هل فشلت محادثات الكويت؟ (قراءة تحليلية معمقة على ضوء المستجدات الأخيرة)

 

لم تكن قد مرت أكثر من ثلاثة أيام كاملة، على رفع مباحثات الكويت، يوم الخميس الماضي (30 يونيو)، وإعلان تأجيلها إلى ما بعد عيد الفطر (15 يوليو الجاري)، حتى شهدت الساحة اليمنية تصعيدات عسكرية وسياسية، تنبئ بمستقبل غامض لمصير الحل السياسي المطلوب دوليا.

ميدانيا، شرعت ميليشيات الحوثي الانقلابية، على مايبدو، بتنفيذ خطتها التصعيدية عسكريا على الأرض في عدد من المحافظات والمناطق الساخنة. وفي الطرف المقابل، ظهرت الحكومة اليمنية الشرعية أيضا بتصريحات تصعيدية، تضمنتها – على سبيل المثال  لا الحصر – تلك التهديدات التي أطلقها الناطق الرسمي للحكومة راجح بادي، السبت الماضي (3 يوليو)، من أن الحكومة ستلجأ إلى فرض السلام بالقوة في حال فشلت مشاورات الكويت.

  تصعيدات سياسية وميدانية

 بمجرد عودة الوفد الإنقلابي من الكويت إلى العاصمة اليمنية صنعاء، يوم السبت 2 يوليو، أطلق عضو وفد ميليشيات الحوثي الانقلابية في مباحثات الكويت، حمزة الحوثي، تصريحات توقع فيها: أن "يكون هناك تصعيدًا عسكرياً خلال المرحلة القادمة وخلال أيام العيد وما بعد العيد". طبقا لتصريحات أطلقها ضمن المؤتمر الصحفي الذي عقده وفد الانقلابين لدى وصوله أرضية مطار العاصمة، عقب إعلان المبعوث الأممي رفع المشاورات حتى 15 من الشهر.

بعدها بساعات صعدت الميليشيات الانقلابية عملياتها العسكرية ميدانيا في عدة جبهات. حيث حاولت بمحافظة تعز السيطرة على جبال استراتيجية بقرى حيفان والأعبوس المطلة على الحدود الشمالية لمحافظة لحج الجنوبية، كما قصفت بشراسة مناطق وقرى بجبل صبر بالمحافظة؛ وفي محافظة الضالع عاودت قصفها المدفعي الجنوني على منازل المدنيين بقرى "مريس"؛ في وقت شهدت فيه محافظات مأرب والجوف ومديرية نهم شرق العاصمة صنعاء، عودة قوية للمواجهات.

من جهتها، صعدت الحكومة اليمنية من لهجتها إزاء الانقلابين وممارساتهم. حيث أكد رئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر على أن "تحرير البلاد والدفاع عنها من الانقلاب بدأ من عدن وستنتهي في مران بصعدة". في إشارة إلى معقل ميليشيات الحوثي الانقلابية.

وطبقا لما نقلته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)، عن اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء أمس السبت بقيادات عسكرية وأمنية وقيادات المقاومة الشعبية والسلطة المحلية بمحافظة عدن، بالتزامن مع حلول الذكرى الأولى لتحرير محافظة عدن ومحافظات أخرى في الجنوب، أكد بن دغر على "ضرورة كبح جماح الانقلاب وهزيمته حتى تطهير كل الأراضي اليمنية"

وجدد رئيس الوزراء، المتواجد حاليا بعدن، اتهام الحكومة اليمنية لإيران بزعزعة أمن واستقرار اليمن ومن ورائها المنطقة عبر حزب الله اللبناني الحليف لطهران. وإذ أكد على أن الحكومة لن تسمح "بوجود حزب الله ثان في اليمن ليهدد الأمن والاستقرار بالمنطقة"، طالب إيران بالكف "عن التدخل بشئون اليمن الداخلية، ووقف ضخ الصراعات والاحقاد الى المجتمع اليمني المسالم والمتسامح".

تساؤلات في مصير مباحثات الكويت

إن هذا التصعيد السياسي والعسكري، يقودنا إلى البحث في عدد من التكهنات، فيما يتعلق بمصير مشاورات الكويت، على شاكلة:

-  ما إذا كان ذلك يعني ضمنا أن هذه المباحثات قد أثبتت عدم جدواها، وفشلت بشكل نهائي؟

-  ما إذا كانت هذه الجولة قد بلغت لحظاتها الأخيرة، ومازالت تمضي قدما نحو الموت والفشل المحتوم؟

-  ما إذا كانت هذه التصعيدات السياسية والعسكرية، لا تعدوا عن كونها مجرد رسائل سياسية طبيعية، وكالعادة يستهدف منها كل طرف فرض المزيد من الضغوطات، في طريق العودة مجددا إلى الطاولة التي تنتظرهم بعد اسبوعين؟

على أن السؤال الأكثر أهمية هنا، يبرز على النحو التالي: ما هي فرص إمكانية العودة إلى استئناف المباحثات في الموعد المحدد، في ضوء هذه المستجدات والتصعيدات العسكرية والسياسية الساخنة والمتسارعة؟  

إن الإجابة على هذا السؤال، يقودنا أولا إلى البحث في الأهداف التي سعت الميليشيات الانقلابية لتحقيقها من قبولها المشاركة في مشاورات الكويت؟ وينطبق ذلك أيضا على أهداف الوفد الحكومي التابع للشرعية؟

حالة الانقلابين   

ثمة حقيقة، كان معظم اليمنيون وغيرهم في دول المنطقة والخارج، يدركونها سلفا، هي: أن ميليشيات الحوثي، المتحالفة مع عصابات المخلوع علي صالح، غير راغبة أو مؤهلة للبحث في أية حلول يمنية – يمنية مستدامة، على أساس من تنفيذ مقررات المجتمع الدولي..!

 وتلك بدهية لم تأت قياسا بما تزخر به هذه الميليشيات من تاريخ تفاوضي سوداوي، فحسب، بل لما تحمله من موروث مذهبي وفكري وسياسي يرتكز أساسا – وقبل كل شيء -على هدف استعادة السلطة المفقودة بالقوة ولا شيء سوى القوة. وهي فكرة سياسية مبنية بالأساس على موروث ديني مذهبي خلق عقيدة داخلية للجماعة تقوم على قاعدة "الأفضلية السلالية في الحكم"، باعتبارها الأسرة التي ورثت من النبوة الأخيرة حكم العالم.

ولقد تداخلت هذه المبادئ الخاصة واشتركت مع مبادئ وأطماع الثورة الإيرانية، لتشكل جوقة أهداف سياسية وطائفية متجانسة جعلت من هذه الميليشيات ذراعا مسلحا تابعا لدولة إيران، الدولة المجمع دوليا وإقليميا بكونها تستهدف زعزعة أمن واستقرار المنطقة العربية، ويأتي على رأس القائمة مناوئيها الأقوياء في دول الخليج العربي، وبشكل أكثر خصوصية عدوتها التاريخية: المملكة العربية السعودية.  

 حالة الشرعية

 في مقابل ذلك، هناك الطرف الأخر المتمثل بالسلطات الرئاسية والحكومية المنقلب عليها من قبل هذه الميليشيات، مطلع العام الماضي. وهي – منذ البداية وما زالت حتى اليوم - تحظى بتأييد دولي بكونها السلطة الشرعية المعترف بها دوليا في اليمن. وهي بذلك، تحمل في حقيبتها التفاوضية أوراق رابحة أقواها قرارات مجلس الأمن الدولي، وأهمها القرار الأخير رقم (2216) لسنة 2015، الذي يطالب الطرف الأنقلابي بإنهاء كافة مظاهر الانقلاب، بما في ذلك الانسحاب من المناطق التي سيطر عليها بالانقلابيون، وإعادة سلاح الدولة والسماح للسلطات والحكومة الشرعية بممارسة مهامها من العاصمة صنعاء، الواقعة حاليا تحت سيطرة ونفوذ وحكم الانقلابين.  

في أواخر مارس 2015، وبعد أيام قليلة من تدشين الميليشيات حربا توسعية للسيطرة على بقية المحافظات الشمالية والجنوبية في البلاد، تدخلت قوات عربية باسم "التحالف العربي" تقوده المملكة السعودية بهدف إعادة السلطة الشرعية في اليمن.

وبعد مرور عام ونيف من الحرب الداخلية، تلقت قوات الانقلاب ضربات كبيرة موجعة، أفضت بها إلى الاندحار من كافة المحافظات الجنوبية التي كانت سيطرت عليها في البداية، على رأسها محافظة عدن، التي كان الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد. وتحت وقع تلك الضربات وافقت ميليشيات الانقلاب على خوض حوارات سياسية لحل الأزمة، فشل منها حواران سابقان أجريا في سويسرا العام الماضي (2015).

ومع استمرار الضربات العسكرية الموجعة التي تلقتها الميليشيات الانقلابية، ومواصلة التحالف العربي تقديم الدعم العسكري والمالي واللوجستي والتأهيلي للجيش الوطني والمقاومة الشعبية، تم تحرير وتطهير المزيد من المحافظات والمناطق، أهمها محافظة مأرب، ونسبة تزيد عن 80% من الجوف شرقا، حتى وصل الجيش والمقاومة، في الأشهر الأولى من العام الجاري، تخوم العاصمة اليمنية صنعاء، وتطهير مديرية نهم المطلة على العاصمة من الشرق.

مفاوضات الكويت..كحل اضطراري لا مستدام

 بينما كان الجانب الحكومي والتحالف العربي في أوج قوتهيما وإنجازاتهما العسكرية الميدانية، وعلى أهبة الاستعداد لدخول العاصمة صنعاء، أخضع الضغط الدولي الطرفين للقبول بجولة مفاوضات جديدة أتفق على أن تكون هذه المرة في دولة الكويت.

سبق ذلك خضوع ميليشيات الحوثي للجانب السعودي من خلال انخراطها معه في حوارات ثنائية جانبية بمعزل عن بقية الأطراف الأخرى حققت للطرفين بعض الأهداف المرحلية العاجلة تتعلق بالتفاهمات الحدودية وإطلاق أسرى الجانبين. ويعتقد البعض أن قبول الحكومة الشرعية والانقلابين الانخراط في جولة الكويت جاء بناء على تلك التفاهمات الجانبية بين المملكة والانقلابين.

وفي حين حاول الجانب الحكومي اليمني تبرير هذه الموافقة على أساس الاتفاق بأن تكون هذه الجولة قائمة على المرجعيات الرئيسية الثلاث، وهي: المبادرة الخليجية مع أليتها التنفيذية؛ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني؛ وقرارات مجلس الأمن الدولي، على رأسها القرار (2216)، ساق ثنائي تحالف الانقلاب مبررات متناقضة، وصلت حد تأكيد حقيقة وجود خلافات بينية كبيرة.

حذر الكثير من المراقبين من فشل هذه الخطوة قياسا بماض الميليشيات الأسود في مثل هذه المحافل داخليا وخارجيا، إلا أن الجولة مضت تحت إلحاح الضغوطات الدولية، كما يُعتقد. حتى شهد العالم أطول فترة مفاوضات، بلغت 70 يوما قضاها المتفاوضون حول الطاولة على نفس واحد.

أهداف الانقلابين الخفية

في الواقع، ينظر كثير من المراقبين إلى أن ميليشيات الانقلابين، سعت من خلال هذه الجولة التفاوضية إلى تحقيق أحد أمرين متلازمين: إما الخروج بشرعنة الانقلاب، مالم فكالعادة: يكفي الحصول على الوقت المستقطع المناسب لاستعادة تفاصيل القوة على الأرض.

وطوال فترة المباحثات، لم توقف الميليشيات من مساعيها الميدانية الحثيثة لاستعادة بعض المناطق المفقودة منها، لاسيما في المحافظات الأكثر سخونة، مثل: تعز، مأرب، الجوف، والضالع. وغير ذلك، استغلت هذه الفترة بحسب مراقبين وشهود عيان لـ: إعادة تموضعاتها العسكرية؛ الحصول على أسلحة جديدة ونوعية عبر منافذ التهريب؛ تأمين نقل أسلحة تحت سيطرتها من مخزن إلى آخر أكثر أمنا (في ظل التزام التحالف بوقف الضربات الجوية)؛ تعزيز جبهاتها المتهالكة بالقوى البشرية والعتاد العسكري؛ استقطاب مقاتلين قبلين جدد وإخضاعهم للتدريب في معسكرات تدريبية في مناطق مختلفة بصعدة وصنعاء وعمران وذمار..

وفي الوقت ذاته، الذي كانت تتفاوض فيه بالكويت على البدء أولا بتشكيل حكومة وحدة وطنية قبل أي خطوة أخرى، كانت تقوم بعملية اجتثاث لموظفي الدولة وإحلال أعضائها ومواليها نيابة عنهم في كافة الأجهزة والمؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، لاسيما السيادية منها شمل ذلك ترقيات كثيرة لضباط وجنود لمراتب قيادية كبيرة، بعضها لأشخاص غير عسكريين وأخرين غير موظفين أصلا)؛ مع نهب واسع ومنظم للمال العام (أخرها استيلائها قبل أيام قليلة فقط على أكثر 20 مليار ريال يمني من الميزانية المخصصة لحساب صندوق التقاعد بوزارة الداخلية والمودعة بالبنك المركزي، طبقا لوكالة الأناضول)؛ والاستيلاء على أراض الدولة بقرارات ذات صبغة قانونية من قبل موظفيها المعينين سلفا خارج القانون من الذين زرعتهم طوال الفترة الماضية من الانقلاب في كافة مفاصل الدولة (أثبتت وثائق منشورة إصدارها قرارات تمليك لمساحات تجاوزت 31 مليون متر مربع في أمانة العاصمة ومحافظة صنعاء وعمران وريمة لمن تعتبرهم شهداء لها) ..الخ.

وقد اعتبر مراقبون هذه الخطوات، بمثابة خطوات استباقية احترازية لأية قرارات توافقية قد تفضي إليها مباحثات الكويت بخصوص تشكيل الحكومة التوافقية.

الانقلاب الميداني

 مع ضرورة التنويه، هنا، إلى أن كل ما سبق ذكره أعلاه، ليس سوى نماذج بسيطة جدا مما حدث على أرض الواقع، وهو أقل بكثير مما تم كشفه. على أن الواضح أن المسارين العسكري الميداني (استعادة تفاصيل القوة العسكرية ميدانيا)، والحكومي المؤسسي (إجتثاث موظفين وإحلال موالين ونهب أموال وأراض الدولة..الخ)، كانا يحدثان على أرض الواقع بشكل متواز.  

عمليا، يمكن بسهولة اكتشاف أن المباحثات السياسية في الكويت، وصلت إلى طريق شبه مسدود، مع إصرار الميليشيات على عدم التقدم خطوة واحدة نحو الحلول التنفيذية قبل بلوغها هدف "شرعنة الإنقلاب"، مقابل إصرار وفد الحكومة الشرعية على ضرورة البدء بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية. الأمر الذي جعل الميليشيات تنتقل عمليا إلى الخطة الأخرى (المسار الميداني العسكري) من خلال التصعيد الذي نشهده حاليا على الأرض من تكثيف لعملياتها الميدانية بشكل أكبر من السابق، بعد أيام قليلة جدا من إعلان رفع المباحثات إلى ما بعد أسبوعين.

إن ذلك قد يكشف أن الميليشيات بلغت شأوا كبيرا فيما يتعلق بخطتها الخاصة باستكمال تفاصيل القوة العسكرية الميدانية، بعد أن ظلت تعد لها عدتها اللازمة للتنفيذ، طوال فترة الهدنة الهشة على مدى الـ70 يوما الماضية؛ الفترة التي استنزفتها مشاورات الكويت.

ومع ذلك، يبقى أمر الحكم النهائي على نجاحها – من عدمه - في تحقيق هدف استعادة تفاصيل قوتها العسكرية على الأرض بالشكل المطلوب والمؤثر، مربوطا بما ستؤول إليه الأحداث خلال الفترة القادمة، بضمن ذلك: ما إذا كانت قوات التحالف قد وضعت في حسابها مثل هذه الأهداف الخفية، وأعدت لها الخطط اللازمة للمواجهة وإفشال مبتغاها؟ وما إذا كانت تحركاتها العسكرية الأخيرة، من تعزيز الدعم القتالي والتسلحي للجيش الوطني بمأرب، واستئناف ضرباتها الجوية بتعز، يندرج في هذا السياق أم لا؟

وفي كل الأحوال، ستكون فترة الأسبوعين القادمين (حتى موعد استئناف مباحثات الكويت في 15 يوليو الجاري)، من أكثر الفترات حساسية، في حال استمرت التصعيدات العسكرية الميدانية والسياسية على النحو المتسارع الذي بدأته منذ يومين.  

حقوق النشر محفوظة © 2016 يمن شباب نت

 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر