مضت ثماني سنوات من الحرب في اليمن، أودت بالأوضاع إلى قعر الجحيم الذي لا يطاق، وأدخلت اليمنيين في دوّامة من المعاناة والتشظّي وفقدان صورة الدولة ومؤسساتها وحضورها الذي حلت محله مليشيات متناحرة، صُنعت على عين التحالف العربي وتخطيطه وترتيباته غير المعلنة، تلك الترتيبات والأجندات التي ثبتت الانقلاب الحوثي في مناطق سيطرته، ومنحته كل القوة والنفوذ والبقاء أقوى من لحظة التأسيس التي بدأتها هذه المليشيات.
 
وبعد ذلك كله، وفجأة من دون أي مقدّمات، تظهر للسطح فكرة عقد مؤتمر تحت مسمّى "مشاورات الرياض" التي ترتّب لها هذه الأيام الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، والسفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، صاحب الفكرة ومن بيده دعوة كل الأطراف اليمنية التي يريدها الأشقاء فقط، للتشاور في الرياض، نهاية شهر مارس/ آذار الحالي، في توقيتٍ خالٍ من أي دلالة سياسية عن قرب الوصول إلى حل في اليمن، بقدر ما هو تعبير واضح عن مدى الهوّة والمتاهة الخليجية، والسعودية تحديدا، في اليمن.
 
مؤتمر مشاورات، لا فكرة واضحة عنه، ولا عن أهدافه ولا أجنداته ولا المدعوين فيه، ولماذا تقام مثل هذه المشاورات، وهذا كله في ظل مُضي ثماني سنوات من الحرب والمشاورات والمؤتمرات والاتفاقات، التي لم يثبُت منها شيء على أرض الواقع، يدفع هذا كله اليمنيين والعالم كله إلى فقدان الثقة بأي نوع من هذه المشاورات والمؤتمرات التي لا هدف رئيسيا منها سوى الجلبة والضوضاء الإعلامية عن قدرة الخليج عن إحداث "شو إعلامي" عن الوضع في اليمن، فيما حقيقة الأمر أن الخليج كله غارق في المستنقع اليمني.
 
لا يراد هنا التقليل من أهمية حدثٍ لا يزال في رحم الغيب، ولا يستطيع صاحب هذه المقالة التنبؤ بما سيدور فيه، لكن تجربةً طويلة مع المخيال السياسي الخليجي، والسعودي تحديدا وخريطته الذهنية، وخصوصا تجاه اليمن، تجعلنا نقول إن الأشقاء في الخليج لا يستفيدون من دروس التاريخ ولا الجغرافيا ولا السياسة ولا تجارب الحاضر ولا أي شيء، بقدر ما تتحوّل الفرص إلى كوارث سياسية كبيرة.
 
ففي مؤتمر الرياض الأول، في 17 مايو/ أيار 2015، الذي دعت إليه المملكة ورعته، ودعت له كل الأطراف اليمنية المعارضة للانقلاب الحوثي، مضى عليه اليوم سبع سنوات، ولم يتحقق منه شيء، سوى ترتيب أوضاع النخبة السياسية اليمنية الحاكمة في المنافي والشتات، وتحت مسمّيات وظيفية يمنية لا معنى لها ولا قيمة، حيث جرى تعطيل الشرعية اليمنية وإبقاؤها حبيسة الإرادة الخليجية، والسعودية تحديدا. ومثله أيضا قل عن اتفاق الرياض 2019، بين الشرعية والمجلس الجنوبي الانتقالي، وقد مات قبل أن يبدأ، فالسياسات السعودية تحديدا، وهي المعنية بالملف اليمني أكثر من غيرها، لخطورة الوضع في اليمن على أمنها واستقرارها، لارتباطها الجغرافي والتاريخي، وشائج القربى والجوار، لم تصل يوما إلى مرحلة الشعور بالخطر الوجودي على أمنها، وأن اليمن بالنسبة للمملكة هي الجغرافيا التي تشكّل أهمية استراتيجية خاصة لبناء منظومة أمنية متكاملة، ليس لليمن فحسب، وإنما للمنطقة كلها، لأهمية اليمن موقعا وسكانا وتاريخا.
 
 
كلّف عدم فهم هذه الحقيقة اليمن والمملكة والمنطقة كلها الكثير، وهذه الحرب الدائرة خير دليل على أهمية إعادة قراءة حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسية بعين الحكماء، لا بعيون البلهاء والمهرّجين الذين يملأوون المشهد، والذين لا يعون ولا يمتلكون القدرة على القراءة الواعية والمتجرّدة، لأسبابٍ عدة، في مقدّمتها الأوهام السائدة والمصطنعة والمصالح غير المشروعة التي تعمي عن رؤية الحقائق التي يجب أن يعيها صنّاع القرار السياسي في المنطقة، وخصوصا في العربية السعودية على وجه الخصوص. فاستمرار الوجوه نفسها والسياسات نفسها على مدى سنوات الحرب الماضية، حتما سيودي بالمنطقة إلى كارثة وجودية نعيشها اليوم، ومتعلقة بتهديد منظومة المنطقة الأمنية والسياسية، وإعادة تشكيل خرائطها، وفقا لأجندات مٌعدة مسبقا، وترتفع بها الأصوات عاليا في طهران وعواصم القرار المستلبة من المليشيات المدعومة إيرانيا.
 
يمثل اليمن اليوم آخر محطةٍ لمواجهة مشاريع ما قبل الدولة الوطنية العربية الراهنة التي لا تزال قائمة بشكل أو بآخر، في وجه المشاريع الطائفية، والأقلوية التي تسعى، بكل جهد، وبدعم وتماه غربيين واضحين معها. وما لم ينتصر مشروع الدولة في اليمن ويستعد عافيته، فإن النموذج اليمني المُرتقب سينتقل إلى التطبيق في كل أرجاء الجغرافيا العربية، وفي القلب منها الخليج العربي، والمملكة تحديدا. وانطلاقا من هذه الحقيقة المرّة، نتمنّى أن يرتفع الوعي بمواجهة هذه الأخطار المحدقة بالمنطقة، وخصوصا في ظل الظرف الدولي الراهن، المنشغل بعيدا عن المنطقة، بالأزمة الروسية الأوكرانية، وأن يسعى الجميع إلى مواجهة الأخطار المهدّدة بتمزيق المنطقة العربية، وفي القلب المملكة.
 
وما لم يع منظمّو مشاورات الرياض بخصوص اليمن ومنسقوها ومعدّوها هذه الحقيقة، وإذا مضت على سياق المؤتمرات والندوات والنقاشات السابقة نفسها التي لم تخرج عن أنها حفلات إعلامية لصرف المكرمات، مع ما تحمله من عناوين أكبر من حجمها وعملها، وتنتهي بانتهاء عقدها، فإن القادم سيكون أسوأ حتما.
 
ما يتطلبه اليمن اليوم ليس عقد المؤتمرات والمشاورات، بقدر ما يحتاج إرادة صادقة وحقيقية من الأشقاء في المملكة تحديدا، لانتشاله من وهدته، بمساعدة اليمنيين أنفسهم وتسليمهم ملف إدارة هذه الحرب، بإشرافٍ مباشرٍ من الأشقاء المعنيين أساسا بنتائج هذه الحرب سلبا أو إيجابا، وأن تساعد المملكة اليمنيين على ترتيب صفوفهم، واستعادة زمام المبادرة بطريقة أو بأخرى من أجل استعادة القرار والسيادة اليمنية التي في استعادتها حماية لأمن المنطقة كلها. أما المضي بهذه الطريقة التي مللنا مشاهدتها، فإنه سيودي بالمنطقة كلها نحو الجحيم.
 
ويتمنّى كل العقلاء اليوم أن تكون نية حقيقة وصادقة في أي جهد يُبذل من أجل حسم الحرب في اليمن وإسقاط الانقلاب واستعادة الشرعية، خصوصا أن الظرف الدولي يصبّ في هذا السياق، وأن هذه هي الفرصة النهائية والأخيرة ربما للمضي نحو إسقاط الانقلاب في اليمن، وهذا الهدف هو الضامن الوحيد لسلامة المنطقة وأمنها، المملكة تحديدا، وأي محاولة لحرف مسار هذه المعركة باصطناع مثل هذه الأحداث والمشاغل ستُعجّل بانحدار الوضع، وتقرّب الطريق للمشاريع الطائفية لتقوى أكثر، وتتمكن من تحقيق أهدافها، ونحن مشغولون بمتاهات تدفع بنا دفعا نحو الهاوية لا محالة.
 
وختاما، الرهان هو على أن يعي صانع القرار السعودي تحديدا أن إضعاف الشرعية اليمنية كان هو المقدّمة التي أضعف بها صانع القرار السعودي نفسه، وضرب مصداقيته أمام العالم، وذلك بضرب آخر ورقة تمكّنه من مواجهة المشروع الإيراني في اليمن، وبأقلّ التضحيات والتكاليف، وتفريطه بأهم أوراق المشروعيات الدستورية والدولية الداعمة، وفقدان هذه الورقة يعني تسليم اليمن كله على طبق من ذهب لإيران ومليشياتها ممثلة بالحوثي، لأنه لا بديل لهذه الشرعية سوى جماعة الحوثي الموجودة على الأرض، والمسيطرة على عاصمة البلاد منذ ثماني سنوات مضت.
 

*نقلاً عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر