ذكرى منغصة


محمود ياسين

بودي فقط لو أصادف الضابط الذي حقق معي لأفهم منه لماذا كان يصر على أن الهدف السري الحقيقي لمسيرة الماء هو تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، مع إنني كنت أحاول مساعدته في إيجاد الهدف السري، حتى إنني اقترحت فكرة سرية معقولة وهي وضع سلاح في صهاريج الوايتات بدل الماء ، وليس داخل الماء ذلك إن بعض الأسلحة قد يفسدها الماء وتذحل في الطريق ناهيك عن أن العبوات قد تتحول إلى ما يشبه خلطة جص.
 
لكنه بقي يردد صارخا: يا محمود لا تتذاكى عليا، ما هي الأهداف الحقيقية لمسيرة الماء؟ قلت: هل تفكر مثلا في إننا كنا نهدف لزعزعة الجبهة الداخلية ضد تعز؟ لم ترقه إجاباتي ولا مقترحاتي وراح يصر على انتزاع السر الأمني الذي أحسست بخطورته لحظتها أكثر من إحساس ضابط الاستخبارات، دون أن اعرف ما هو هذا السر وانتابني حس عارم بالفضول وأردت أن اعرف فمنحني تلك الإجابة التي أخبرتكم عنها أول الموضوع وهو أن الهدف كان تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني.
 
أنا لم أحب الموفمبيك أثناء الإعداد لافتتاحه اذ بدا لي هكذا مبالغا فيه لونيا وهو يكتسح الفراغ بوجوده القرمزي المستفز، ناهيك عن تلك العلاقة الفاترة بقاعة الحوار أيامها وحدوث سوء فهم متكرر بيني وبين بعض المتحاورين في المؤتمر لأسباب لا علاقة لها بالحوار الوطني ولكنها غالبا من تلك الأسباب التي تضعني في مواجهة مع أصدقائي بسبب الصراع على موارد اللغة والتفسيرات العاطفية لمعنى الوفاء مثلا مضافا إليها ولعنا جميعا بالغيبة والنميمة ضد بعضنا دون أن أتمكن من تحديد موقف قاطع من مؤتمر موفمبيك أيامها، ابتسمت فقط لهبة سخية حظيت بها على طاولة في الموفمبيك بينما كان الوقت يغادر قلقي العتيد وأنا أحدق في ساعة سوداء ترقص في غفلة من الزمن.
 
فيما عدى ذلك لا يمكنني ترتيب مصيري أثناء التحقيق على مؤتمر لا علاقة له بالماء إلا أن اعتمدنا مبدأ هادي وهو يتحدث عن استمرار أقاليم الوحدة الوطنية وذلك بسبب ان الماء سيجف في الشمال عام 2032.
الأمر الذي صرح به هادي لاحقا وليتني فكرت بطريقته لحظتها لأقدم للمحقق تفسيرا جيوسياسيا او طبوغرافيا لتدفق الماء ليس بين الأقاليم ولكن بين ضفتي إقليم واحد.
 
لكن هذه الفكرة لم تكن قد تخلقت في ذهن احد غير ذلك المحقق الذي كانت نبرته تفصح عن ثقة عميقة في خطورتها وفي ما يتمتع به من إستراتيجية نشأت على اعتناقه أسلوبا حديثا في التحقيق وهو مزج الأسئلة بالأسرار بالتعذيب الجيوساسي.

أدركت انه كان بصدد خيار استراتيجي مستميت في الوصول إليه ، وأمامه كل الوقت المتاح للحصول عليه مني انا الذي بين يديه معصوب العينين وبلا استراتيجيات من أي نوع.

فقلت: أعد السؤال، صاح مجددا: ما هي الأهداف الحقيقية لمسيرة الماء؟ قلت: تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وفكرت لحظتها في قبو الموفمبيك حيث ترقد أسرار المؤتمر الذي أتمنى الآن لو أنخرط في مسيرة لعودته ومسيرة أخرى لتنفيذ مخرجاته ولكن بدون محقق خطير.

إذ لا طاقة لي بمحادثة بحوار آخر مع محقق يبحث عن أسرار خطيرة، ويجسد فكرة تداخل الأحداث وتوحد المأساة بالملهاة في طريق نبوءة تتحقق على نحو بالغ الغرابة.

قد يغمغم أحدكم: رويت لنا عن مسيرة الماء كثيرا، اعرف لكنها أكثر ما لدي جدارة بأن يروى ، مثلما هو حال رفاقي الذين لا ادري ما إن كانوا جميعهم أو بعضهم قد واجهوا ذلك السؤال وما إن كان لدى أي منهم الآن رغبة ما في حوار أخير.

كان الموضوع مرحا في البداية ولقد كتبت بهدف المرح لا الحوار ولا استدعاء البطولات ولا حتى البحث في الأسرار، لكن ربما ليس من الحكمة البحث عن ابتسامة وحلاوة روح ولا حتى مهمة وطنية لاحقة في ذكرى منغصة مع محقق يجسد عمليا إستراتيجية الانهيار الذي ارتجله الخطيرون.

 
*من صفحة الكاتب على فيسبوك "العنوان اجتهاد المحرر"

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر