عن مراجعات ثورة فبراير


سلمان المقرمي

  الهزيمة الساحقة التي منيت بها الجمهورية أمام الإمامة والنتائج المأساوية المترتبة عليها تستدعي البحث في كل نقاط الضعف مهما كانت صغيرة، ولا قداسة ولا تبرئة لأحد قدم أو تسبب بشكل مباشر أو غير مباشرة أي نقطة استفاد منها الحوثيون في مشروعهم الإمامي.
 
الدولة الجمهورية لم تسقط بعد مقاومة عنيفة بل تلاشت من داخلها ومن مؤسساتها وليست بفعل القوة العسكرية للإمامة، وعشرات المحافظات سقطت دون مقاومة عسكرية، وهو ما يعني أن الانهيار ذاتي والمسئول عنه هم القائمون على الدولة وليس أعداؤها وحدها.
 
المراجعات لا تعني الإدانة والمحاكمة، والثورة فعل شعبي موافق للدستور والقانون وجوهرها كرامة الإنسان وحريته وغايتها الدولة الديمقراطية والاحتكام للشعب، وبهذه النقطة تنجو الثورة من أي نقد لها.
 
الإدانة والمحاكمة لا تأتي إلا مقابل سلطات وصلاحيات وواجبات وتقصير، والثورة لم تستطع الوصول إلى الحكم وإن وصل بعض من القوى إلى الحكم نتيجة للثورة، وإدانة هؤلاء لا يعني بالضرورة إدانة الثورة.
 
معايير الإدانة والمراجعة ليست وفقا للأمزجة ولا بغرض فتح جبهة جديدة للصراع بعيدا عن جبهات الشعب ضد الإمامة، وإنما يمكن مراجعة كل شيء من خلال هزيمة الجمهورية، وطبقا للدستور والقانون والمعايير الأخلاقية التي رفعتها الثورة هدفا لها.
 
الثورة ليست غاية بحد ذاتها وإنما هي وسيلة مشروعة وفقا للدستور بغرض بناء الدولة، ولا يجب أن تكون الثورات مقدمة على بناء الدولة أو تتجاوزها فذلك يرتب مخاطر حقيقة على الدولة من قبل الثوار أنفسهم.
 
ثورة فبراير كانت شعبية وتولى السلطات بعد توقيع المبادرة الخليجية جزء منها أي المشترك، ولم يقدم المشترك أي جهد حقيقي في بناء الدولة بل انصرف بشكل مهووس لبناء مصالحه الخاصة، وتسبب – مع آخرين- تحت هاجس الصراعات القديمة بانهيار دولة جمهورية من يده وكان شريكا رئيسيا في هزيمة الجمهورية، وفقد ممثلوه في الوزارة البعد الأخلاقي والقانوني ولم يقدم أي أحد منهم استقالته احتجاجا على تهاوي الجمهورية بل وقبلوا العمل تحت حكم الإمامة خلال الفترة بين سبتمبر 2014 ويناير 2015م.
 
دور الاشتراكي والناصري تحول عقب المبادرة الخليجية إلى أداة تفكيك للمشترك والثورة معا، ومثل النشاط الاشتراكي في 2012و2013 وما تلاها ذروة العمل المضاد لمقومات العمل السياسي، وشهد انعقاد المجلس الوطني للاشتراكي حضورا مسلحا من المليشيات واستبعاد للأحزاب ودعوات لإقامة تحالفات مضادة للعمل السياسي الديمقراطي لصالح العمل الإمامي المسلح بدوافع انتقامية قديمة .
 
واستنادا إلى الدستور فإن الرئيس عبدربه هادي منصور هو أكثر شخص مدان بانهيار الجمهورية كونه المسئول الأول فيها ولديه الصلاحيات الكاملة والسلطات النافذة ويخوله الدستور باتخاذ كل ما يلزم لحماية الجمهورية من أعدائها ولكنه في الفترة بين 2011 وحتى 21يناير 2015م لم يقم باللازم ولم يصدر القرارات وساهم بشكل مفرط في تهاوي الجمهورية بدون أي مبرر، وبنفس الوقت لم يقدم استقالته من أجل الجمهورية، ولم يقدمها إلا حين فرض الحوثيون عليه نائبا يجرده من صلاحياته.
 
لا تقتصر المسئولية الدستورية والإدانة على هادي، فمحمد سالم باسندوة رئيس الحكومة يعتبر أحد أهم رجال السلطة التنفيذية خلال ذات الفترة، ولكنه رضي وخلفه المشترك بعدم تشكيل لجنة التفسير الحاكمة بينه وبين هادي، وسكوت باسندوة والمشترك كان مقدمة لانفراط عقد المشترك القادم للسلطة من بوابة الثورة.
 
قادة الجيش بما فيهم علي محسن الأحمر ووزير الدفاع وقادة الوحدات والمناطق من الذين فشلوا في بناء مؤسساتهم العسكرية وفقا للدستور وعملوا على إضعاف الدستور في نفوس الجيش هم أحد أهم المتسببين في انهيار الجمهورية عبر تدميرهم الطويل للمؤسسة العسكرية.
 
إلقاء اللوم وتوزيع الإدانة على الآخرين بالمسئولية في انهيار الجمهورية لن يقدم شيئا إذا كان خارج سياق العمل على استعادة الجمهورية، وإنما بوابة لصراعات جديدة، لكن المسئولية الأخلاقية أيضا تقتضي بذات الوقت هو التمسك بالحد الأدنى من القيم الأخلاقية والوطنية، ويدعو الفاشل في مهمته لأي سبب كان لأن يتنحى جانبا.
 
مسئولية صالح والهاشميين والحوثيين لا يختلف عليها اثنان فهم انطلقوا صراحة ضدها وعملوا بكل قوتهم لهدمها والانتقام منها ومن الشعب اليمني، ضمن مشروع محلي إقليمي دولي يستهدف الأمة العربية كلها، ومكة والمدينة والسعودية خصوصا.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر