"محمد جباري".. الوزير اليمني الذي كان زميلاً لـ"صدام حسين" وصديقاً للكويت

[ جباري في لقائه مع أمير الكويت الراحل جابر الأحمد الصباح وإلى جانبه أحمد زيد الرضي سفير اليمن لدى الكويت/ بي بي سي ]

 لسنواتٍ، لم يكن مفهوماً لدى بعض القادة اليمنيين سببٌ واضحٌ لاهتمام الرئيس العراقي السابق صدام حسين عند افتتاحه لقاءاته معهم بالسؤال عن رجُلين اثنين لم يكونا من حلفائه الكثر في اليمن.
 
أحد هذين الرجلين الشيخ الراحل عبدالله بن حسين الأحمر، ووراء السؤال عنه قرب الأحمر من السعودية جارة العراق الجنوبية، وبوصفه المنافس القَبَلي والسياسي الأشد لحلفاء البعث العراقي في اليمن.
 
لكن سؤال صدام الأكثر مدعاة للاهتمام كان عن الرجل الآخر وهو محمد عبدالوهاب جباري صديقه وزميل دراسته اليمني. وهو المختلف عن كثيرين من جيل الطلاب العرب الذين تخرجوا من جامعات مصر وأصبح أغلبهم في حقبة الستينيات وما بعدها مسؤولين كبارا في بلدانهم، بمن فيهم صدام نفسه.
 
غير أن الاختلاف بين الزميلين العراقي واليمني هو الأكثر جلاءً، فكراً وسياسةً وأسلوبَ حياة. فمن أين وكيف عرف الإثنان، صدام وجباري، بعضهما؟
 
من أي الخلفيات جاء جباري؟
 
عندما تنازل جباري عن "عسيب المشيخ" أي الخنجر التقليدي لقبائل اليمن، وتخلى عن "عمامة القاضي" بعد أن كان قد أصبح "فقيهاً" اختار مغادرة مسقط رأسه ذمار إلى صنعاء ومنها إلى مصر التي أحرق فيها مراحل دراسته الإعدادية والثانوية في أقل من ستة عشر شهراً. ومن ثم التحق بكلية التجارة في جامعة القاهرة لدراسة الاقتصاد الذي أصبح جباري لاحقاً في مقدمة أهم أعمدته ومنظريه في اليمن والمنطقة.
 
هناك في القاهرة التقى جباري بالطالب العراقي الشاب، صدام، الذي كان انشغاله بالسياسة في العراق أكثر من اهتمامه بدراسته الجامعية في مصر.
 
كانت المقهى التي يرتادها صدام تعج بأصوات مرتاديها بأحاديثهم وترديدهم لأغاني أم كلثوم حد الضوضاء والصخب. لكن ذلك الضجيج سرعان ما يخفت لمجرد أن يضع صدام قدمه عند عتبة المقهى، وما أن يتخذ مكانه فيه حتى يلتف كثيرون حوله مصغين باهتمام لأحاديثه عن السياسة والقومية العربية في مواجهة الاستعمار.
 
ولكن ما أن يأتي جباري، ويأخذ مكانه بجوار صدام حتى يتحول معظم الاهتمام والأسئلة إليه، ومن بينها أسئلة صدام شديد الاصغاء لزميله الأكبر سناً.
 
مطامح صدام
 
لم أتحقق مما إذا كان الرجلان، جباري وصدام، قد أقاما في ذات السكن الجامعي في غرفتين متقاربتين، لكن التفاصيل التي رواها جباري وغيره وسمعتها من زملائهما العراقيين والكويتيين توحي بذلك. وكانت التفاصيل مهمةً وطريفةً عن حياة هذا الفتى البعثي الجامح الذي لا يعيش مجرد طالب في مصر بل يبدو طامحا متوثبا للحكم.
 
لم يأت صدام للدراسة أصلاً بل جاء مُجبراً عقب رحلة فرارٍ دراماتيكية من بغداد، قاطعاً حسب الروايات نهر دجلة وهو جريح عبوراً إلى سوريا ومنها إلى القاهرة التي وصل إليها في 21 فبراير/ شباط 1960، ذلك بعد مشاركته في محاولة فاشلة لاغتيال الزعيم العراقي الراحل عبدالكريم قاسم في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الذي سبق.
 
مما رواه جباري أن صدام وقد أخذ يُعِدَّ نفسه لزعامة بعث العراق كان يقوم بإغلاق باب حجرته، وبعد تشغيل جهاز تسجيل صغير بحوزته كان يتدرب على إلقاء الخطابات الحماسية أمام جماهير مفترضة أمامه، كما لو كان قد أصبح بالفعل زعيم الحزب ثم "الرئيس القائد" وهو ما تحقق له لاحقاً.
 
لم يتحدث جباري كثيراً عن ذلك عدا ما قاله لخاصته وأصدقائه المقربين وكنت أحدهم، خصوصاً بعد أن أصبح صدام رئيساً للعراق، في وقت تعززت فيه علاقات جباري أكثر بأصدقائه من كبار المستثمرين الكويتيين في حين زاد تحالف رئيس اليمن الراحل علي عبدالله صالح مع صدام في حربه ضد إيران.
 
ارتقى جباري بقراءاته وتأملاته بعد أعوام من تخرجه وتسنمه مناصب قيادية عليا ما جعل نظرته لمآلات الأحداث تبدو أبعد مما تخيله رفاقه في الحكم، وجلساؤه ومرتادو مقيله الشهير في صنعاء. وقد وصلت به الأمور حد السخرية مما يراه من عبث بعض الحكام بمصائر ومقدرات الشعوب، ومن بينهم "زميله" السابق صدام.
 
كيف قُدّم جباري الوزير لصدام الرئيس؟
 
زار جباري بغداد أوائل ثمانينيات القرن الماضي ومما تردد عن هذا اللقاء أن الشخص المكلف بمرافقة الوزير السباق والمفكر الاقتصادي اليمني، جباري، لمقابلة الرئيس العراقي صدام لم يكن يعرف شيئاً عن علاقة الرجلين.
 
عندما أخذ المرافق بتقديم الضيف اليمني لصدام وصفه بأنه"عقلية اقتصادية فريدة" وكان رد صدام على ذلك المرافق صادماً ومتهكماً حيث قال للمرافق :"شلون انت تعرِّفني على شخص امبريالي رجعي؟".
 
تجمد الدم في عروق ذلك المرافق المسكين خوفاً من صدام، ثم ما لبث الأخير أن أخذ يعانق ضيفه ويكمل كلامه للمرافق قائلاً:"انت تعرّفني بالاستاذ جباري ولا تعرف أنه أخي وزميلي ورفيق دراستي في الجامعة لسنوات، خلالها كنت أنا منشغلا بالعمل النقابي والسياسي وهو مهتم بالدراسة".
 
بعد ذلك كسر صدام الحاجز البروتوكولي المتبع وأبقى على مسافة متر واحد بينه وضيفه القادم من صنعاء.
 
كان من ثمرات ذلك اللقاء أن تعهد العراق ببناء عدد من المشروعات الإنمائية في اليمن أنجز منها لاحقاء مطار مدينة الحديدة الدولي على البحر الأحمر الذي جرى بناؤه بتمويل سخي من بغداد في بداية الإعداد لجعل محافظة الحديدة منطقة تجارة حرة.
 
محاولة كسب جباري
 
عرض صدام على السياسي اليمني العتيد الانضمام لحزب البعث العراقي وأن يكون مسؤولاً عن قيادة قُطر اليمن إذا أراد، فكان رد جباري بتذكير صدام بموقفه من فكر البعث. وقال له صراحة: "أعتقد أنه لا يرضيك أن أكون أحد مؤسسي حزب المؤتمر الشعبي العام المظلة الجامعة لكل التيارات السياسية في اليمن وواحداً ممن صاغوا نظريته (الميثاق الوطني) ثم انقلب عليه الآن بعد هذه الزيارة ولا احافظ على مبدئي".
 
ويؤكد أحمد الإبن الأصغر لجباري نقلاً عن والده أنه تم بعد ذلك ترشيح قاسم سلام للقيام بالمهمة، وينفي نجل جباري أنه سمع من والده "أي كلام عن مساعدات أخرى لليمن غير بعض المدارس، ما عدا بعض الهدايا كالسيارات الفارهة أو التحويلات المالية لحسابات شخصيات سياسية عامة وقبلية من بينها الرئيس علي عبدالله صالح، حليف صدام".
 
جباري والكويت
 
وعلى العكس من علاقته بصدام فقد تطورت علاقات جباري بالكويت حيث تزامل سابقاً في القاهرة مع عدد من طلابها الذين عادوا إلى بلادهم كمسؤولين بارزين ورجال مال وأعمال كبار.
 
والتقى جباري أمير الكويت الراحل (جابر الأحمد الصباح)، وتمكن عبره من اجتذاب جملة من الاستثمارات والمساعدات التنموية الكويتية لليمن من بينها كلية الطب بجامعة صنعاء التي مولت الكويت جميع كلياتها الأخرى، إضافة إلى فنادق "شيراتون" و"رماده" ومجمع "حدة" ومستشفى الكويت ومدرسة الكويت وغيرها الكثير من المشاريع النزيهة التي حظيت الكويت بسببها باحترام ملايين اليمنيين.
 
كان كثيرون من الكويتيين من مسؤولين ورجال مال وأعمال شديدي الإعجاب بعقلية جباري الاقتصادية ويثقون به بشدة، خصوصاً رجل الأعمال عبدالله الدعيج الذي عرض على جباري غير مرة مغادرة اليمن للعيش في الكويت والعمل كمستشار إقتصادي له مع ضمان منحه الجنسية له ولعائلته وتوفير كل سبل العيش الرغيد. لكن جباري فضل البقاء في اليمن لشدة تعلقه به وشعوره العميق بمسؤولياته الوطنية والأخلاقية تجاه بلده.
 
توافق صدام مع الكويت بشأن اليمن
 
وعلى ما يبدو كانت النقطة الأهم في ما استطاع جباري إنجازه في علاقته بالطرفين العراقي والكويتي هو التوصل إلى قناعة ضمنية مشتركة بين صدام والمسؤولين الكويتيين على ضرورة دعم اليمن بشطريه قبل توحيدهما وبعده في المجالات، بما يجعل منه بلداً قادراً بعمقه الحضاري ومخزونه البشري على خلق توازن استراتيجي كان مطلوباً في شبه الجزيرة العربية، من وجهة نظر بغداد والكويت، وذلك في مقابل السعودية، القوة النفطية الطموحة الصاعدة بسرعة في المنطقة والشرق الأوسط.
 
لكن الأمور ذهبت بعد ذلك في منحى آخر عند انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية وما تلى ذلك من خلافات بين الكويت وبغداد.
 
ولم يتردد جباري عند غزو صدام للكويت بانتقاده والتنديد علناً بذلك حين قال: "لقد جنى صدام على نفسه وعلى العراق وعلى العرب جميعاً بهذه الفعلة التي لا أحد يستطيع تصور عواقبها وما سينتج عنها لخمسين سنة قادمة".
 
حياة جباري وفكره
 
جباري الذي عرفه الناس قوي الحجة ولاذع العبارة، متهكماً، ومستفِزاً لمن يستفزه كان صريحاً إلى حدٍ جارحٍ أحياناً، ولم يكن يتردد في المجاهرة بآرائه في وجه الجميع أياً كانت مواقعه.
 
ومن الطرائف التي يرويها واحدة عن الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي استضافه في باريس عندما كان عمدة للمدينة. قال جباري عمدة صنعاء آنذاك: "قطقطني (أي كسّر عظامي) عمدة باريس بإنزالي في فندق أثري عمره أكثر من 300 عام وبنومي على سرير صنع قبل 250 عاما، لمجرد أنني أمين لأقدم عاصمة في التاريخ".
 
الدراسات التي كُتبت عن حياة جباري تناولت كل شيء عنه إلاَّ حياته التي عرفتُها عن قربٍ وبُعدٍ معاً في السنوات الأخيرة قبل وفاته، وأحطتُ ببعضٍ من جوانبها الإنسانية، فقد كان أحد الكبار الذين تقاطعت حياتي معهم بعمق، لأعوامٍ عدة برغم الفوارق الشاسعة في السن والمعرفة والظروف.
 
ومع أن ما فاضت به تلك الدراسات عن هذا الرجل كان معلومات غزيرة ومهمة، إلاَّ أنني لم أجد في إحداها ولو في دراسةٍ واحدة على الأقل، إحاطةً شاملة بحياة جباري الذي عرفت، فالكل كان ينظر إليه من الزاوية التي تعنيه وليس جباري بكل ما كان يمثله موقفه العام من الحياة والدين والتاريخ والسياسة.
 
ومن أبرز ما تميزت به حياته عزوفه عن الأضواء وكاميرات الإعلام وعدم توثيق مذكراته لدرجة أنني لم أجد في أرشيفه أو الاعلام اليمني شيئاً من ذلك، كما لم يوثق إعلام الرئاسة العراقية صورة واحدة له مع صدام حسين رغم كثرة ما تردد في بغداد وصنعاء لأعوام عن هذا اللقاء.
 
كان القوميون والبعثيون واليساريون والإخوان المسلمون والاقتصاديون الليبراليون، كل من جانبه يحاول استقطاب جباري واحتواءه ، لكنهم فشلوا في استمالته، بل هو من استطاع استقطاب بعضهم.
 
أصدر المركز العربي للإعلام دراسة جيدة عنه أعتقد أن وراءها صديقه رجل المال والأعمال السعودي الشهير صالح كامل وآخرين من المستثمرين الكويتيين وغيرهم. ربما كانت تلك الدراسة الاكثر شمولاً عن الرجل خلال أولى سنواته الدراسية بالجامعة، مروراً بتوليه منصب وزارة الاقتصاد وحتى انصرافه لنشاطه الاستثماري الخاص في مجال المال والأعمال، وبحالته الصحية أيضاً حتى وفاته.
 
"طلعت حرب اليماني"
 
ركزت تلك الدراسة على تأثر جباري الطالب القادم من أفقر بلدٍ، ليس بالمعنى المادي فحسب بل الأهم من أسوأ نظام لم يعرف الإدارة عبر التاريخ، بأبي الاقتصاد المصري طلعت حرب.
 
تجلَّى دور جباري المتأثر بطلعت حرب قبل وبعد ثورة سبتمبر 1962 اليمنية في تأسيس كبريات الشركات (الخطوط الجوية اليمنية) والبنوك مثل (البنك اليمني للإنشاء والتعمير) ثم نضاله من أجل إنشاء عدد من البنوك الإسلامية في اليمن والمنطقة.
 
عن تلك الفترة يقول جباري في حديث له مع أسبوعية 26 سبتمبر "ما كان في اليمن قبل الثورة لا قطاع عام ولا قطاع خاص نشط، كانت كلها تسميات ميتة. كان الخمول سائداً في القطاعين، وفي البداية عملت مع المؤسسين لشركة الطيران في اليمن، وأدخلت المحاسبة بالقيد المزدوج".
 
أخذ جباري في تعميم المحاسبة الحديثة التي نال فيها درجة امتياز في الجامعة، وذلك على أسس علمية، بعد أن درسها بهمةٍ عالية على يد أستاذ المادة الأول فيها الدكتور عبد العزيز حجازي رئيس الوزارء المصري الأسبق، الذي تطورت علاقاته بعد ذلك بتلميذه المتفوق.
 
سبتمبر 1962

لم يكن جباري يشارك ثوار سبتمبر 1962 نزعتهم الثورية رغم عدم رضاه عن حكم أئمة آل حميد الدين.
 
ويصف جباري علاقته بأولئك الثوار بقوله: "كان عندهم معرفة أنني إن لم أشارك معهم فأنا لن أخونهم، ومَشينا على كذا، وفي يوم من الأيام عدت إلى البيت ووجدت أنهم نسوا عندي صندوقاً مفتوحاً، وهم أصلا كانوا يضعون للصناديق أقفالا، فقلت أشوف ما الذي فيه، فوجدت قائمة بالمسؤولين الذين يجب أن يلقى القبض عليهم في أول يوم للثورة ليتم إعدامهم".
 
وهنا من المرجح أن جباري قد اتخذ موقفاً خاصاً جعل الثوار يستبعدونه دون أن يخطر ببالهم تخوينه.
 
لم يضع جباري إصبعه على شيء إلاّ وترك عليه لمْسَتَه. في واحدةٍ من أواخر مآثره أمر، عندما كان أميناً للعاصمة صنعاء، بطلاء جميع المباني الخرسانية والاسمنتية باللون الأبيض، والأبواب الحديدية للمحال والمتاجر باللون الأزرق بما يتواءم ولا يخدش الطابع المعماري لصنعاء القديمة. ولم يُستثن من ذلك سوى المبني الزجاجي للخطوط الجوية اليمنية بوصفه رمزاً لـ "الحداثة" التي اتشح مبناها وشعارها ببعض الخطوط باللونين الفضي والأزرق.
 
ذهب جباري المفكر الاقتصادي اليمني ولم يتكرر، وفقدت بلاده نموذجاً للعقل والدهاء والحكمة وبُعْد النظر.


المصدر: بي بي سي

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر