو المؤكد، فسنة التغيير وتبدل الأيام ثابتة..؛ لكن إلى متى وعلى أيدي من سيبدل الله حال الناس؟!
 
هذه هي مشكلة من يتصدرون واجهة الأمر؛ لا أحد يريد أن يقف مع الشعب، فالكل يقف على ظهر هذا الشعب..!!
 
واليمن، الذي تحول إلى فرن كبير، يصطلي فيه الشعب مرارة حياة قاسية، تفتقر إلى أبسط حق سوى حق اختيار طريقة الموت..!
 
عاجزون عن أي فعل، خوفا أن يقودهم إلى الأسوأ في نظرهم؛ رغم أننا وصلنا قعر الأسوأ هذا ولم يعد هناك أسوأ منه..!!
 
ليس القتل والدمار هما أسوأ ما في الحرب؛ بل هذه الفجوة الهائلة بين ما يعانيه الشعب من حياة عدمية ومعاناة قاتلة، وبين ما يتمتع به تجار الحروب من قادة وسياسيين..!!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر