مع نشر دبابات وجنود بمحيطها.. هل يمكن أن يشنّ الاحتلال الإسرائيلي عملاً برياً في قطاع غزة؟ 

حاول الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، ران كوخاف، الليلة الماضية، تكريس انطباع بأنه يمكن إسرائيل أن توسع عملياتها في قطاع غزة ضد حركة "الجهاد الإسلامي" عبر نشر فيديوهات وصور توثق انتشار دبابات على مقربة من غزة وإعلان استدعاء بعض قوات الاحتياط، وبثّ صور أعداد كبيرة من الجنود وهم يتوجهون إلى منطقة "غلاف غزة". 
 

وتدل كل المؤشرات على أن نشر الصور والفيديوهات يأتي في إطار الحرب النفسية التي يمارسها جيش الاحتلال ضد الفصائل الفلسطينية، ولا سيما حركة حماس، وردعها عن الانضمام إلى جولة القتال الحالية، حتى يتسنى تقصير أمدها وإنهاؤها في أقرب وقت ممكن.
 

فبعد 14 عاماً على حربها الأولى على غزة، التي شنتها أواخر 2008، تبين أن إسرائيل تتجنب بشكل كبير خيار العمل البري بسبب تطور قدرات المقاومة الفلسطينية بشكل جعل العمل البري مغامرة محفوفة بكثير من المخاطر. 
 

في حرب 2008، توغل جيش الاحتلال في عمق قطاع غزة واقتحم أحياء مدينة غزة الجنوبية والشرقية، وتوغلت دباباته في أحياء: الشجاعية، تل الهوا، الزيتون، وكاد أن يصل إلى مركز المدينة. وعند اندلاع هذه الحرب، لم تكن المقاومة الفلسطينية تحوز القدرات الدفاعية والهجومية التي كان يمكن أن تهدد القوات المتوغلة، وتحديداً شبكة الأنفاق الهجومية والدفاعية، فضلاً عن تواضع ترسانتها الصاروخية في تلك الفترة. 
 

وبرز دور تطور القدرات الدافعية للمقاومة الفلسطينية في ردع الاحتلال عن تبني خيار العمل البري في غزة خلال حروب: 2012 و2014 و2021، والعشرات من جولات التصعيد الذي تفجرت بين هذه الأعوام. 
 

ولعل حرب 2014، تُعَدّ مثالاً كلاسيكياً يشي بتعمد إسرائيل تجنب العمل البري في غزة، على الرغم من أن هذه الحرب استمرت لأكثر من 50 يوماً، وتُعَدّ ثاني أطول حرب إسرائيلية عربية بعد حرب 48. 
 

ورغم أن إسرائيل جندت في 2014 الآلاف من قوات الاحتياط، واعتمدت بشكل خاص على ألوية الصفوة في سلاح المشاة: جفعاتي، جولاني، المظليين والناحل، ورغم استعانتها بسلاح جوها المتطور، إلا أن جيشها لم يتمكن طوال هذه الحرب من التوغل في عمق القطاع أكثر من مسافة كيلومترين فقط. 
 

وكما قال القائد السابق لسلاح الجو الإسرائيلي، إيتان إلياهو، فإن المقاومة الفلسطينية من خلال استخدامها شبكة الأنفاق الدفاعية والهجومية، قلصت إلى حد كبير من تأثير سلاحي الجو والمدرعات في جيش الاحتلال، وفاقمت المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها القوات المتوغلة. 
 

لكن قدرات المقاومة الدفاعية ليست السبب الوحيد الذي يحول دون توجه جيش الاحتلال لشن عمل بري واسع في قطاع غزة، بل إن التحول الذي طرأ على منظومة القيم المجتمعية في إسرائيل يؤدي أيضاً دوراً مهماً في تقليص حماس المستوى السياسي في تل أبيب لإصدار الأوامر بشن عمليات برية في غزة أو لبنان، فدوائر صنع القرار في تل أبيب تنطلق من افتراض مفاده أن المجتمع الإسرائيلي غير مستعد لتقديم تضحيات كبيرة على صعيد الخسائر البشرية في صفوف الجنود، التي يمكن أن تنجم عن العمليات البرية. 
 

وتجزم الباحثة الإسرائيلية في "المركز اليروشلمي للاستراتيجية والأمن فنينا شوكر" بأن حساسية المجتمع الإسرائيلي لسقوط القتلى في صفوف الجيش كانت أهم العوامل التي أثرت بتوجهات دوائر صنع القرار السياسي في كل ما يتعلق بالعمليات الحربية. 
 

ودللت شوكر، في بحث نشره المركز في فبراير/شباط الماضي، على أنه منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، كان الخوف من انهيار قدرة المجتمع على الصمود أحد الاعتبارات الرئيسة التي أثرت بتوجهات المستوى السياسي من العمل العسكري، وتحديداً العمليات البرية التي تقترن بمستوى خطورة عالية على حياة الجنود. 
 

في الوقت ذاته، إن شنّ عمل بري يمكن أن يجبر حركة حماس على المشاركة بقوة في الرد على العدوان الإسرائيلي، وهو ما يحاول جيش الاحتلال تجنبه، لأن هذا السيناريو سيطيل أمد المواجهة من جانب، ويجعلها أكثر شراسة من جانب آخر. 
 

ونظراً لإدراك إسرائيل أن القضاء على قدرات المقاومة العسكرية والتنظيمية يتطلب توغلاً في عمق القطاع، فإنها تتجنب هذا الخيار بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر جمة، وإن كانت تحاول تكريس انطباع مغاير. 

 

(العربي الجديد) 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر