(كبش فداء)


فكرية شحرة

 

مشواره طويل, و الجو ينذر بمطر عاصف لذا استقل الباص مع الفارين من البلل القادم


وكعادة النساء في إب يعشقن المقعد الثنائي في الوسط ربما لأن النساء لا يخرجن إلا مترافقات كاثنتين أغلب الحال, لهذا احتل المقعد الأخير المسمى "بالديوان" ربما كونه الأكبر أو الأخير، لا يدري سر التسمية


لم يعد لديه رغبة حتى في رؤية كيفية دخول النساء إلى الباص أو خروجهن منحنيات الظهر حين تظهر تفاصيلهن و هن يتعثرن في "البالطوهات" الطويلة, لا لم يعد هناك شيء يستثير شهية اهتمامه مؤخرا


كل شيء أمامه يذكره بالغنم واللحم, والعيد الذي لا يعرف العيد


و كأن السائق تنبأ بما يجول في ذهنه فمر بالباص بجوار "مرباع" للماعز يقع على رصيف خط الدائري بين الفنادق و المطاعم الفخمة, الشراكة بين الإنسان والحيوان في هذا الوطن عجيبة, يتشاركان في المكان و الحياة حتى أنه يمكن أن يحل أحدهما مكان الآخر, كانت رائحة "المرباع" مدوية في المكان كقنبلة أنفية مزلزلة وتساءل في ضيق لماذا لا تكون رائحة اللحم حين يطبخ بهذه البشاعة كي لا يطالبه الأولاد بأضحية للعيد


صاحب الباص الذي يرتجع المجاري من فمه على شكل سباب لكل شيء يمر به جعله يفكر أن بعض البشر يصلحون أضاحي أيضا, لم يسلم من بذاءته الشجر والحجر وحتى المطر ناهيك عن آرائه في الوضع العام للبلاد والذي بسببها حصل الرئيس عبدربه على حظ وافر من تدفق المجاري من فم السائق


حاول أن ينشغل بالنظر للفتاتين اللتين أمامه مباشرة, لم تكونا سوى رفيقتا مقعد على الباص فقد انحازت احداهن لتعبث بلوحة هاتفها باهتمام فيما الأخرى تتلصص عليها بنفس القدر من الاهتمام


كان وضعهما يبدو مسليا .. و فجأة انفجرت المتلصصة بغضب وهي تقول من بين أسنانها .. من تقصدين بال.... يا حقيرة ؟
فردت الأخرى : مالك يا أختي ؟ سلامات مالك ؟
ابتلعت المتلصصة لسانها مع الإهانة الباذخة وسكتت


لم يتمالك نفسه من الضحك المكبوت والذي احرج المرأتين أكثر فلاذتا بالصمت, كانت الفتاة المنهمكة على هاتفها قد ضاقت ذرعا بتلصص الأخرى فكتبت عبارة تقول: (بجواري واحدة .... تنظر في الرسائل ) والمتلصصة ابتلعت الطعم وصرخت بعبارتها المتشنجة قبل أن تبتلعها مكرهة أمام البراءة الساخرة للفتاة


هو يتذكر أنه قرأ نكتة شبيهة بهذا الموقف ذات مرة, كثيرة هي النكات التي نقرأها ونضحك ثم نصادفها في حياتنا إنما حقائق مبكية


عاد يحدق في النافذة لعلمه يلمح حلاً يظل يفر من ذهنه كلما لاحقه بالتفكير


المطر يهطل بغزارة والزحام ينافسه كثافة, نظر لأرضية الشارع التي سرعان ما فاضت هادرة بالسيل, نسي أمر المرأتين التين صمتتا تماما, وعاد يتطلع للشارع المتحرك ببطء الزحام

 
طالعته سلسلة بشرية متراكمة في نظام فوضوي كان نصفها الأسفل يشرب من السيل ونصفها الأعلى يستقي من المطر, منظر معتاد أيام الأعياد والأزمات فكل هؤلاء الناس المبتلين مطرا وعرقا وتعبا يقفون لساعات أمام صرافة العامري ينتظرون حوالاتهم المرسلة من حرارة و قيض صحراء المملكة


لأول مرة حمد الله أنه ليس من أصحاب الحوالات فحتى هي تحتاج لجهد مذل كي يستلمها صاحبها

 
كأن الطريق يطول كحيرته و كراهيته للأعياد, منذ أصبح أبا صار يحب الأعياد الوطنية على كثرتها وفراغها من معانيها لكنها لا تكلف مالا بل مزيدا من النوم فقط


سيصل في النهاية حيث يعمل ولن تصل حيرته لحل ..
تنهد مجددا و عاد يحدق في النافذة يبحث بعينيه عن شيء آخر يشغل ذهنه المرهق من التفكير وكأن الحل سيأتي من خلالها


من أين سيأتي بثمن كبش العيد هذا وكيلو اللحم زاد ثمنه عن ثلاثة آلاف ريال و ممزقة أيضا ً..
إنه بحاجة لمعجزة كبش فداء تنقذه من ذبح ألسنة أطفاله و تساؤلاتهم البريئة عن كبش العيد وكسوة العيد

 
ليته ينفع كبش فداء بدلاً من كبش العيد ..
انتزعته من همومه أصوات علت حتى ارتج لها الشارع بأكمله, إنها مشاجرة معتادة فرضها وجود اللصوص في ثياب الأمن؛ توقف الباص بفعل ازدحام الناس للتفرجة بل أن السائق نزل كي يشارك في الصياح كمتنفس لبذاءته المحتدمة.


المطر أيضاً توقف كأنما شعر بالإهانة من بشر لا يحترمون عطاء السماء فتعاركوا على شح الأرض.


ازداد الشجار ضراوة, واشتبكت الأيدي لفريقين لا يمكن تمييزهم, حتى علا صوت الرصاص أخيراً فوق كل صوت.


في البداية شعر أن أحدهم صفعة بقوة على مؤخرة عنقه.. أو رماه بحجر.


لكنه وبصره يشخص نحو السماء مع سيل الدماء التي انفجرت من عنقه أدرك أنه يموت برصاصة طائشة, رصاصة الرحمة أو الغدر التي اخترقت نافذة الباص والتي تمنى أن يأتي من خلالها الحل.


تلك الرصاصة ربما اختارته كي يرتاح من هموم العيد وكل هموم الحياة.


لقد كان كبش فداء مثالي لحماقة المتشاجرين .. لقسوة الحياة ..و ?طفاله الذين أكلوا لحما كثيرا طوال أيام العزاء الخاصة به و التي اقيمت على نفقة القتلة ..

 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر