لا يزال المشهد الذي صممه الحوثيون للنهاية المأساوية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح؛ مؤثراً في إعادة توجيه مسار العلاقات والتوازنات في بيئة سياسية تعصف بها حرب غامضة الأهداف حتى هذه اللحظة.
 
يقع المؤتمر الشعبي العام المنهار في قلب المواجهة السياسية المحتدمة بين أكثر الأطراف تأثيراً في الساحة اليمنية. وتكمن خطورة هذه المواجهة في أنها تُعيق التقدم في المسار التقليدي للمواجهة السياسية والعسكرية، والتي تعتمد سياسياً على المرجعيات الثلاث للحل، وتأخذ بعين الاعتبار الشراكة الوطنية الواسعة، وتتقيد عسكرياً بالدور الأساسي للجيش الوطني.
 
تقترح المواجهة التي تقودها أبو ظبي؛ مساراً جديداً للحسم السياسي والعسكري في البلاد، أداته الأساسية قوات لا تشرف عليها السلطة الشرعية، وغايته النهائية إعادة إنتاج سلطة صالح المنهارة.
 
لذا، هناك محاولات لا تتوقف لإعادة إحياء حزب الرئيس السابق الذي سقط سياسياً في اللحظة التي سقط فيها زعيمه ومؤسسه صالح، بعد أن خلف وراءه تجربةً سياسيةً مثقلةً بالفشل وبالنتائج الكارثية؛ كان المؤتمر الشعبي العام جزءا منها، والجزء الأكثر إنهاكاً وتمزقاً، بعد عقود من الاستحواذ على هذا الحزب من جانب صالح وتحويله إلى مجرد عصا سلطوية يتكئ عليها، وهو يمضي قدماً في مشروعه الشخصي لترسيخ السلطة وتأبيدها في عائلته.
 
سارع الحوثيون نحو إعادة توظيف المؤتمر؛ رغبة منهم في الإبقاء على الواجهة الشكلية للتحالف السياسي المنهار، بعد أن أنتج سلطة أمر واقع في صنعاء يسيرها الحوثيون بعقلية مليشياوية طائفية واضحة.
 
فقد استطاع الحوثيون أن يُخضعوا عدداً لا بأس به من القيادات الأساسية للمؤتمر الشعبي العام، التي تشكل ما يمكن تسميته جناح صنعاء، كأحد الأجنحة الثلاثة التي تدعي قيادة الحزب والسيطرة عليه، والتي توافقت على قيادة جماعية برئاسة نائب رئيس الحزب، صادق أمين ابوراس.
 
في المقابل، تبذل الإمارات ما بوسعها لامتطاء الحصان العاثر للمؤتمر، من خلال إعادة تصميم الواجهة القيادية لهذا الحزب، والاستعانة بقيادات عُرفت بقربها اللصيق بصالح، ومثّل بعضها، طيلة الفترة الماضية، نقاط اتصال حيوية مع أبو ظبي، على الرغم من أن معظمها نأى بنفسه وغادر البلاد منذ أن سيطر الحوثيون على صنعاء بإسناد من صالح.
 
ومؤخراً، نشر ناشطون صورة تذكارية التقطت في أبو ظبي لأبرز هذه القيادات، على نحو يرسخ اليقين بأن الإمارات ربما تجاوزت ترتيبات الرياض الأخيرة، والتي كانت قد أعطت انطباعاً بأن القوتين الأساسيتين في التحالف العربي قررتاً إنهاء موقفهما السلبي من الشركاء الأساسيين في ميدان المعركة، وفي المقدمة منهم التجمع اليمني للإصلاح.
 
ثمة مساران تمضي فيهما أبو ظبي لإعادة إحياء المؤتمر وتنصيبه شريكاً سياسياً مستقبلياً لها في مرحلة ما بعد الحرب. المسار الأول يتعلق بتنصيب القيادة السياسية للحزب، والآخر يتعلق ببناء الذراع العسكري لهذا الحزب، وهي المهمة التي يقوم بها قائد الحراسة الرئاسية السابق، العميد طارق محمد عبد الله صالح.
 
لا يوجد طريق ممهد أمام المهمة الإماراتية للاستحواذ على المؤتمر الشعبي العام. فجناح صنعاء يرتكز على نقاط قوة أساسية، منها أن هذا الجناح يزال يمسك اسمياً بأهم مؤسسة دستورية في البلاد، وهي مجلس النواب، بالإضافة إلى إمكانية تعزيز نفوذ هذا الجناح على فروع الحزب في المحافظات التي يترسخ فيها نفوذ الحوثيين؛ لأسباب تتعلق بالطبيعة الجهوية والمذهبية لهذه المحافظات التي يسودها المذهب الزيدي.
 
الصعوبة الأخرى تأتي من الجناح الثالث للمؤتمر الشعبي العام، الذي يمكن وصفه بجناح الدولة، بالنظر إلى أن معظم قيادات هذا الجناح تشغل المناصب الرفيعة الأهم في السلطة الشرعية، وهي الرئاسة ورئاسة الحكومة وبعض الوزارات السيادية.
 
ليس هناك من طريق أمام أبو ظبي للتغلب على هذا الجناح إلا من خلال استقطاب أهم القيادات المتواجدة فيه وحملها على القبول بالأجندة المفروضة من أبو ظبي، أو من خلال الإطاحة بهذه القيادات.
 
إنها مهمة بدأت بالفعل، ولن تتوقف إذا لم تجد رادعاً من الرياض؛ التي يبدو أنها تفرط كعادتها بالفرص والإمكانيات المتاحة لديها، وتنساق دون رؤية واضحة خلف أبو ظبي المستمرة في دفع الرياض إلى المغامرة في الاستثمارات المكلفة من الناحية السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، ليس في اليمن فقط، بل في مصر وليبيا والعراق وسوريا أيضاً.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحملة المنسقة التي يشنها الإعلام الممول من أبو ظبي ضد الحكومة، والاستهداف المباشر للوزراء المنتمين للمحافظات الشمالية، والذي بلغ حد إنذار هؤلاء الوزراء من قبل فصائل حراكية بضرورة مغادرة العاصمة المؤقتة، عدن. والأغرب من ذلك، أن بياناً منسوباً للقاعدة أعاد تكرار التهديد نفسه لهؤلاء الوزراء.
 
 واللافت أكثر أن بيان القاعدة تجاهل تماماً التحركات الاستعراضية للعميد طارق محمد عبد الله صالح، والمعسكرات التي فتحت له في عدن لإعادة تجميع القوات الموالية للرئيس السابق، على نحو يثير أسئلة بشأن ما إذا كان العميد طارق قد أعاد فتح القنوات القديمة مع التنظيمات الإرهابية؛ التي ارتبطت طيلة الفترة الماضية بالأجهزة الأمنية للرئيس السابق.
 
*عربي21

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر