لم يكد الحوثيون يسقطون الجمهورية حتى بدأت الإمامة تكشف طبيعتها المتوحشة والقهرية الإجرامية بخطف واعتقال آلاف الأشخاص من خارج الجماعة، ويكفي أن تكون غير عضو في الجماعة لأن تختطفك السلالة الإمامية.
تلاشت القوى الفعالة التي يمكن لها التصدي للبطش الحوثي من أحزاب وقوى سياسية، وخضعت القوى الاجتماعية كالقبيلة وهربت المنظمات الإنسانية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان كتجارة وسوق وتقارير شحيحة.
هنا برزت أمهات المختطفين لمجابهة المخاطر التي يتعرض لها المختطفون في سجون المليشيات، ناضلن من أجل إطلاق سراح المختطفين، نظمن ومازلن الوقفات الاحتجاجية أمام المعتقلات والمسالخ بشجاعة نادرة، تعرضن لشتى صنوف الانتهاكات من قبل الحوثيين، ومع ذلك صمدن.
 
لم يقتصر نشاط رابطة أمهات المختطفين على التظاهر فقط، بل طورت من نضالاتها وكفاحها وأصدرت التقارير تلو التقارير عن أوضاح المختطفين في كل مكان، وخاصة على يد الحوثيين، صارت وثائق الرابطة مصدرا مهما للمعلومات التي تتضمنها تقارير المنظمات العالمية كهيومن رايتس ووتش.
 
وبينما كان وزير حقوق الإنسان في اليمن المعني الأول في البلد بحقوق الإنسان يغرد بابتذال على وسائل التواصل الاجتماعي عن محورية محمد بن سلمان كانت أمهات المختطفين تصدر تقرير تفصيليا عن حالات التعذيب التي تعرض لها قرابة ألف مختطف من إجمالي عشرين ألف في سجون الحوثيين.
 
الأنشطة النسائية والجندر والمنظمات النسوية اللاتي يمتهن العمل الإنساني والنسوي كمصدر للدخل والثراء والسفريات والعلاقات تلاشت أو عملت في حالات أخرى لصالح المليشيات كمنظمة مواطنة، لكن رابطة أمهات المختطفين أعادت الاعتبار لعمل المنظمات الإنسانية الحقيقية إلى الواجهة، بشكل يحفظ للعمل الحقوقي جوهر الإنساني الخالص.
 
لم تقف الرابطة متحيزة ضد الحوثيين كأكبر المنتهكين لحقوق الإنسان، بل وقفت أيضا ضد الانتهاكات التي تمارسها الإمارات في عدن وحضرموت. وثقت الرابطة الانتهاكات ونظمت الوقفات وأصدرت بيانات الاحتجاج والاعتراض ونجحن في حالات كثيرة في الإفراج عن عشرات المختطفين.
 
لا تستخدم أمهات المختطفين العمل الحقوقي والنضالي كمجال للمزايدة والابتزاز والتشهير، فهي تعمل من أجل هدف واحد فقط الإفراج عن المختطفين بأسرع وقت ولذا فالرابطة حين توثق أي حالة من حالات الانتهاك تراعي بدقة كبيرة طبيعة المخاطر التي قد تترتب على مثل هذا العمل، وتتواصل مع أهالي المختطفين تستأذنهم في نشر تلك البيانات من عدمها.
 
لم يتوقف نضال الأمهات على شكل معين، فهي تولي مسئولية كبيرة لأبناء المختطفين وعائلاتهم وأقاربهم، وتنظم لهم دورات الدعم النفسي بإمكاناتها المحدودة.
 
نجاحات الرابطة والعمل النسائي اليمني الذي صنعته الأمهات مثل نقطة ضوء للمرأة اليمنية المكافحة والمخلصة في سبيل كرامة المواطن اليمني وأعادت تعريف العمل النسائي والنضالي بشكل قيمي وإنساني يشكل علامة فارقة ومشرقة دور المرأة اليمنية في أسوأ حقبة في العصر الحديث لليمن.
 
إن النجاحات الكفاحية للرابطة كانت هي الملهم للنساء اللاتي خرجن للمطالبة بجثة صالح، في ميدان السبعين العام الماضي، وكفاح الرابطة وشجاعتها وإنجازاتها هي من جعلت الدور النسائي بارزا في جامعة صنعاء، ضد الحوثيين مطلع أكتوبر الماضي.
 
إن النجاح الذي أسسته الرابطة لم تصنع شخصيات مشهورة في وسائل الإعلام والسياسة والحقوق والمنظمات بل صنعت خطا نضاليا للمرأة اليمنية أيا كان مستواها التعليمي والاجتماعي والثقافي، وصاغت ملامح عريضة للعمل الحقوقي المخلص والمؤسسي والمؤثر، بعيدا عن شكليات المظاهر الزائفة للناشطات النسائية اللاتي وقفن ويقفن عند القضايا الإنسانية التجارية.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر