دائماً ما كان مسار التحولات في اليمن خلال السنوات الأخيرة يفيد بأنه ليس هناك من أمرٍ متروك للمصادفة، وأن كل حدث كبير يتبعه ما هو أكبر. لذلك، عندما أُجبر الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، في لحظة، على تفويض صلاحياته إلى "مجلس قيادة رئاسي" ليس هناك ما يجمع بين أعضائه سوى أنهم يأتمرون بإمرة قيادة التحالف، كان التساؤل حول الهدف الحقيقي من هذه الهيكلة التي تتجاوز الدستور والمبادرة الخليجية. 
 

لم يكن لدى اليمنيين، تحديداً من مؤيدي الشرعية، شك ولو للحظة واحدة بمدى سوء إدارة هادي وفريقه منذ الانقلاب الحوثي، لكن خطوة بهذا الحجم وإطاحة رئيس الدولة وإخفاءه عن الأنظار تعني أن هناك ما يُعد ويتطلب قيادة جديدة تشاركية أقلّه في الظاهر. لم يدم الوقت طويلاً ليتبيّن أن "مجلس القيادة الرئاسي" عملياً مجرّد حبر على ورق، وأن هناك رئيسا له بلا صلاحيات حقيقية، هو رشاد العليمي، ورئيس ظل هو عيدروس الزبيدي، الذي يقود المجلس الانتقالي الجنوبي المنادي بالانفصال. 
 

كل ما يجري منذ إبريل/ نيسان الماضي، تاريخ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، يفيد بأن الزبيدي هو الحاكم الفعلي لمجلس القيادة، وأن العليمي مجرّد واجهة لوضع الأسس لما يُراد في المرحلة المقبلة. لم تكن اشتباكات شبوة الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة، لكنها أعادت التذكير بحدود المسموح والممنوع في العلاقة بين الأجهزة الرسمية والمليشيات، ولمن يفترض أن تكون الغلبة. ولذلك كانت سيطرة "الانتقالي" على شبوة رسالة واضحة سرعان ما تُرجمت دلالاتها في أبين. وبمجرّد إعلان "الانتقالي" عن عمليةٍ عسكرية فيها، شهدت المحافظة عملية تسليم وتسلّم تجنباً لخسائر بشرية غير ضرورية، ما دامت النتيجة المطلوبة واضحة. 
 

ما يجري من تسليم للمحافظات الجنوبية للمجلس الانتقالي الجنوبي ينطوي على الكثير. من الواضح أن تعدّد مراكز القوى والقرار السياسي والعسكري في هذه المحافظات لم يعد مطلوباً. ومن الواضح أيضاً أن قوات الشرعية (الأجهزة العسكرية والأمنية) ليست هي المنشودة لضبط الأوضاع وتسلم زمام هذه المناطق. وعوضاً عن أن تُدمج المليشيات في الأجهزة الرسمية، باتت الأولى من تتولى السيطرة رسمياً، وتحيّد قوات الشرعية تحت ذرائع شتى، وتلقى "تفهماً" من "مجلس القيادة الرئاسي". 


وما التسريبات عن توجّه إلى نقل قوات الشرعية إلى الجبهات تحسّباً لتجدّد المواجهات مع الحوثيين سوى إقرار بأنه لم يعد من المطلوب أن يكون لها أي وجود داخل المحافظات الجنوبية المحرّرة من الحوثيين في الفترة المقبلة. ومتى ما تم ذلك فستكون مناطق الجنوب أمام مشهد جديد، الكلمة العليا فيه حصراً للمجلس الانتقالي الجنوبي. 


لكن لماذا يحدث ذلك كله؟ من المبالغ فيه الحديث عن توجّه إلى إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن دولته التي ينشدها منذ أكثر من عقد، فالظروف ليست مهيأة بالمطلق لأمرٍ كهذا. لكن لا يمكن استبعاد أن مرحلة جديدة من المفاوضات مع الحوثيين قد تبدأ قريباً. 
 

وعندما تحين هذه اللحظة، فإنها، على الأرجح، لن تكون فقط على أساس الحوثيين مقابل الشرعية المتآكلة، بل قد تشهد تحولاً لأن تكون على أساس شمال وجنوب. أي حل مستدام يُلبّي مصالح الأطراف الإقليمية الفاعلة في الحرب، ومن يمثلها في الداخل، يعني عملياً تركيبة جديدة لحكم اليمن ستكون فيها القوى الهامشية والضعيفة مجرّد متفرّجة على القسمة الجديدة للنفوذ. 
 

 قد تكون الهدنة التي تتجدّد منذ إبريل/ نيسان الماضي كل شهرين النموذج الأمثل، إذ إن المستفيد الأكبر منها السعودية أولاً والإمارات ثانياً بعدما توقف مسيّرات الحوثيين باتجاه البلدين، فيما لم تحقق الهدنة لليمنيين كل ما كانوا يطمحون إليه، خصوصاً في ظل استمرار إغلاق طرق تعز وعدم صرف المرتبات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. 

 

*نقلاً عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر