في كتاب بناء الدولة للمفكر الأمريكي فرانسيس فوكاياما قال إن عجز الدول الفاشلة منشؤه عجز الإدارات فيها عن القيام بواجبها بسهولة ويسر ودرس في الكتاب حالات عن الإجراءات المتخذة في دول متقدمة عن المدة الزمنية والإجراءات البيروقراطية التي تتطلبها المشاريع الاستثمارية الكبيرة ووجد أنها  لا تتعدى أيام. في المقابل استغرقت مشاريع مشابهة شهورا وسنوات لاستخراج تراخيص عملها في الدولة الاستبدادية في أمريكا الجنوبية.
 
في اليمن نقل الرئيس هادي مقر البنك المركزي في اليمن من صنعاء إلى عدن في اغسطس 2016 ولم يتفعل نظام السويفت فيه إلا بنهاية ألفين وسبعة عشر، وأودعت السعودية فيه مبلغ ملياري دولار في يناير 2018 ووقعت اتفاقية معه لتفعليها في نهاية مارس ألفين وثمانية عشر، وبدأ البنك باستخدامها وتنفيذها بعد ذلك بأشهر. وحتى الآن لازال حساب البنك المركزي اليمني في لندن مجمدا نتيجة لمطالب غير قانونية بالنسبة لمحافظ البنك محمد زمام، وبالنسبة للبريطانيين للتأكد من شرعية قرارات إدارية.
 
وخلال الفترة بين نقل البنك وتفعيل الوديعة السعودية انهار الريال اليمني من حدود ثلاثمائة ريال يمني أمام الدولار إلى قريب من الثمانمائة ريال، وربما ما كان ليهبط بهذه السرعة لو كان البنك المركزي فعالا وسهلا من ناحية الإجراءات الإدارية. وبدأ الريال يتعافي الآن ليعلن البنك المركزي السعر العادل عند 450 ريالا.
 
في تفاصيل الأسباب التي أدت إلى تحسن سعر الريال كان السبب الرئيسي الأول هو سرعة الاستجابة من البنك المركزي لمتطلبات فتح الاعتمادات والتي لا تتعدى أياما، ومجموعة من العوامل الإدارية الأخرى أهمها سيطرة البنك على العملية النقدية وتفعيل دور البنك المركزي في عدة مجالات.
 
انخفاض سعر الدولار من ثمانمائة ريال إلى مادون الخمسمائة ريال بشكل رسمي وفي السوق السوداء إلى مادون الأربعمائة ريال يكشف حقيقة اقتصادية مهمة، أن الاقتصاد اليمني لا يزال بدائيا جدا وبسيطا، وهي في هذه الحالة نقطة مهمة إذا صدقت الإرادة في تحسين أداء الحكومة تجاه الريال الذي يشكل المعركة الثانية بعد الدولة بالنسبة للشعب اليمني.
 
من واقع التحسن السريع مؤخرا للعملة الوطنية، يمكن للحكومة أن تفتح ملف النفط والغاز على مصراعيه، وبقوة، أمام دول التحالف والعمل بكل الممكن لإقناع التحالف بالسماح باستئناف تصدير النفط والغاز بشكل كامل، لتوفير مصدر ثابت للعملة الأجنبية للبنك المركزي لتغطية الاستيراد.
 
وفعليا فقد نجحت الحكومة في استئناف تصدير النفط وإن كان يشوبه الغموض في حجم الإنتاج والأسعار ومسار الصرف والاستخدام، فإنه مقدمة على أي حال لإعادة إنتاج الغاز المورد الأكبر للدولار.
 
على أن تكون عملية استئناف الإنتاج مصحوبة بعملية شفافة وواضحة وإجراءات ميسرة وسهلة ومراقبة قوية على مسار إنفاقها، لأن الفساد هو الثقب الذي يستنزف كل الأموال ويفقر الأمم والشعوب مهما كانت ثرواتها.
 
وحال نجحت الحكومة اليمنية في تحسين إجراءاتها الإدارية المرافقة للتصدير فإن ثقة المنظمات الدولية والمانحين ستتعزز عبر البنك المركزي، ومثلت المساعدات شيئا مهما فعلا للشعب اليمني، لكنها كانت نقطة سوداء في صفحة الإدارة الحكومية حيث لم تستفد منها منها في توفير العملة الصعبة ولجأت بدلا من ذلك إلى الطبع والسحب على المكشوف، ولو كانت إجراءات الحكومة الإدارية سهلة وميسرة لمثلت المساعدات تغطية مهمة للطباعة الحكومية للأموال.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر