"هدّر ثروات اليمن"..

كيف عملت معارك مأرب على تضيع فرص الاستفادة من قفزات أسعار "الغاز" عالمياً؟

تتواصل المعارك العسكرية في مأرب المحافظة اليمنية الغنية بالنفط والغاز، مخلفةً تبعات كارثية على كل المستويات الاقتصادية، مع تسبب هذه المعارك، التي يدور جزء منها في مناطق خطوط أنابيب نقل النفط والغاز من مواقع الإنتاج في صافر، شرقي مأرب، إلى موانئ التصدير في شبوة وغيرها من الموانئ اليمنية المخصصة لتصدير هذه المنتجات، في توقف الإنتاج.
 
وأعادت التطورات المتسارعة لسوق الغاز الطبيعي المسال في العالم فتح ملف الاستفادة من ثروات الغاز مجدّدا في اليمن، مع ارتفاع الدعوات والمطالبات بضرورة استغلال هذه الفرصة في ظروف البلاد الراهنة، وما تشهده من انهيار كبير في مختلف القطاعات وتعطيل محركات الاقتصاد وموارده، والعمل على استئناف تصدير الغاز المسال وخطوط تشغيل الحقول اليمنية المنتجة للغاز الطبيعي المسال، وفق ما نقلت صحيفة "العربي الجديد".
 
مطالبات ودعوات لا يتفق معها الخبير في المركز الوطني للدراسات والأبحاث النفطية وجيه الصلاحي، الذي يرسم صورة قاتمة ويقدم رأيا يخالف الكثيرين في أن قطاع النفط والغاز في اليمن مدمر تماماً بفعل الحرب التي تركزت بشكل كبير في مناطق الإنتاج وخطوط النقل وموانئ التصدير، إذ يتطلب إصلاحها وإعادتها إلى العمل مليارات الدولارات، في الوقت الذي تضع كل الأطراف المتصارعة عيونها عليها.
 
ويشرح الصلاحي في حديثه لـ"العربي الجديد" أن اليمن وقع على عقود طويلة الأمد مع الشركات العالمية، خصوصا الفرنسية والكورية التي تدير قطاع الغاز الطبيعي المسال وعمليات الإنتاج والتصدير، وهذه الشركات غادرت البلاد بداية الحرب في العام 2015، وعودتها إلى العمل ستكون مشروطة بمعالجة ما لحقها من أضرار وخسائر بسبب هذا التوقف، وممكن أن تطالب بتعويضات قد تكون على حساب حصة الحكومة اليمنية من عائدات التصدير.
 


3 مليار برميل إحتياطي

وغادرت شركات النفط والغاز الأجنبية اليمن، وتوقف إنتاج وتصدير النفط الخام والغاز الطبيعي المسال كلياً منذ إبريل/ نيسان 2015، تزامناً مع انخفاض أسعار النفط العالمية بصورة حادة، وتوقف تكرير النفط في مصفاة عدن وحدثت أزمة خانقة في المشتقات النفطية، ما انعكس سلبياً على المؤشرات والموازين الاقتصادية الكلية وساهم بطريقة مباشر وغير مباشرة في تدهور الحياة المعيشية لملايين اليمنيين.
 
ويمتلك اليمن احتياطيا من النفط الخام يقدر بنحو 3 مليارات برميل، إضافة إلى احتياطي أولي من الغاز قدره 18.215 مليار قدم مكعبة، حتى عام 2014. ولعب القطاع النفطي (نفط وغاز) أهمية عالية في النشاط الاقتصادي وتمويل التنمية في اليمن، حيث ساهم قبل تعطله بـ24.1% من الناتج المحلي الإجمالي، و83.3% من إجمالي الصادرات السلعية، و45.3% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للدولة.
 
وفي المقابل، يرى المحلل الاقتصادي علي الحوشبي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن من مصلحة جميع الأطراف المتحاربة، وفي طليعتهم الحوثيون الذين يستمرون في هجومهم العسكري على مأرب للسيطرة على حقول النفط والغاز، تحييد هذا القطاع وإعادته للعمل واستغلال المتغيرات في سوق الغاز المسال العالمي، للاستفادة من العائدات ومواجهة الالتزامات الهائلة لإنقاذ الاقتصاد الوطني.
 
ويشير إلى أن العقود الخاصة بقطاع النفط والغاز، في وضع اليمن الراهن، لا أهمية لها في ظل تسارع الانهيار الاقتصادي وتفاقم الأزمة الإنسانية وانتشار الجوع وهذا التدمير العبثي الذي يطاول كل مقدرات البلاد. ويؤكد أن عائدات النفط والغاز أهم مصادر تدفق العملة الصعبة التي تغذي الاحتياطيات الخارجية من النقد الأجنبي، وتمويل واردات السلع الغذائية وغير الغذائية، وتدعم استقرار سعر الصرف في ظل التهاوي المتواصل للعملة المحلية.
 


الغاز في اليمن

وبدأ اليمن إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال عام 2009، ويبلغ إجمالي الطاقة الإنتاجية للمشروع 6.7 ملايين طن متري سنوياً. وساهمت عائدات صادرات الغاز فقط بحوالي 6.9% و5.1% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة عامي 2014 و2015 على التوالي، قبل أن تتوقف عملية التصدير. وانخفضت كمية صادرات الغاز الطبيعي المسال بحوالي 80.3% مقارنة بما كانت عليه عام 2014 بسبب مغادرة الشركات المنتجة البلاد، وبالتالي، توقف إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال منذ 3 إبريل/ نيسان 2015.
 
وتشير البيانات الفعلية إلى انخفاض صادرات الغاز إلى 1.31 مليون طن متري في السنوات الأولى من الحرب، بينما كان من المخطط له تصدير 6.7 ملايين طن متري. وبالأخذ في الاعتبار أسعار الغاز العالمية، تقدر تكلفة الفرصة الضائعة في قيمة صادرات الغاز الطبيعي المسال بحوالي 1.6 مليار دولار كل عام منذ 2015.
 
ويعدّ اليمن منتجا صغيرا للنفط الخام والغاز الطبيعي المسال مقارنة بدول أخرى في المنطقة، مع ذلك، فقد كان لقطاع النفط الدور الرئيسي في تمويل موازنة الدولة ودفع التنمية وتوفير العملة الصعبة اللازمة لتغطية واردات السلع الغذائية والرأسمالية خلال العقود الماضية.
 
وتسببت الحرب في وقف التصدير وتفجير أزمات اقتصادية ومعيشية، تجلت خصوصاً بأزمة خانقة في الوقود تفاوتت حدتها بين المناطق والقطاعات، فمثلا، كانت مأرب أقل المحافظات تأثرا بأزمة الوقود، وانخفضت مبيعات الشركة الوطنية للنفط "صافر" لمحطات الكهرباء وشركات الطيران ومصانع الإسمنت بنحو 77%، و80.8%، و81.8 % على التوالي.
 
وفي سبيل تحسين حصة اليمن من عائدات صادرات الغاز، كانت الحكومة قد قامت بإعادة التفاوض على العقود مع الشركات المساهمة في مشروع الغاز الطبيعي المسال، ما ساهم في زيادة حصة الحكومة في آخر عام قبل اشتعال الحرب الدائرة في اليمن.
 
ويشدد المسؤول السابق في شركة نفطية يمنية مروان القادري، لـ"العربي الجديد"، على أن هناك فرصة لاستئناف تصدير الغاز الطبيعي المسال، إذ لن تجد الحكومة اليمنية أفضل من هذا التوقيت لاستعادة حصة اليمن في السوق الدولية للغاز المسال مع ارتفاع الأسعار، لأنه في حال تم استئناف تصدير الغاز خلال الفترة الماضية قبل قفزات الأسعار عالمياً، كان اليمن سيتكبد خسائر فادحة حتى في ظل الوضعية الحالية التي تعيشها البلاد، إذ كان من المتوقع انخفاض نصيب الحكومة من صادرات الغاز عما كانت عليه، بسبب انخفاض الأسعار العالمية، بأكثر من 60% قبل أن تعاود الارتفاع مؤخراً.
 
ويحتاج اليمن أكثر من أي وقت مضى لإعادة تحريك مياه اقتصاده الراكدة والمعطلة، في ظل تفاقم خطير للأزمات المعيشية والإنسانية الكارثية التي تجتاح اليمنيين.
 
وهو وضع دفع أكثر من مسؤول أممي للتحذير طوال الأسبوع الماضي مما يجري في مأرب من معارك متواصلة مع استمرار الصراع الدائر في البلاد على مختلف المستويات، وما ينتج عن ذلك من تبعات مؤثرة على سكان البلاد.
 

المصدر: العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر