أقلية كيري اليمنية


ميساء شجاع الدين

تصريحات وزير خارجية امريكا جون كيري الأخيرة في المؤتمر الاعلامي لمبادرته والتي وصف فيها الحوثيين بالأقلية اثارت زوبعة في اوساط اليمنيين، وطرحت تساؤلات عديدة حول طبيعة تعريف الأقلية وما المغزي من هذا التوصيف لجماعة مسلحة لا يمكن اعتبارها مهمشة ولا يمكن افتراض إن الصراع الحالي سببه مطالبة الحوثي بحقوقه كأقلية مهضومة.

 

 

تصريحات كيري ليست مفاجئة فهي تعبر عن طبيعة وعي وتفكير الغرب تجاه المنطقة التي تسكنها طوائف وأقليات وليس شعوب، رغم إن التنوع موجود وطبيعي في العالم وتعدد الطوائف في المنطقة دليل تسامح تاريخي وإن شابته صراعات معاصرة لكن التعامل مع الأقليات كان دوما سمة أساسية في السياسة الغربية بالمنطقة.

 

 

 

كلمة أٌقلية تعني وبشكل تلقائي اضطهاد مجموعة صغيرة ضمن المجتمع، وعادة العلاج الغربي هو تمييزها وليس انصافها لكي تدمج وتصبح جزء طبيعي من المجتمع. كانت دعوى حماية الأقليات مدخلاً لكثير من التدخلات الاستعمارية في المنطقة منذ القرن التاسع عشر، اضافة إلى السياسة الاستعمارية التي ميزتهم وجعلتهم النخبة الحاكمة وكانت هذه أحد اكبر المشاكل التي واجهت بعض الدول بعد الاستقلال حيث كانت النخبة المتعلمة والمتمكنة تنتمي لأقلية ما أو ربما من أقلية تم جلبها خصيصاً من بعض المناطق مثل الهنود في عدن أو الصينين في ماليزيا وغيرها.

 

 

 

فكرة الأقلية مناسبة جداً للتدخل الخارجي الذي لا يميل للتعامل مع الشعوب كمكون تاريخي متنوع ومتكامل بل كطوائف وجماعات يسهل التعامل مع كل منها بشكل منفرد وتعزيز المخاوف فيما بينها يخلق مساحات واسعة واضافية للتدخل الخارجي. اللافت ليس فقط تصريح جون كيري حول الحوثيين كأقلية بل صمتهم (تجاهلهم) وهم لا يكفون عن الحديث بإسم الشعب اليمني لكن كما يبدو انه راق لهم لعدة أمور ابرزها إنه يضعهم في اطار المظلومية التي يتحدثون بإسمها.

 

 

الحوثي كجماعة دينية مغلقة وقاصرة على ابناء طائفة معينة من الطبيعي أن لا تنزعج من وصف يخرجها من المجموع مثل الاخوان المسلمين في مصر عندما لم ينزعجوا من وصف امريكا لهم بالأقلية المضطهدة في تقرير سابق عن الحريات الدينية، وهذا أمر خاص بطبيعة الجماعات الدينية المتعارض مع فكرة الدولة القطرية القائمة هويتها على اساس قومي لا ديني. فمثلاً خطابات الحوثيين وادبياتهم تتكلم عنهم كجماعة جهادية شيعية وليس كمكون سياسي يمني، وهذا متناسب مع طبيعة وعيهم وتركيبتهم.

 

 

السؤال هنا، هل الحوثيين فعلاً أقلية؟ الحوثيون قوة عسكرية- دينية استولت على السلطة بالقوة وهذا توصيف قد ينطبق على داعش ايضاً فلماذا لا يمكن وصف داعش بالأقلية وليس بالجماعة الدينية المتطرفة أو الارهابية؟ هل المقصود بكونهم أقلية إنهم يمثلون الزيود، وبالتالي الزيود يمثلون أقلية؟ من حيث العدد فالزيود كانوا قبل الوحدة اليمنية -عام 1990م- لا يقلون عن نصف عدد السكان وبعد الوحدة تراجعوا قليلاً حتى صاروا قريبين من الثلث أو يزيد قليلاً. أي إنهم نسبة معتبرة من سكان اليمن، لكن هل هم فعلاً يعانون من تهميش؟ كيف يمكن أن يكون هذا حقيقيا في وقت كان جُل رؤساء اليمن الشمالي زيود وعلي عبدالله صالح الذي حكم بعصبية قبلية بالأخص في المؤسسات الأمنية والعسكرية وبالتالي كان يتحكم بها شخصيات زيدية.

 

 

 

في حروب التمدد الحوثي قبل دخول صنعاء كانت جُل حروبه ضد زيود لكن عند الحديث عن الزيدية ينبغي التفريق بين أمرين، بين الزيدية كمنطقة وقبائل كان يعبر عنها صالح وعصبيته، والزيدية كمذهب تعد أهم افكاره الرئيسية نظرية الإمامة السياسية المحصورة بالهاشميين وتعرض رجال دينها وبعض الهاشميين بسبب شبهة الأصل للتنكيل وربما القتل عقب ثورة 26 سبتمبر 1962 والتي لحقتها حرب أهلية طويلة استمرت سبع سنوات.

 

 

 

الإمامة الزيدية هي القوة السياسية الرئيسية في اليمن منذ القرن السابع عشر، والثورة في عام 1962م غيرت طبيعة النظام الحاكم لكن بحكم إرث الامامة، مثل الغلبة الزيدية في الجيش اليمني، ظلت الزيدية كمنطقة هي مركز عصبية الحكم في اليمن، خاصة أن اليمن لم تنتقل من طور الاستبداد لطور الديمقراطية وأكثر من نصف العهد الجمهوري كان يحكمه شخص اعتمد على عصبية مناطقية صريحة لكنه تحالف ببراجماتية عالية مع السلفيين والأخوان ضد الحزب الاشتراكي.

 

 

 

تهميش الزيدية كمذهب مقابل التحالف مع تيارات الإسلام السني كان حقيقة في عملية التوظيف السياسي للدين، التحالف مع الإٍسلام السني له علاقة بخشية النظام من الزيدية المرتبطة بفكرة الإمامة وهو أمر صحيح إلى حد كبير. هذا الوضع تغير منذ فتحت الدولة المجال العام للحركة والعمل السياسي بعد الوحدة عام 1990 وبدأت تتشكل أحزاب بمرجعية زيدية وكذلك تأسست منتديات الشباب المؤمن.

 

 

بدأت هذه الحركة الزيدية كعملية احيائية لمذهب يتحكم أهله بالسلطة لكن تتراجع افكاره بينما طبقته الحاكمة القديمة المنحصرة بالهاشميين تشعر بالغبن من فقدان امتيازات السلطة أو المظلومية جراء بعض مظالم ثورة سبتمبر، وكانت كل المحاولات منذ عام 1990 يغلب عليها محاولة تطبيع الزيدية مع النظام الجمهوري متخلية عن فكرة الإمامة وهذا أمر ظل يعارضه الكثيرون مثل بعض العلماء البارزين في صعده، مجد الدين المؤيدي وبدر الدين الحوثي.

 

 

 

من الجائز وصفه بالحراك الاحياني من منطلق محاولة اعادة بعث فكرة كانت شبه ميتة، لكن هذا الاحياء تصاحب مع تعزيز لمفهوم الزيدية في اطار هوياتي مذهبي مقابل للتمدد السلفي في المناطق الزيدية. ومن هذا الزاوية الهوياتية ومع صعود الطائفية في المنطقة ظهرت الحركة الحوثية ممثلة بمؤسسها حسين الحوثي الذي بدأ نشاطه ومحاضراته منذ عام 2000 بعد نهاية مدته كعضو مجلس نواب وعودته من السودان.

 

 

 

حسين الحوثي لم يكن متصالحاً مع النظام الجمهوري ولا حتى مع المذاهب الأخرى وبدا واضحاً من أول مواجهة مسلحة بين الحوثيين والحكومة إنه كان مستعدا للمواجهة. هذا التشدد الفكري والعنف لم يمنع الدوائر الاكاديمية الغربية من وصف الحركة الحوثية بحركة زيدية احيائية، رغم الفارق الواضح بين الحركة الاحيائية التي تتعلق بحراك فكري مجدد والحراك الراديكالي المرتبط بالعنف وافكار أصولية شديدة التطرف.

 

الاوصاف الغربية من السياسين للحركة الحوثية كأقلية وكأنها خرجت من صعده تطالب بحرية التعبد وليس للاستيلاء على السلطة مثله مثل وصفها بالحركة الاحيائية من قبل الدوائر الأكاديمية يهدف لاثارة التعاطف وتقديمها من زاوية جماعة مظلومة يبرر استخدامها للعنف. رغم إن الجماعة التي تستند على مظلومية الست سنوات حرب في صعده تحالفت مع غريمها رئيس الجمهورية السابق علي صالح ، بالتالي لا يمكن تبرير تصرفها ضمن رد الفعل على مظلومية بل ضمن الصراع على السلطة من منطلق تصوراتها الدينية التي تقوم على الحكم بمفهوم الغلبة.

 

إذا كان الغرب يتعاطف مع أٌقلية، فالحوثي وليس غيره من طرد اليهود والسلفيين من صعده وقمع البهائيين في صنعاء، لكن المسألة هنا لا تخرج عن كونها تفسير انثربولوجي لواقع صراع سياسي. وهذا التفسير يفترض حل الصراع على السلطة بتقسيم المجتمع وليس بترسيخ مفهوم تداول السلطة ضمن مفاهيم قانونية ودستورية تقبل الجميع وتمنح للشعب بمختلف اطيافه فرصة متساوية لأي منصب حسب كفاءته وليس طائفته.

 

*العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر