انفلات السلطة في تعز


منذر فؤاد

لابد لأي سلطة مهما كان نفوذها، أن تستند إلى قانون ينظم عملها، ورقابة مجتمعية تقيّم عملها وتحاسبها، لكن عندما تصبح السلطة مطلقة تتجاوز القانون والرقابة، وتطمئن للإفلات من المحاسبة، فإنها تصبح أداة للتسلط والتعسف والطغيان، وهذا ما ينطبق على عدد كبير من حوادث الانفلات في مدينة تعز.
 
الانفلات الأمني، أو الفوضى الأمنية التي تعاني منها مدينة تعز، ليست حالة عارضة، بقدر ما كانت نتاج طبيعي للفراغ الأمني الذي تسببت به حرب التي شنها الحوثيون وصالح على المدينة، لكن المعضلة الكبرى في الصمت إن لم يكن التواطؤ لقيادات عسكرية وسياسية تجاه تصرفات عبثية وفوضوية تقوّض أمن المدينة، تنفذها جماعات منفلتة بعضها تنضوي ضمن ألوية الجيش.
 
ثمة جرائم وقعت عن طريق الخطأ، أو مع سبق الإصرار والترصد، يقف خلفها أفراد ليس لهم من الانتماء للجيش الوطني، إلا الرقم العسكري، وهؤلاء ولديهم سلطة كبيرة في العبث داخل المدينة، في أي زمان وأي مكان، ويستمدون هذه السلطة المطلقة، من صمت أو تواطؤ قيادات عسكرية، أضحت عاجزة عن العطاء ربما، فاستعاضت عنه بالأخذ من سكينة المواطن.
 
في أوج حالة الانفلات السلطوي، برزت شخصية المراهق غزوان المخلافي، كمثال حي على هذه الحالة. تورط غزوان في كثير من أحداث الفوضى الداخلية التي عصفت بتعز ولا تزال، وتسببت هذه الأحداث في قتل مدنيين أبرياء، فضلا عن إقلاق السكينة العامة، وتشويه صورة المدينة المقاومة في أذهان الداخل والخارج.
 
في كل معركة، كان غزوان ينجح في الإفلات من الحبس، ويعود لمزاولة نشاطه في البلطجة والفوضى، وهو ربما ما دفع موقع ميدل آيست إن البريطاني، أن يصفه بالمراهق الذي يدير ثاني أكبر مدينة يمنية، في تقرير مبالغ فيه، لكن يبقى الأهم من ذلك معرفة من يقف خلف هذا المراهق، ويسهل له المسالك كلما ضاقت به الحيل، ومن يستخدمه كواجهة لتنفيذ أهدافه الخاصة.
 
لقد أدى تراخي السلطة المحلية والأمنية والقيادات العسكرية، عن ضبط غزوان ومحاسبته، إلى تفريخ هذا النموذج، لينتعله أفراد كثر، بعضهم محسوب على الجيش الوطني، وهو ما ينذر مستقبلا بحالة تصدع بين الجيش الوطني وحاضنته الشعبية التي ضيّق الحوثيون الخناق عليها، ولم يعد بمقدورها تضييق الخناق أكثر إن استمرت حالة التفلت السلطوي، من مجندين مارقين، أو عصابات منفلتة.
 
كما أن استمرار هذا التراخي، شكّل أرضية مناسبة لأطراف مشبوهة لمهاجمة الجيش الوطني، وكيل الاتهامات له، واستغلال حالة الفوضى لشق العلاقة بين الجيش الوطني وحاضنته الشعبية، ومن ثم تهيئة الرأي العام للقبول بما كان يرفضه سابقا، وإنشاء تشكيلات عسكرية خارج إطار الدولة، بدعوى توفير الأمن والسكينة، اللذان عجزت المنظومتين الأمنية والعسكرية عن توفيره.
 
قد يتهمني البعض بالتحامل على المؤسسة العسكرية في مقابل عدم انتقادي للمؤسسة الأمنية، كونها المعنية بالحفاظ على أمن المدينة، لكن هذا الاتهام يصبح في غير موضعه، عند النظر إلى واقع المدينة، وامتلاك المؤسسة العسكرية لسلطة أكبر من المؤسسة الأمنية، إضافة إلى ضرورة تدخل المؤسسة العسكرية للحد من الانفلات الحاصل، أو على الأقل السيطرة على تصرفات بعض الأفراد المحسوبين على الجيش، انطلاقا من السلطة التي تملكها، وبما يحفظ للجيش الوطني بطولاته وتضحياته، من أن ينالها التشويه بسبب تصرفات بعض السوقة والشواذ.
 
خلال السنوات الماضية، اغتالت العصابات المسلحة عشرات الجنود، مستغلة صمت وتراخي السلطة المحلية والقيادات العسكرية عن حماية أفرادها والقبض على المتهمين، وانخفضت نسبة الاغتيالات فقط عندما قررت المؤسسة العسكرية الضرب بيد من حديد على أوكار هذه العصابات، على الرغم من تواطؤ السلطة المحلية حينها وبعض القيادات العسكرية، مع هذه العصابات.
 
تحتاج تعز اليوم إلى قرارات جديدة تضرب بيد من حديد، جميع العصابات المنفلتة داخل المدينة، بما فيها تلك التي تستغل مظلة الجيش، وتستخدم أسلحته في القلاقل والفوضى، قبل أن يتسع الخرق على الراقع.. فهل تجد نداءات المواطنين طريقها لأن تصبح واقعا؟ أتمنى ذلك.

 

حقوق النشر محفوظة "يمن شباب نت" ©2018  

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر