عزمي بشارة: "طوفان الأقصى" عصف بمشاريع سياسية وأثبت أن قضية فلسطين غير قابلة للتجاهل أو التهميش

قدم المدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" الدكتور عزمي بشارة، مساء الثلاثاء، قراءة مستفيضة حول الخلفيات والمجريات التي تتعلق بحرب الإبادة المعلنة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، وذلك في محاضرة أقيمت بالمركز العربي تحت عنوان "الحرب على غزة: السياسة والأخلاق والقانون الدولي".
 
وقال المفكر العربي إنه بما هي لحظة تاريخية فارقة سجلت يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وعصفت بمشاريع سياسية على حساب فلسطين، وكشفت عواراً أخلاقياً وتغطية متعمدة لحق بيّن، فإن العملية التي حملت اسم "طوفان الأقصى" أثبتت في سياق رد الفعل الإسرائيلي ورد فعل الشعوب العربية على ما تقترفه إسرائيل أن قضية فلسطين غير قابلة للتجاهل أو التهميش.
 
ورأى أن هذا يفسر جزءاً كبيراً من الغضب في أميركا وتوافقها مع إسرائيل على ضرب حركة حماس، إلى درجة لا تعود بعدها تشكّل قوة مسلحة جدية قادرة على إفساد الترتيبات الإقليمية، ولا تعود قادرة على حكم قطاع غزة وإدارته.
 
فشل التهميش
 
ويرى بشارة أن استنتاج الرئيس الأميركي جو بايدن لدى اندلاع الحرب بفشل تهميش قضية فلسطين، لم يتمثل في ضرورة حل قضية فلسطين حلاً عادلاً، وإنما في ضرورة القضاء على حماس، وكل ما يحول دون هذ التهميش.
 
وأوضح أن "الولايات المتحدة الأميركية لم تكتف بتكرار الرواية الإسرائيلية بحذافيرها، بل أيضاً بالمشاركة في الاستنتاجات بضرورة التخلص من حماس رغم معرفتها بأن ذلك يعني تدمير قطاع غزة، وقتل أعداد يصعب حصرها من المدنيين، وأن التواطؤ في حرب شاملة ليس فقط في جرائم إبادة، بل تنفيذ خطط تهجير قديمة".
 
هجوم صاعق
 
وقبل طرحه ثلاثة مسارات سياسية وأخلاقية وقانونية دولية، قدم بشارة توصيفاً مفتاحياً جاء فيه أن هجوم "كتائب القسام"، الذراع العسكرية لحماس، على معسكرات الجيش الإسرائيلي وبعض مستوطنات ما يسمى "غلاف غزة" كان صاعقاً لإسرائيل والأطراف الإقليمية والدولية التي راهنت على انحلال القضية الفلسطينية بدلاً من حلها، عبر تحقيق اتفاقيات سلام عربية إسرائيلية منفصلة.
 
هذه الأجواء، وفق وصفه، قادت إلى "نوع من الاسترخاء في إسرائيل إلى درجة رفض التفاوض حتى مع السلطة الفلسطينية، والتحلل من مسار أوسلو، والاكتفاء بتحسين الظروف الاقتصادية في الضفة الغربية بإتاحة المجال لأعداد أكبر من الفلسطينيين للعمل في إسرائيل".
 
ويضيف بشارة "كما عُبّر عن هذا الاسترخاء، ليس فقط بعدم الجاهزية الاستخبارية، وإنما بترخيص تنظيم احتفالات على حدود ما يمكن اعتباره سجناً كبيراً يعيش داخله أكثر من مليوني فلسطيني".
 
وإذ لم يكن الهجوم وليد لحظته، بل نتاج تخطيط وتدريب استمر نحو عامين، أشار بشارة إلى "ظروف فلسطينية تحت الاحتلال تواصل فيها خلال العامين ذاتهما توسيع الاستيطان، حتى أن عام 2022 صنف من أسوأ السنوات على صعيد الاستيطان"، علاوة على "ازدياد وتيرة اقتحامات المسجد الأقصى، ما يبين أن إسرائيل لم تستفد من معركة سيف القدس في مايو/أيار 2021 رغم التحذيرات المتكررة التي أطلقتها الحركة بخصوص الأقصى".
 
مفردات الاتفاقيات الإبراهيمية
 
هذه العوامل تتزامن، كما يبين المفكر العربي، مع ما تواتر خلال العامين من احتمالات توسيع التطبيع العربي مع التشديد على عدم أهمية قضية فلسطين للحكومات العربية والاكتفاء بذكر تحسين شروط حياة الفلسطينيين وفق مفردات الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020.
 
وأشار بشارة إلى أن العالم شهد "كمية هائلة من الأكاذيب والدعاية المكثفة بهدف جعل الحرب على الفلسطينيين كما لو أنها حرب مقدسة".
 
وأوضح أن إقحام الهولوكوست وتشبيه حماس المغرض بتنظيم "داعش" الإرهابي، وكل ما يبرر حرباً شعواء بدون قيود، بلغ حده أن دخل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وبيني غانتس (انضم إلى حكومة نتنياهو بعد إعلان الحرب على غزة)، ووزير الأمن يوآف غالانت، الحرب في مشهد كاريكاتيري باقتباسات من خطاب رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل، الذي أعلن فيه الحرب على ألمانيا وكأنهم يواجهون دولة عظمى.
 
وتابع "هذا هو المحور الذي يضم أميركا وإسرائيل ودولاً غربية هرعت جميعها لمساندة الحرب بحجج عديدة عنوانها حق الدفاع عن النفس الممنوح هنا لإسرائيل ووصم حماس بالإرهاب".
 
الدول العربية
 
وفي سياق قراءته لمواقف الدول العربية، قال بشارة إنها "تنقسم إلى دول مشاركة وأخرى غير مشاركة في هذا المحور"، مستدركاً بالقول إن "هذه الأخيرة أيضاً غير قادرة على مواجهته واتخاذ خطوات عملية بشأن قضية فلسطين، وبعضها تعامل مع قضية فلسطين أداتياً أفقدها مصداقيتها في هذا المجال تحديداً، ومنها دول منشغلة في صراعات داخلية ارتكبت فيها الأنظمة جرائم تقلل من مصداقيتها عند تناول جرائم الاحتلال الإسرائيلي".
 
أما الدول المطبّعة فقد قال إنها "تشاركت الغضب مع إسرائيل والولايات المتحدة في البداية، وربما أمِلت أن تقضي الحرب على حماس، متحملة ضرورة تغيير الخطاب السياسي مؤقتاً إلى خطاب تضامني مع قطاع غزة بالتلازم مع نقد حماس، ومواصلة مقاطعتها إلى حين أن تنهي إسرائيل هذه العملية".
 
لكن في هذه الأثناء، يوضح المفكر العربي، أنه "حصلت أمور كثيرة عمّقت المأزق لا سيما استمرار المقاومة بتكبيد إسرائيل الخسائر وانكشاف الكثير من أكاذيب الاحتلال للرأي العام العربي والعالمي حتى بأثر رجعي، أي بمراجعة الكيفية التي صوّرت فيها أحداث يوم السابع من أكتوبر".
 
تسويات أمنية
 
ولفت إلى أن الخطاب قد يتطور من ضرورة حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً إلى ضرورة إيجاد تسويات أمنية سياسية لقطاع غزة على حدة، سواء بالصيغة الإسرائيلية التي تتضمن وجود قوة منفصلة تسيطر على قطاع غزة تحت إشراف إسرائيلي، أو ربما إسرائيلي دولي بمشاركة دول عربية تنتظر القضاء على حماس.
 
وبين أن ذلك يعني "استمرار وجود كيانين غير سياديين في الضفة وغزة، ولكن من دون حماس، ما يمنع نشوء دولة فلسطينية في المستقبل"، الأمر الذي قال إن من الضروري إفشاله، وإن ذلك مرهون بصمود المقاومة ورصانة خطابها السياسي، واستمرار الضغط لوقف هذه الحرب وتجاوب أوساط واسعة من الرأي العام العربي والعالمي مع ضرورة حل قضية فلسطين حلاً عادلاً.
 
الداخل الإسرائيلي
 
وعرض المفكر العربي في محاضرته المشهد الإسرائيلي الداخلي، الذي قال إنه "عبر عن نفسه بتلاحم قبلي بحثاً عن العزاء الأمني وتبديد الخوف سعياً لاستعادة التوازن وهيبة الردع عبر تنفيذ الانتقام الثأري من الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية".
 
ومن ذلك داخل المجتمع الإسرائيلي، لاحظ بشارة أن التعامل مع المواطنين يصدر عن رؤيتهم كأعداء أو أعداء محتملين، عليهم الصمت والتزام الحذر، عازياً ذلك إلى أن "مواطنة العرب في إسرائيل لا تقوم في نظر الأغلبية اليهودية على أساس ديمقراطي، بل على أساس تسامح المتفوق. فالمواطنة من الدرجة الثانية صالحة فقط في أزمنة التسامح مع الآخر، ولكنها غير صالحة حين يشعر المجتمع بالتهديد ويرجع فوراً إلى تكوينه القبلي الذي صار يعتقل الفرد على مجرد تغريدة".
 
وقال بشارة إن هذا التكوين الثأري والقبلي انكشفت فيه الدولة، حتى أن هوس إسرائيل بقصف المستشفيات والمدارس ينبغي أن يدخل الحقول البحثية بوصفه مصطلحا يمكن تسميته بـ"متلازمة قصف المستشفيات والمدارس".
 
أخلاق المفكرين
 
وفي المسار الأخلاقي، أبدى المفكر العربي استغرابه من إصرار جملة من المفكرين الغربيين على ترديد كليشيهات إعلامية ثبت تهافتها، واصطفافهم الذي لا يعكس أياً من القيم الكونية التي لطالما سال الحبر في كتبها.
 
وقال إن هؤلاء المفكرين سقطوا في الامتحان الأخلاقي حين برروا حرباً شاملة تشنها دولة محتلة على الشعب الخاضع لسلطتها، ولم يضعوا حدوداً واضحة لما يمكن أن تقوم به دولة الاحتلال ضد المدنيين العزل "حتى لو افترضوا أن الشعب رهينة بيد حركة إرهابية وليس رهينة الاحتلال والحصار كما أعتقد أنا".
 
وأشار إلى نموذجين من هؤلاء تناول تلك العريضة التي وقّع عليها عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس مع زملاء آخرين في بلاده التي تمنع رفع العلم الفلسطيني في الوقت الذي لا تمنعه إسرائيل ذاتها.
 
وقال إن هابرماس لم يلتزم الصمت، بل قرر المشاركة في بيان معيب، حتى أنه لا يرى مما ترتكبه إسرائيل سوى احتمال وقوع ردود فعل لاسامية في ألمانيا أو غيرها.
 
وأضاف أن تطوّع هابرماس للإعلان عن موقفه كان من باب النفاق الأخلاقي، حين أصر على رفض إطلاق وصف إبادة جماعية على القصف الممنهج والشامل الذي تعرضت له الحياة الفلسطينية في قطاع غزة، بما في ذلك الأبراج السكنية ومخيمات اللاجئين والمدارس والمستشفيات، والمسبوقة بالدعوات إلى تهجير السكان، والتعبيرات الفاضحة للنيات الثأرية الانتقامية المعبّر عنها في تصريحات قادة إسرائيليين.
 
إزاحة وهمية
 
يرى بشارة أن ما يجري في نموذج المفكر الألماني وغيره عملية إزاحة إلى حلبة أخرى وهمية، هي حلبة الصراع مع اللاسامية، وهذا أيضاً هو حال السياسيين والمثقفين والإعلاميين الذين تظاهروا في فرنسا وبريطانيا ضد اللاسامية في الوقت الذي ترتكب فيه إسرائيل المجازر في غزة، و"الحقيقة أنهم لا يتظاهرون ضد أي شيء محدد، بل احتجاجاً على من يتكلم بشأن ما يجري في غزة".
 
وذهب إلى نموذج آخر، إذ انضمت إلى النقاش أستاذة الفلسفة الأميركية شيلا بن حبيب المعروفة بوصفها مفكرة نسوية تقدمية، فقد كانت في أطروحتها الطويلة تحدد خصمها الرئيسي حماس، مع أنها ضد الاحتلال وتصنف غزة معسكر اعتقال كبيرا، ولكن حماس كما تراها بأيديولوجيتها الداعية إلى القضاء على إسرائيل تتحمل المسؤولية عن الحصار.
 
وقالت بن حبيب "ارتكبت حماس جرائم حرب يوم 7 أكتوبر" مكررة كل ما يردده الإعلام الإسرائيلي، ولكنها أضافت أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب، ثم تشدد على أن حماس لا يجوز أن تخرج منتصرة من هذه الحرب، لأن ذلك يحول دون صعود قيادات فلسطينية معتدلة.
 
ورداً على هذا، قال بشارة إن الكفاح المسلح يمنح شرعية لمن يمارسه ضد الاحتلال، ومن لا يريد منحه هذه الشرعية فعليه الدفع بالتخلص من الاحتلال قبل كل شيء.
 
كما ناقش رفضها اعتبار إسرائيل دولة استعمار استيطاني، بذريعة أن القومية الإسرائيلية والفلسطينية معاً هما صور مرآوية بعضهما عن بعض، وقال إن الصهيونية لا يمكن فهم مشروعها في فلسطين ووسائلها وبنيتها إلا بوصفه استعماراً استيطانياً.
 
ووصف بن حبيب بأنها تبدو بطرحها منتمية إلى اليسار الصهيوني المحتشد كله خلف الحرب، وقال بهذا الخصوص "الموضوع عندها كما هذا اليسار بالضبط يتمثل في حركتين قوميتين تتصارعان على الأرض نفسها، ولذلك تستسهل إدانة (الوزيرين الإسرائيليين المتطرفين) بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، ولكنهما في الواقع ليسا من يقود الحرب، بل المعتدلون من الجنرالات العلمانيين الذين يحترمون نسبياً حقوق المرأة في الجيش وحقوق المثليين وهم متنورون في نظرها".
 
الإبادة الجماعية
 
خصص بشارة الثلث الأخير من محاضرته لمصطلح "الإبادة الجماعية" بالغ الأهمية والذي يفترض بهابرماس ورفاقه أن اطلعوا عليه، مشدداً غير مرة على أن من المعيب الصمت على المجزرة للبحث في التكييف الاصطلاحي.
 
وأوضح بهذا الخصوص أن "مصطلح الإبادة الجماعية جاء بعد وقوعها، والمهم إلى جانب ذلك أنه لم ينحت بناء على كارثة الهولوكوست، بل بناء على تصرف قوات الاحتلال الألمانية في الدول الأوروبية عموماً، بما في ذلك وصف جرائم أقل من المحرقة النازية ليهود أوروبا".
 
يتحدث هنا بالطبع عن المصطلح الذي صاغه المحامي البولندي رفائيل ليمكين (1900- 1959)، في كتاب أصدره عام 1944، وجاء فيه "بشكل عام، جريمة الإبادة الجماعية لا تعني بالضرورة التدمير الفوري والمباشر لأمة، وإنما القصد من هذا المصطلح الدلالة على خطة منسقة من أفعال مختلفة تهدف إلى تدمير الأسس الجوهرية لحياة الجماعات القومية، بهدف إبادة الجماعات نفسها".
 
ومما ورد فيه أيضاً "قد تكون غايات مثل هذه الخطة حلّ المؤسسات السياسية والثقافية واللغوية، والمشاعر القومية، والدين، والوجود الاقتصادي للجماعات القومية، وتدمير الأمن الشخصي، والحرية، والصحة، والكرامة، وحتى حياة الأفراد الذين ينتمون إلى هذه الجماعات. الإبادة الجماعية موجهة ضد الجماعة القومية بصفتها وحدة، والأعمال المقصودة موجهة ضد أفراد ليس بصفتهم الفردية لكن بصفتهم أعضاء في هذه الجماعة".
 
ومضى بشارة يقول إن هذا الكاتب ساهم في صياغة قرار الأمم المتحدة بموجب القانون الذي يعرف الإبادة الجماعية في عام 1946 بعد صدور الكتاب بعامين، ومر أيضاً على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والذي منه مادة تصف بالحرف جريمة الإبادة بأن "ينوي مرتكب الجريمة إهلاك تلك الجماعة القومية أو الإثنية أو العرقية أو الدينية كلياً أو جزئياً بصفتها تلك".
 
وختم بالقول إن "القتل غير المرتبط بالعدد، بل لمجرد وقوعه بهدف مسبق ومحدد للقتل والتشريد فهذا هو ما يسمى فوراً الإبادة، وإن الموقف الأخلاقي هو الذي يحدد المصطلح لا العكس، وإن قصف مستشفيات حتى لو كان فيها أعضاء من حماس والصمت على الوقاحة الإسرائيلية سابقة خطيرة جداً، كما أن الحديث بشأن حق الدفاع عن النفس الذي تستولي عليه إسرائيل، بينما قد يصل عدد الشهداء في غزة إلى عشرين ألفاً، لا يكون سوى انحطاط أخلاقي لتبرير قتلهم".
 
المصدر: العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر