يجري، الآن، وعلى قدم وساق، استكمال تشكيل بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام باليمن، بناء على نتائج المفاوضات، التي جمعت، الأسبوع الفائت، في العاصمة السويدية، ممثلي الحكومة الشرعية، وممثلي جماعة الحوثيين الانقلابية؛ حيث ستقوم هذه القوات بمجموعة من الوظائف في إطار طبيعة عملها، وما اتفق عليه في المفاوضات.
 
من المعلوم، أن من مهمات هذه القوات: حماية المدنيين، ودعم سيادة القانون، ومنع نشوب المواجهات المسلحة، وتعزيز حقوق الإنسان، فضلاً عن تمكين المرأة في مجتمع الصراع؛ عن طريق مجندات محترفات يشاركن في ذلك. ويؤطر هذا كله، عدم اللجوء إلى العنف، إلا إذا تعرض أي فرد أو مجموعة من هذه القوات لأي اعتداء، فإنه من منطلق الدفاع عن النفس، يحق اللجوء إلى القوة، وذلك ما يلحظ على الخسائر البشرية التي تتعرض لها سنوياً في مختلف دول انتشارها.
 
وصول هذه القوات بات وشيكاً، لا سيما بعد أن حددت الحكومة الشرعية وجماعة الحوثيين أسماء ممثليها في لجان إعادة انتشار قواتهما. وستكشف الأيام القليلة القادمة غموض ما اتفق عليه في العاصمة ستوكهولم، مثلما أنها ستضع الجميع؛ أطراف الحرب وقوات حفظ السلام، تحت المحك. ومن ذلك ما يحيط بهذه القوات من آمال، وما يتوقع منها من نتائج إيجابية، والمخاوف من سلبيات وجودها، التي يمكن أن تكون خطيرة ومزمنة.
 

آمال عريضة وتحديات متعددة
 
المؤمل من هذه القوات، تحقيق مستوً عالٍ من السلام الآمن، والرقابة الصارمة على موانئ الحديدة، لمنع تدفق الأسلحة إلى الحوثيين، وضمان انتظام تدفق إمدادات الغذاء، والإيرادات المالية، التي يمكن أن تحد من أزمة انقطاع المرتبات. لكن ذلك سيواجه تحديات كبيرة، بعضها متعلق بأطراف الحرب والتحالف، والبعض الآخر متعلق بطبيعة عملها، وما تعانيه من مشكلات تكوينية وإدارية.
 
لا تزال نوايا طرفي الحرب غير واضحة إزاء الخطوات العملية التي ينبغي أن تقود إلى مرحلة أخرى من المفاوضات، بما يحقق السلام الكامل والشامل، رغم تشكيل كل منهما لجان إعادة انتشار قواته؛ حيث لا تزال المواجهات المسلحة قائمة، والتحشيد وبناء التحصينات مستمران وبوتيرة عالية، والتراشق الإعلامي في أعلى مستوياته، وهنالك من يشير إلى قيام الحوثيين بإعادة ترتيب هياكل منظومات الدفاع، والشرطة، والإدارة المدنية بمحافظة الحديدة، في خطوة استباقية لمرحلة ما بعد إعادة انتشار القوات.
تجربة الحوثيين في هذه المرحلة قد تكون اجترارا لتجربة "حزب الله" اللبناني، الذي أدار عددا من الحروب، وتمكن من بناء ترسانة من الصواريخ والأسلحة الأخرى، رغم انتشار قوات حفظ السلام في لبنان منذ عام 1978، وتوسيع عملها في الجنوب اللبناني. ومن المتوقع، كذلك، أن يُسمع عن تواطؤ بعض عناصر حفظ السلام مع الحوثيين، وفي كلا الحالتين؛ فإن الكشف عن ذلك مرتبط بمدى نشاط الجهاز الاستخباري في حكومة الشرعية وقيادة التحالف.
 
قد يغيب عن البعض أن أيً من طرفي الحرب، لن يمكنا قوات حفظ السلام من التحرك بسلاسة في إطار مناطق عملها؛ أو داخل مركز محافظة الحديدة والضواحي المحيطة. إذ عادة ما يسعى البلد المُضيف لهذه القوات، إلى الحد من تحرك المراقبين خارج مناطق تمركزهم. حيث يلزمهم بالحصول على إذن كتابي صادر عن جهة رسمية معترف بها، مثل: جهاز الأمن القومي، أو دائرة الاستخبارات العسكرية، رغم وجود خطة شهرية متفق عليها، مع ما يرافق الحصول على هذا الإذن من إجراءات طويلة ومعقدة. ولعل مبعث ذلك، الشعور بأن هذه المهمة تستهدفه، قبل أن يكون دورها حفظ الأمن وإحلال السلام.
 
 بطبيعة الحال، فإن مثل هذه العوائق ستحد من نشاط المراقبين، لا سيما أنهم سيواجهون سلطتين مختلفتين، وربما سلطات متعددة، وستكون مبررات كل طرف جاهزة، ومن أبرزها عدم استقرار الوضع الأمني في المناطق المراد الانتقال إليها، وأن هذا المنع يهدف إلى ضمان سلامة هؤلاء المراقبين. وقد يجري، كذلك، افتعال مواجهات نارية، لخلق مثل هذه الظروف، أو لتمرير أجندات معينة.
 
من زاوية أخرى، تعاني قوات حفظ السلام من مشكلات ذاتية متأصلة، تحد من كفاءة وفاعلية نشاطها، وقف عليها هذا التقرير، من خلال سماع بعض ممن شاركوا في مهماتها في السودان والمغرب. ويبرز ذلك في التعقيدات التي ترافق أداء هذه الأنشطة؛ حيث يقوم بالعمل الإداري مدنيون لا تتمتع العلاقة بينهم وبين العسكريين العاملين بالميدان، بالقدر الكافي من الانسجام اللازم لمواجهة صعاب ومتطلبات العمل الميداني. إلى جانب الإجراءات الروتينية المعقدة أثناء المطالبات بالتعويض عن الوسائل المستهلكة أو التالفة، رغم وفرتها. ومن ذلك مثلا: الوقود، ومعدات النقل، وأدوات الاتصال، وقطع الغيار...
 
في بعض الأحيان، يُقصّر أفراد حفظ السلام في أداء واجباتهم في الاطلاع على أحوال وأوضاع المجتمعات. وهو أمر مرتبط برؤية قيادتهم، ومدى تفاعلها مع التقارير المرفوعة. ويزداد هذا الأمر سوءً، عندما يغلب على أفراد القوة النهم المادي؛ حيث تغري الأجور المرتفعة في مهمات حفظ السلام، الكثير من الانتهازيين للانضمام إليها، ومحاولة التمديد لأكثر من فترة، ليس لشيء، سوى كسب المزيد من الأموال.
 
إيجابيات محدودة وسلبيات أكثر
 
منذ الوهلة الأولى لانتشار قوات حفظ السلام في الحديدة، سيتملك المواطن البسيط الشعور بالارتياح، لا سيما حين تصل إليه حصصه من الإغاثات والمساعدات الإنسانية وغيرها. لكنه، مع مرور الوقت، سيتغير شعوره إلى الأسوأ؛ لأن الجانب الإنساني يتضاءل بطول فترة المهمة. ومن الطبيعي أن يزداد هذا الشعور إحباطا، عندما لا تجد الشكاوى من تردي الأوضاع، آذاناً صاغية من قبل المعنيين بتلقي تقارير تقييم الأوضاع، التي يرفعها المراقبون، وذلك بسبب العلاقة غير المنسجمة، التي سبق الإشارة إليها.
 
من سلبيات وجود هذه القوات؛ أن قيادة وإدارة خدمات المهمات في معسكراتها، في البناء، والخدمات المختلفة، تُستثمر من قبل شركات أجنبية. ولن يجد المواطنون الساكنون بجوارها، أو بالقرب منها، سبيلاً إلى الخدمات المتوفرة، إلا من خلال دفع رسوم اشتراك كبيرة. فينعكس ذلك سلباً على نفسية هؤلاء المواطنين، الذين قد يبادلون هذا التعامل بالنقمة، وتزايد الشعور بأن وجود هذه القوات شكل من أشكال الاحتلال والاستغلال، بعيدا عن الهدف النبيل من وجودها.
 
مسألة أخرى تتعلق بسلوكيات العنف، التي قد يمارسها بعض أفراد حفظ السلام تجاه السكان المحليين، وتزداد خطورة ذلك في العنف – (وأحيانا الاستغلال)- الجنسي، (...)، على نحو ما حدث في دول كثيرة. إلا أن طبيعة المجتمع اليمني، بوصفه مجتمعاً مسلماً، وقبليا، صارماً في عاداته وتقاليده، قد لا يتيح لمثل هذه التصرفات الحدوث بشكل واسع. لكن، لا يمكن استبعاد ألا تسلم هذه المهمة من مثل هذه الممارسات، والتي قد تكلف أفرادها حياتهم، أو تعرضهم للاختطاف، كردود أفعال متوقعة، وسبق أن رصدت مثل ذلك في مهمات كثيرة.
 
إلى ذلك، قد تبرز تداعيات بيئية، وصحية، وسلوكية؛ بسبب وجود مثل هذه القوات في مجتمع الحديدة؛ حيث قد ينشأ عن المخلفات البشرية، ومخلفات المعدات، تلوثاً شديداً ومزمناً في البيئة، يمكن أن تتسبب في نشر الأمراض، والإضرار الموارد الطبيعية لعدة عقود قادمة.
 
فعلى سبيل المثال: نقلت قوات حفظ السلام النيبالية في هاييتي، خلال عامي 2010 و2011، عدوى الكوليرا إلى السكان المحليين، وراح ضحية ذلك الآلاف منهم. وقد أثارت الواقعة ضجة كبيرة حول الفساد، الذي يكتنف قوات حفظ السلام، والأخطار، التي تحدثها مقابل وجودها من أجل السلام.
 
يتبقى الإشارة، هنا، إلى أن كل الأطراف تتحمل ما قد يحدث، وأن مسئولية الحد من ذلك، جماعية، وتقع على عاتق الجميع.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر