سنوات عدة مضت فعلا من عمر المشروع السعودي للنهضة الذي يقوده ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وفق رؤية 2030، وجوهره تحقيق التنوع في الموارد الاقتصادية للمملكة وعدم الاعتماد على النفط.
 
في مؤتمر دافوس الصحراء تحدث مؤسس المشروع عن المستقبل الموعود في المنطقة وسماها "أوروبا الجديدة"، وذكر عدة دول قال إنها يمكن أن تساهم في هذا المشروع.
 
غير أنه نسي المشكلة الأهم التي تهدد الأمن القومي السعودي على حد وصف الأمير ذاته، وهي المشكلة اليمنية، وكأنها غير موجودة.
 
لا يمكن لأوربا الجديدة أن تُبنى على جرف هار وغير ثابت وهش ومدمر وجائع وفيه قوى معادية وحروب مستمرة وصراعات إقليمية، وصواريخ باليستية وجماعات إرهابية. أي لا يمكن للمشروع السعودي أن يتأسس في ظل هزيمة الدولة اليمنية.

أربع سنوات فعلا مرت على التدخل العسكري للتحالف العربي الذي تقوده السعودية، على الأرض اليمنية، لكن نجاحاته متوقفة عند حدود السنة الأولى من التدخل، من ناحية تحرير الأرض من الحوثيين.
أما من ناحية إعادة بناء الدولة اليمنية فلا يوجد نجاح يذكر، بل على العكس ذلك؛ تواصل الإمارات تجنيد عشرات آلاف المليشيات المسلحة خارج سيطرة الدولة وتبث الرعب والقتل وتقوض عمل الحكومة التي لازالت في المنفى، وتُبقي على سلطات الحوثيين الموالية للخصم اللدود في إيران في وضع مريح جدا.
 
عسكريا، أطلق الحوثيون في العام 2018 صواريخ باليستية باتجاه المملكة، ومنشآتها الاقتصادية بكمية مضاعفة تساوي عدد الصواريخ التي أطلقت خلال الأعوام الثلاثة الساقة (2015-2016-2017) وخلفت أكثر من 112 قتيلا ومئات الجرحى وهددت الرياض فعلا. ولا زالت قدرات الحوثيين البحرية تتطور باستمرار وهاجمت سفن شركة آرامكو عصب الاقتصاد السعودي، وموانئ جيزان.
عسكريا أيضا ولكن من جهة أخرى بدأ الجيش اليمني رأس الحربة في مواجهة المشروع الإمامي والإيراني يعاني نقصا حادا في الغذاء والتموين بعد أن ظل طوال الفترة السابقة يعاني فقدان الأسلحة الثقيلة وانتظام الرواتب. وهنا نتساءل كيف لقوة عسكرية بلا سلاح وخائرة من الجوع أن تساعد السعودية في إزالة التهديد القومي للسعودية؟!.
 
على المستوى الاقتصادي في اليمن انهار الريال وفقد 44% من قيمته في شهر سبتمبر الفائت، وبلغت المجاعة مستويات لم تصلها أي شعوب المنطقة خلال القرن المنصرم، فكل الشعب جائع وخائر القوى ومنهك، تفتك به الأمراض والأوبئة والألغام والصراعات المستدامة نتيجة غياب الدولة اليمنية وتقييدها من قبل التحالف وحلفائه على الأرض. الانهيار الاقتصادي الشامل في اليمن يُسهل على الحوثيين تجنيد الطلبة والعاطلين الذين لم يعودوا يفرقون بين الموت جوعا أو برصاص الحرب. كما تنشأ في ظل هذه الظروف عصابات المخدرات والأسلحة، وقد شاهدنا في الإعلام في الآونة الأخيرة كشف عدد كبير من شاحنات المخدرات، ولن تكون النهضة التي يحلم بها ولي العهد جوار تجارة المخدرات، وهذه التجارة أحد أهم مصادر تمويل الحوثيين كما يقول تركي المالكي ناطق التحالف.
 
وإذا كان التهديد القومي الأخطر على السعودية جاء من انهيار الدولة اليمنية وسيطرة العصابات الإمامية المدعومة من إيران عليها، مع عصابات وأمراء حرب آخرين، فإن إزالة التهديد لن يكون سوى بدعم الدولة اليمنية عبر مؤسساتها الشرعية وطرائقها القانونية والرسمية، وغير ذلك لن يكون سوى مزيد من الصراعات وعشرات آلاف المهاجرين والمتسللين غير الشرعيين إلى السعودية من اليمنيين والأفارقة، وتجار الأسلحة والمخدرات وعصابات المافيا.، ورأينا في الآونة الأخيرة كيف اندلعت الأزمة في المهرة الآمنة منذ عقود بعد محاولة القفز على المؤسسات الشرعية والرسمية والأطر القانونية.
 
إن الشعب اليمني المنهك لا يقبل أن تكون أرضه ساحة الصراعات العربية وأبناؤه وقودها، بينما المشاريع الاستثمارية والمنح والقروض تذهب للبحرين وباكستان والأردن والمنظمات الدولية بينما نصيب اليمن الحرب والخراب والدمار. تلك معادلة جديدة بدأت في عدن ومدنا جنوبية كانت تنظر للتحالف على أنه المخلص والمنقذ، وباتت تراه كمسئول عن نكبات يتجرعها السكان في اليمن.
وأمام هذا الواقع لن يكون البنيان السعودي ثابتا ومستداما، بل هشا كهشاشة المدن اليمنية التي تدمر أمام رياح العواصف المستمرة القادمة من وراء البحار والمحيطات.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر