الحراك الشعبي الأوروبي ضد حرب غزة: 4 أشهر من تحدي الترهيب

[ مظاهرات حاشدة بإسطنبول وتونس تضامناً مع غزة - وكالات ]

قبل نحو 120 يوماً انتهجت بعض دول أوروبا خطاً أمنياً متشدداً، مبنياً على توجهات سياسية وإعلامية داعمة بالكلية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، في التصدي لأي من مظاهر التحرك في الشارع ضد حرب غزة.

فمن ألمانيا والدنمارك شمالاً إلى فرنسا وجنوب القارة الأوروبية تسابق السياسيون نحو خلق أجواء أشبه بتلك التي فُرضت في وجه روسيا بعد غزوها لأوكرانيا في 2022، لكن سرعان ما كسر حراك التضامن هذه الأجواء، مع الإصرار على التظاهر في الشوارع للتضامن مع غزة ورفضاً لسياسات الاحتلال.

ويصف الباحث والكاتب السياسي الدنماركي جون غراوسغورد، لـ"العربي الجديد"، تلك الأجواء بمحاولات "شيطنة الفلسطينيين ونزع إنسانيتهم"، في سياق منهجية "استعادة ذات الأسلوب الذي استخدم في زرع روسفوبيا (رهاب من الروس) لإسقاطه على الفلسطينيين، وكأنهم يخلقون الفوبيا (رهاب فلسطين)، وبحجة معاداة السامية". وغراوسغورد عضو أيضاً في منظمة "أوروبيون من أجل فلسطين" (مقرها الرئيسي إيطاليا)، ويعرف منذ عقود كيفية تعامل أوروبا مع القضية الفلسطينية.

من جهة ثانية، يؤكد شباب أوروبيون وفلسطينيون، ممن استطلعتهم "العربي الجديد"، بمن فيهم الناشط الدنماركي مارتن إسكلسن، أن "ما كان يجري على شاشات التلفزة، بسؤال سخيف عن إدانة حماس، بينما أطنان القنابل تسقط على رؤوس مدنيي غزة، كان يترجم معنا في الشارع يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي".

ويشير إسكلسن، مع غيره من شباب التحرك الأول في الشارع، إلى أن تسابق صحافيين من محطات تلفزيونية نحو تجمعات سكنية يقطنها مواطنون من مختلف العرقيات لطرح سؤال: لم تحتفلون؟ هل تحتفون بما قامت به "حماس"؟ (يوم7 أكتوبر)، متناسين أننا نخرج للتنديد بالحرب على غزة.

التضامن مع فلسطين مرادف لـ"دعم الإرهاب"

بمعنى آخر، فإن الأجواء التي سادت قبل 4 أشهر هي محاولة دؤوبة وممنهجة لإظهار التضامن مع فلسطين كمرادف لـ"دعم الإرهاب". وجاء ذلك وسط نبرة سياسية عالية العيار في دعم الاحتلال الإسرائيلي وسرديته.

بل إن بعض ساسة الدنمارك، وغيرها في دول الجوار مثل ألمانيا والسويد، ذهبوا إلى حد اقتراح رفع علم الاحتلال على مباني البلديات والمؤسسات العامة، كما جرى مع العلم الأوكراني.

وترافقت تلك الأجواء مع تكثيف الشرطة والأمن الدوريات في "تجمعات الضواحي"، والتي نُظر إليها على أنها امتداد وترجمة للأجواء السياسية والإعلامية "لقمع أي تحرك يظهر تضامناً أو تعاطفاً حتى مع الضحايا الذين كانوا يُقصفون بمعاونة غربية"، بحسب ما يشير من برلين الصحافي الفلسطيني-الألماني فايز عمر. وما سرى في برلين كان نسخة طبق الأصل في أغلبية دول أوروبا، وباستثناءات مثل النرويج وبلجيكا وإسبانيا.

تحركات ضد حرب غزة كسرت التابوهات

أمام ارتفاع وتيرة الجرائم والقصف العنيف على غزة، وانخراط المزيد من المتضامنين في مناقشة ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد ظهور الإعلام التقليدي مردداً للسردية الصهيونية، كسر الشباب المتضامنون محاولات عزل تحركهم في الشارع، وإخراج تظاهراتهم من حيز جغرافي بعينه (أغلبه حيث يقيم سكان من أصول مهاجرة) من أجل اختراق شوارع مدن رئيسية.

وكما في غيرها، كانت شرطة برلين "تحاصر المتظاهرين باشتراطات كثيرة، وأي هتاف لم يكن مكتوباً ومقدماً سلفاً كان يؤدي إلى حل الفعالية"، كما يشير فايز عمر. بل إن مواقف حكومة ألمانيا، بمن فيهم حزب "لينكه" اليساري، كانت في العام الماضي، وحتى قبل "طوفان الأقصى"، تمضي في التضييق على العمل الفلسطيني وعلى أنشطة "حركة المقاطعة"، حتى وصل الأمر إلى ما يشبه محاولة حظر العلم الفلسطيني بحد ذاته.

برأي كثيرين، ممن تحدثت إليهم "العربي الجديد"، شكلت مذبحة المستشفى الأهلي المعمداني في 17 أكتوبر الماضي، نقطة تحول في مختلف الفعاليات المتضامنة مع غزة وفلسطين. ولم تعد دول أوروبا قادرة أمام هول المذبحة على لجم ومحاصرة الفعاليات في الشارع. إذ شكلت ما يشبه "كسراً للتابوهات، ومنها انتقاد مواقف الحكومات الأوروبية مما يجري من جرائم"، بحسب ما يذكر غراوسغورد.

ويؤكد فايز من برلين أن "الاختراق الحقيقي حدث بالفعل بعد المذبحة، فلم تعد التوجيهات السياسية للأمن قادرة على تطبيق سياسة امتصاص الاحتقان، فخرجت الفعاليات بشكل ثابت وموسع خارج التجمعات السكنية، مثل نيوكولن في برلين، نحو وسطها وشوارعها وساحاتها الرئيسية".

في المقابل، فإن الأحزاب اليسارية الأوروبية، المعروفة تقليدياً بدعم قضية فلسطين، انجرت وراء السردية الصهيونية، واندمجت في السياسات الرسمية. وتقدم حالتا رئيسة حكومة الدنمارك ميتا فريدركسن (يسار وسط) والمستشار الألماني أولاف شولتز، نموذجاً عن إبداء الدعم التام لسياسات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

مع ذلك يبدو أن "قواعد تلك الأحزاب لم تقبل الانجرار، وخرجت تنتقد مواقف أحزابها وتصر على التنديد بالاحتلال"، كما يؤكد فايز عمر. ويضيف: "على سبيل المثال بدت المفارقة واضحة في ألمانيا، إذ إن قواعد حزب اليسار (لينكه) شاركت وتشارك بكثافة في التحركات، وتنتقد علنية سياسات حكومة الائتلاف".

ما هو لافت أيضاً أن التيار اليساري الأوروبي الرسمي دخل في وضع شبيه بما أدخلت فيه مواقف الرئيس الأميركي جو بايدن الحزب الديمقراطي، من تململ ورفض لسياسات الدعم الأعمى للحرب الإسرائيلية على غزة.

ووفقاً لنشطاء في ألمانيا فإن محاولات تصوير التظاهرات على أنها معادية للسامية كُسرت بمشاركة واضحة للشباب اليهودي، بل وطلبهم لترخيص التظاهرات، كما ذهب جوناثان غولدشتاين من التيار المعادي للصهيونية في حديثه مع "العربي الجديد".

ويؤكد بعض هؤلاء الناشطين أن "أحزاب اليسار التقليدي وجدت نفسها في حرج لدى ظهورها في نفس عربة اليمين المتطرف الأوروبي الذي كان بالأمس القريب متهماً بمعاداة السامية، وإذ به يؤيد على خلفية عنصرية وفاشية ضد المسلمين، دولة الاحتلال". ويؤكد فايز عمر أن الحرج زاد بعد مذبحة المستشفى المعمداني "وأصبحت الشرطة غير قادرة على فض التظاهرة، إذا رفع أحدهم لافتة تنتقد مواقف شولتز أو الائتلاف الحاكم".

تغلب على محاولات قمع تظاهرات فرنسا

وحتى في فرنسا، التي تبنى فيها الرئيس إيمانويل ماكرون السردية الصهيونية في 7 أكتوبر الماضي، استطاعت حركة التضامن التغلب على محاولات قمع التظاهرات وفرض غرامات مالية، بل وتوجيه تهمة "دعم الإرهاب" لها.

وتؤكد المسؤولة في "جمعية التضامن الفرنسي مع فلسطين"، مونيك إيتيان، لـ"العربي الجديد"، أنه "في البداية جرى حظر التظاهر، لكن مجلس الدولة ذهب إلى أنه لا يجوز لوزير الداخلية حظر التظاهرات بشكل عام في أنحاء البلد. ومنذ 19 أكتوبر/تشرين الأول (الماضي) أذنت المحكمة الإدارية في باريس بتنظيم أولى التظاهرات في العاصمة، وهذا حصل في مناطق فرنسية أخرى".

وفي ذات السياق، يؤكد، رئيس جمعية التضامن مع فلسطين، برتراند هايلبرون، لـ"العربي الجديد"، أنه منذ البداية "بدا واضحاً أن السلطات أرادت إسكات صوت الشارع الفرنسي في مواجهة الرعب الحاصل في فلسطين، متذرعة بأسباب أمنية".

ويعتبر المتضامنون في فرنسا أن وزير الداخلية جيرالد دارمانان، أراد تجيير التحريض على النشاط المؤيد لفلسطين، وتثبيت المواقف المنحازة لإسرائيل "وذلك ما استطاعت الجمعيات والمؤسسات تجاوزه".

وتم إسقاط محاولة ربط التظاهرات المتضامنة مع غزة بما يسمى خطر الإخلال بالنظام العام، وتصاعد الأعمال المعادية للسامية، بحسب ما تشير، لـ"العربي الجديد"، الناشطة القيادية في لجنة التضامن مع الشعب الفلسطيني، آني جيفرسون.

وتتهم جيفرسون البعض بكتابة شعارات على الجدران معادية لليهود "للتشويش ومنع تحركنا في الشارع في أكتوبر الماضي"، مشددة على أن "الأمور اتضحت في الشارع، ليس في فرنسا فقط بل في كل أوروبا، وبمشاركة يهودية واضحة في الفعاليات الرافضة لبقاء استعمار فلسطين، ونزع إنسانية الشعب الفلسطيني، كما أرادت الرواية الإسرائيلية".

بالطبع تستمر بصورة متفاوتة محاولات "التضييق" في أوروبا. فقد تعرض الكثيرون لحملات ترهيب وتكميم أفواه، ليس فقط في الحالات التي أصبحت معروفة في مؤسسات إعلامية، بل على مستوى ملاحقة موظفين أوروبيين بالأصل ومن أصول فلسطينية، في القطاعين العام والخاص، ممن عبروا عن آراء تتعارض وتوجهات الحكومات في دعم تل أبيب. كثيرون وجدوا ويجدون أنفسهم "وكأنهم يعيشون تحت أعين الرقابة، وبعضهم جرى فصله من عمله، وآخرون جرى تحذيرهم وتوبيخهم تعسفياً ويعيشون مهددين بالفصل، حيث الكثير من الحالات هي الآن أمام المحاكم"، كما يؤكد، لـ"العربي الجديد"، المحامي الألماني من أصل فلسطيني (من غزة)، أحمد عابد، الذي يتابع في برلين عشرات الحالات.

خسارة الرهان على إرهاق طول مدة حرب غزة

من الواضح أن الرهان على أن طول مدة حرب غزة سوف يُتعب الشارع المتضامن مع فلسطين "خسر، مع ازدياد ملحوظ في المشاركة الثابتة، أسبوعاً وراء أسبوع، وزيادة أعداد المشاركين عن الأيام الأولى للاحتجاجات، وارتفاع نبرة المطالبين بوقف النار ومساعدة الفلسطينيين الذين يُهجرون داخل غزة، تزامناً مع انتشار صور الضحايا والجرائم المرتكبة، إذ بالكاد هناك بيت لم تدخله القضية الفلسطينية"، على ما يؤكد غراوسغورد، المراقب لتطور حركة التضامن مع فلسطين أوروبياً.

التأثير الذي يحدثه إظهار التضامن في الشارع الأوروبي لا تستطيع الطبقات السياسية التقليدية تجاهله. ففيما كان رئيس حكومة النرويج من يسار الوسط يوناس غار ستورا يقف موقفاً متوازناً مع القضية الفلسطينية، رافضاً الدعوات لقطع تمويل السلطة الفلسطينية بعد 7 أكتوبر، كانت فريدركسن، تُظهر مواقف غير مكترثة بالضحايا الفلسطينيين، متبنية سردية الاحتلال الأولية.

هتافات الشارع الدنماركي، وخروج عشرات الآلاف في سابقة لم يشهدها البلد بشأن فلسطين، أجبرت فريدركسن على تعديل خطابها الإعلامي، عن الضحايا من الأطفال الفلسطينيين. وذلك ينسحب أيضاً على مواقف أخرى حول القارة الأوروبية، التي تعيش أصلاً خلافاً بين دولها حيال سياساتها بشأن قضية فلسطين، إذ تبدو بعض الدول أعلى نبرة في انتقاد الاحتلال من غيرها، كما برزت الحالة البلجيكية والأيرلندية، على سبيل المثال.

ومع أن حكومة المحافظين في بريطانيا، برئاسة ريشي سوناك، دفعت باتجاه تبني قانون يمنع على المؤسسات العامة مقاطعة دولة الاحتلال الإسرائيلي، (10 يناير/كانون الثاني الماضي) إلا أن نتيجة التصويت في مجلس العموم البريطاني أظهرت أن 235 صوتوا ضد المشروع، بمن فيهم بعض المحافظين، ومُرر بأغلبية 282، ما يعني أن "مكافحة المقاطعة" لا تستطيع تجاهل التطورات الجارية في الشارع، خصوصاً أن بريطانيا شهدت وتشهد أكبر التظاهرات الداعمة لفلسطين والمنددة بإسرائيل وجرائمها.

لا يتوقع معظم النشطاء، الذين تحدثوا إلى "العربي الجديد"، أن تتراجع أو تضعف حركة التضامن "حتى لو استمرت حرب غزة 120 يوماً آخر"، كما يشير فايز عمر.

فهؤلاء، مثل غراوسغورد وإسكلسن، يرون أن القضية الفلسطينية عادت إلى الواجهة بقوة، بعد سنوات من محاولة تهميشها. ويعتقد كثيرون أنه حتى وإن توقفت حرب غزة فإن "مهمة الحركة المتضامنة مع فلسطين ستتصاعد لمواجهة نشوء دولة الأبرتهايد، ومن أجل فرض مقاطعة وعقوبات على دولة الاحتلال في حال استمرت بتجاهل وقف الاستعمار وترك الفلسطينيين يقررون مصيرهم بأنفسهم"، كما ختم غراوسغورد.

العربي الجديد


 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر