الجوعى الذين شبعوا ضربا


فكرية شحرة

 
المظاهرات الاحتجاجية المطالبة بالحقوق لا تشرق إلا من تعز. هذه الروح الثورية الوثابة، تلائم طبيعة المدينة المالحة؛ كل شيء فيها له إيقاع سريع مختلف؛ لهجاتها، وزي سكانها الغالب؛ وتفخيم الأنا المفرط لفظا وإعلاما..
 
في إب، وكل المناطق التي تحت سلطة الحوثي، الأمر مختلف. إنها أشبه بمدن ميتة، تضج بـ(الزومبي)، الذين يعيشون الموت بسلام!
 
مدينة إب؛ نسبة الجريمة فيها تنافس الأسعار ارتفاعا، لكنها مع ذلك مدينة السلام والسياحة..!
 
أصبح غالب الظن، أن بينها وانتفاضة الثورة، سنوات ضوئية غارقة في الظلام..! لكن مئات من شبابها الثائر، ينسلون كالمشاعل المتقدة؛ يبحثون عن وهج الحرية حيث كان.
 
هناك ثورة مكبوتة تشتعل تحت رماد الخوف؛ ولن يزيح الرماد إلا رياح الجوع التي عصفت بأحيائها الفقيرة؛ وجوه الناس المتغضنة بحسرة، وحزن خطواتهم المتعثرة؛ أصواتهم التي قاربت الصراخ لأتفه الأسباب، وأيديهم التي تمزق الأضعف بسادية، كتفريغ لضغط مكبوت...!!
 
إنها رائحة الحنق والقهر، المنتشرة في أجواء المدن اليمنية، عوضا عن روائح قدور الطعام في بيوت تجار الحروب. دعاء ثكلى تتعثر بإيتامها، ولعنات الشباب فوق الحافلات؛ كل هذا يقول إن ثورة تتخمر في الصدور وتكاد تنفجر. لكنها، لشدة القمع، لن تنفجر كثورة تغيير، بل مزيدا من السلوكيات العدوانية، وفوضى جريمة أكثر؛ مظالم بعضها فوق بعض وظلمات لا تنتهي...!
 
ثورة 11 فبراير، كانت نتائجها محبطة. لذا، صار الخوف يحكم التفكير بثورة أخرى، لا أحد يدري إين تمضي بهذا البلد الذي زادت انقساماته أكثر؟!
 
في إحدى الجولات؛ وقف رجل نحيل، ممسكا بإطار نافذة الباص، يستجدي السائق أن يقله مجانا، هامسا بصوت متحشرج، كيلا يسمعه من في الباص: "أنا مدوخ جوع، شلني على طريقك، فتح عليك بخير، ما بش معي حق ركبة. لكن السائق رفع صوته، كي يسمعه كل الزبائن المفترض مرورهم على الرصيف، قائلا: "حتى أنا مدوخ من سعر البترول، ما عاد أركب الناس ببلاش، وأعبي بترول ببلاش" !!
 
ابتعد الرجل عن النافذة، وقد علته صفرة الجوع وكآبة المهانة؛ لم يتحرك فدائي واحد داخل الباص لإقالة عثرة الرجل، إنما تعثرت نظراتهم في فراغات أحدثتها اللحظة ..! 
 
ذات الموقف الأليم يحدث، حين اصطدمت دراجة نارية بأحد الأطقم الحوثية. كان الخطاء جليا في استهتار الطقم وسرعته الجنونية. لكن أفراده أشبعوا الشاب، صاحب الدراجة، ضربا ببنادقهم وأرجلهم في شارع رئيسي. لم يتحرك، أيضا، أي فدائي حتى بالصوت فقط ..!!
 
الفتيات والشباب الذين ضربوا واختطفوا من جامعة صنعاء، كانوا بحاجة لمساندة صنعاء كلها؛ كانوا بحاجة لخروج كبير، وليس مجموعة قليلة من الفتية، تمثل عصا صغيرة يوقد بها الخوف أكثر في نفوس الناس من المليشيا المسلحة بالوحشية. 
 
ملامح الرحمة والتعاطف اختفت. الخوف على الآخر، والوجود الجمعي، والحق المسلوب؛ كلها اختفت ..! نتحول إلى غابة دون أن نشعر !!
 
الثورة لا تأتي بالكلام والاطروحات المنمقة، التي ينظّر لها أشخاص في بروج مشيدة؛ أولئك الذين يطلقون كلمات تحريضية، أو ساخرة من وضع الناس ومخاوفهم، ثم يذهبون للتنزه في الحدائق!، بل تأتي من قلب الخطر والخوف، لهذا تسمى ثورة، لا بد فيها من مجازفة وتضحية جماعية يصعب إخمادها.
 
لا بد من تكاتف ومساندة؛ لا بد من ضمير جمعي يوحد التوجه والمطالبات، ويحافظ على أخلاقيات الثورة.
 
أنه الخوف أن نطعن في الظهر، ككل مرة، حتى وإن كانت صدورنا عارية..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر