لا أميل كثيرا الى تقسيم مسار التاريخ ووجهة النظام الدولي في إطار ثنائية الما قبل والما بعد، لأن حركة التاريخ والأفكار أعقد بكثير من النماذج الذهنية الجاهزة، أو تلك الثنائيات القاطعة، إلا أنه لا شكّ عندي في أن الاجتياح الروسي لأوكرانيا هو من الأحداث الجيوسياسية الكبرى التي ستترك بصماتها في المجال الأوروبي والساحة الدولية الأوسع عقودا، بما يسمح بالحديث عن مرحلة ما قبل الغزو الروسي وما بعده. هذه المرّة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي تتحرّك فيها الدبابات وتطلق الصواريخ على تخوم القارّة العجوز وتتهددها في مراكزها الكبرى، إذا استثنينا حرب يوغسلافيا في تسعينات القرن الماضي، والتي كانت أقرب إلى أن توصف بأنها حرب أهلية داخلية بين مكونات الاتحاد اليوغسلافي المفكّك لا غير.
 
كان التصوّر الغالب أن الحدود الجغرافية والسياسية لأوروبا وما حولها قد استقرّت إلى غير رجعة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينات القرن الماضي، وأن روسيا "الجديدة" لن تتجاوز الإطار العام الذي رسمته نهاية الحرب الباردة وتوازناتها السياسية، بيد أن ما نشهده اليوم هو اتجاه نحو تغيير الحدود ومعها التوازنات الجيوسياسية على النحو الذي استقرّت عليه منذ ما يزيد على ثلاثة عقود وبقوة السلاح.
 
 
الحروب، على ما يقول ماركس، أداة التاريخ غير الواعية. وفعلا، هي العنصر الأقوى في تحريك وتيرة الزمن ومسار الاجتماع السياسي داخل الأمم وفيما بينها، فما يبدو رتيبا وهادئا في ظاهره، تحرّكه الحروب العنيفة أو تثيره الجوائح والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية وغيرها، ويبدو أن مجموع هذه العناصر قد اجتمعت في عصرنا الراهن. وكان كلاوزفيتز قد ذكر بأن الحروب هي عبارة عن استمرار للسياسة بشكل آخر، وربما الأقرب للصواب القول أن السياسة هي الأخرى استمرار للحرب بوجوه مغايرة، فهي التي تعيد رسم المربع السياسي وتصنع التوازنات وتضبط خيط التمييز بين الواقع والممكن، وبين المباح والمحظور.
 
 
بناء على هذه المقدّمة العامة، نستطيع القول إن معركة الروس في أوكرانيا محطّة مكثفة في خط الاستمرارية التاريخية ضمن المشهد الدولي الراهن، وقد كانت لها مقدّماتها وبداياتها الصامتة والناطقة، مثلما ستكون لها تداعياتها القريبة والبعيدة، وأقل ما يقال عنها هنا إنها ستسرع في وتيرة المتغيرات الاستراتيجية التي تراكمت على امتداد السنين الماضية في الساحة الدولية الواسعة. وتعود الجذور "الصامتة" لهذه الأزمة إلى اجتياح أجزاء من جورجيا سنة 2008، ثم انتزاع جزيرة القرم على بوابة البحر الأسود، ومعها فصل إقليم الدونباس سنة 2014 من الأوكرانيين. وقبل ذلك، كانت رسائلها المشفرة وغير المشفرة في خطاب بوتين في مؤتمر ميونخ سنة 2007 التي اعتبر فيها الحدث الأكثر دراميةً في القرن الماضي هو سقوط الاتحاد السوفييتي.
 
وعلى الجهة المقابلة، تعود بدايات هذه الحرب المعلنة اليوم إلى قمة الأطلسي سنة 2006 التي أعلن فيها الغرب رسميا عزمه على ضم دول البلطيق وشرق أوروبا المجاورة لروسيا للحلف، وتلى ذلك تطويق روسيا بالدروع الصاروخية من كل الاتجاهات، بما غذّى مخاوف الروس من خنقهم، ثم الإجهاز عليهم في عقر دارهم.
 
تصرّف الغرب من موقع الشعور بنشوة الانتصار على غريمه الشيوعي المتداعي، وكان ينتظر من روسيا أن تتصرّف بدورها من موقع الهزيمة، بيد أن الروس المثقلين بميراث التاريخ وأعباء الجغرافيا لم يسلّموا بذلك، وظلوا يغالبون معطيات الواقع تحت ضغط الميراث الإمبراطوري والذاكرة السياسية والجراحات العميقة التي خلفها تعامل الغرب معهم، وما كان يقبل به يلتسين ما عاد يقبل به ابن "كي جي بي". والحقيقة أن بوتين لم يصنع روسيا الجديدة، بل الأصوب القول إن روسيا الإمبراطورية، بجغرافيتها الممتدة وتاريخها الإمبراطوري المتجذّر، والمهانة أيضا، هي التي صنعت ظاهرة بوتين الغاضب والمغامر، ولو لم يأت القدر التاريخي به فربما جاء بشبيهه ونظيره، وإنْ باسم آخر. وهو يتصرّف اليوم، بوعي أو من دون وعي، وكأنه قيصر جريح بلباس القرن الحادي والعشرين، إذ يظل هاجسه الرئيسي الآن حماية ما يعتبره الأمن القومي الروسي المهدّد في الصميم، ثم تجديد مجد روسيا ومقامها بين القوى العظمى. سبقته كاترين العظمى القائلة "لو عشت مائة سنة، لأخضعت أوروبا، وضربت عنجهيّة الصين".
 
طبعا، لا يبرّر تحليل هذه المعطيات التاريخية والسياسة السقوط في الحتمية التاريخية أو إعطاء شرعية لبوتين لغزو جارِه الغربي، فلم يكن قدر موسكو وكييف التقاتل تحت تأثير أعباء التاريخ وضغط الجغرافيا، لو جرى طرق أبواب أخرى ممكنة ومتاحة، سواء من جهة روسيا أو من جهة الغريم الأوكراني وحلفائه الغربيين. ومؤكّد أن معركة أوكرانيا لن تكون سهلة أو سلسة، على نحو ما تصوّرها جنرالات الروس، بحكم شراسة المقاومة الأوكرانية مع استفاقة المشاعر القومية، ثم الإسناد السياسي القوي والضخّ العسكري الغربي الهائلين، لاستنزاف موسكو في فنائها الخلفي. ولكن الأرجح أن يتمكّن الروس، في الحد الأدنى، من السيطرة على مساحاتٍ واسعة من أوكرانيا، بحكم ما يتمتعون به من تفوّق ناري هائل مقارنة بالأوكرانيين، كما أن العقيدة العسكرية الروسية تقوم على الاندفاع في الميدان والتصميم على الوصول إلى الهدف، ولو كان ثمن ذلك تدمير البشر والحجر على نحو ما رأينا ذلك من قبل في غروزني وحلب وغيرهما.
 
 
تبين إلى حينه التخبط الروسي في الميدان، مثلما ظهر التفاوت بين الأهداف التي رسمها بوتين لنفسه والوسائل والإجراءات المتبعة. كان يراهن على فرض الإذعان على الأوكرانيين من الساعات الأولى لانطلاق العمليات العسكرية، ومعها مفهومه للأمن القومي، ثم إعادة تشكيل التوازنات والحدود في المحيط المباشر، بيد أن ظهور التخبط العملياتي والخلل اللوجستي للقوات الروسية أفقد العملية العسكرية طابع الصدمة والفدائية السريعة التي كانت متوقعة. كما أن هذه العملية قد أعادت التفاف الأوروبيين، المذعورين، حول الولايات المتحدة، من موقع الشعور بالتهديد الوجودي ومعادلة الحياة والموت، فقد ظهرت أوروبا منتدى اقتصاديا كبيرا، ولا تمتلك أنيابا عسكرية تتيح لها الدفاع عن نفسها، وردّ المخاطر المحيطة بها من دون الحماية الأميركية.
 
ستكون هذه الحرب قاسية على الروس، من ناحية الكلفة في الأرواح والمعدّات ومعنويات الجنود، والأخطر من ذلك على مستوى الاقتصاد الذي تعرّض لضربات موجعة، بعد فرض حصار بالغ القسوة طاول قطاع الطاقة، الشريان الحيوي للاقتصاد الروسي، والمبادلات المالية والتجارية ونظام التحويل المالي (سويفت) وكل شيء. ولكن، حينما تضع الحرب أوزارها ستبقى موازين القوى التي تولّدت عن صوت المدافع الحكم في تحديد الأوزان ورسم سقوف المفاوضات بين أطراف الصراع.
 
فعلا، للروس جلود خشنة تكونت من أهوال الحروب الإمبراطورية السابقة منذ القياصرة ثم الحرب العالمية الثانية التي حصدت ملايين الأرواح، وما رافقها من جوائح وشدائد، كما أن شراكتهم الموسّعة مع الصينيين ستعطيهم بعض المتنفس، على الرغم من حذر بكين وسيرها على حبلي موسكو وواشنطن في الوقت نفسه، لكنهم، في كل الأحوال، سيعانون كثيرا، لأن ماكينة النظام الاقتصادي الدولي ليست بأيديهم، وما هم الا حلقة ضعيفة ضمنه.
 
 
أراد بوتين تذكير الغرب والعالم بأن روسيا اليوم هي وريثة قوة عظمى، لا يمكن تجاهل مصالحها أو التنكّر لمطالبها، خصوصا فيما تعتبره أمنها القومي المباشر. ولكن على الجهة الأخرى، يصر الغرب الأوروبي والأطلسي على تذكير بوتين بأن تغيير التوازنات في المجال الأوروبي بالقوة النارية دونه قطع الرقاب. كان ذلك بعدما أمعن الغرب في إذلال روسيا وشدّ الحبال حول رقبتها من جهة حدودها الغربية والجنوبية. وقد أضحى متداولا جدا في مراكز الدراسات ودوائر القرار الغربي التهوين من شأن روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتجريدها من معاني القوة العظمى. فقد وصف بعضهم روسيا بأنها "نيجيريا مكسوّة بالثلوج لا غير". وقال آخرون إنها "فولتا العليا محاطة بمنصات صواريخ"، بل ذكر الرئيس الأميركي الأسبق، أوباما، إن روسيا بوتين ليست إلا قوة إقليمية وليس أكثر، وهي قراءاتٌ خاطئة، سواء من زاوية ميزان القوى العسكري والحجم الجغرافي أو ميراث التاريخ وسقف الطموحات.
 
صحيحٌ أن الاقتصاد الروسي لا يمثل شيئا يذكر في الميزان العالمي، وهو يعادل في حجمه الإجمالي الاقتصاد الإسباني تقريبا (7% من الاقتصاد العالمي)، ولكن قوانين التاريخ تقول إن الروس يحرزون موقعهم في الساحة الدولية بشركتهم العسكرية الخشنة، واندفاعات جيوشهم في الميدان، والواضح، هذه المرّة، أن الروس قد وضعوا أسلحتهم الاستراتيجية والتقليدية في الميزان، بل نصبوا صواريخهم فوق رؤوس الأوروبيين، ثم هدّدوا بالزر النووي، وليس من اليسير عليهم القبول بهزيمةٍ على حدودهم المباشرة.
 
ما هو جلي أن معركة أوكرانيا بصدد التحوّل إلى مأزق كبير. لن يقدر الروس على حسم المعركة على النحو الذي خطّطوا له، والأوروبيين لا يستطيعون الانفكاك من حاجتهم الملحّة للطاقة الروسية، ثم هم لا يقوون على تحمّل تبعات الخيار العسكري وكلفته البشرية. ولذلك أقصى ما يفعلونه اليوم المراهنة على العقوبات الاقتصادية والمالية لإنهاك موسكو لا غير. والأرجح أن ساحة القتال في أوكرانيا تتّجه إلى أن تأخذ طابع الفوضى، وهي بمثابة مرآة عاكسة للساحة الدولية التي ترتفع فيها مقادير الفوضى وعدم الانتظام في ظل تداخل خطوط الصراع وتحرّك محاور التحالف.
 
 
من لم يصدّق أننا نعيش اليوم واقع التعدّدية القطبية الدولية ما عليه إلا أن يفتح عينيه على مشاهد النيران الملتهبة، ويصيخ السمع لصوت المدافع وراجمات الصواريخ في المدن الأوكرانية. هذه حقيقة لم تبدأ اليوم، بل تراكمت على امتداد العشريتين الأخيرتين على الأقل. كانت السنوات الاولى لإعلان المحافظين الجدد بصورة احتفالية دخول القرن الأميركي الجديد هي نفسها إعلان البداية لتشكّل التعدّدية القطبية. تحرّكت القوات الأميركية باتجاه مساحاتٍ رخوةٍ وضعيفةٍ في الشرق الأوسط، ولا تمثل تحدّيا جدّيا من الناحيتين، العسكرية والاستراتيجية، وقد منح ذلك فرصة ذهبية للصينيين لمراكمة مكاسبهم الاقتصادية والتنموية والتقنية، مثلما أعطى متنفسا للروس في حقبة بوتين لإعادة ترميم بنائهم المتهالك بعد نهاية الحرب الباردة، ففي وقتٍ كان بوش الابن يطارد حركة طالبان في كهوف تورا بورا، ويغرق في معارك الفلوجة والأنبار، كان بوتين منهمكا في إصلاح جيش بلاده وتطوير الصناعات العسكرية وتحسين موارده المالية، مثلما كان الصينيون منشغلين بتطوير صناعتهم وفتح الأسواق في مختلف القارّات.
 
كان الغرب وما زال قويا. هذه حقيقة لا يشكّك فيها إلا جاحد أو مكابر، ولكن مياها كثيرة جرت، منذ تسعينات القرن الماضي، في النهر الدولي الممتد، بما يسمح بالقول إن الأميركان والأوروبيين هم بمثابة لاعب كبير (هو اللاعب الأكبر)، ولكن من بين لاعبين آخرين، مع غياب قواعد واضحة ومتفق عليها في إدارة اللعبة. لم يتراجع الغرب فعليا على صعيد الريادة العلمية والتكنولوجية، ولا على صعيد التسلح وقوة الجيوش، بقدر ما أن القوى الأخرى قد تمكّنت من تقليص الفارق، ومن ذلك امتلاك ناصية القوة، بما في ذلك على مستوى بناء الجيوش والتقدّم العلمي والذكاء الصناعي واكتساب الثروة، من الصينيين والروس إلى الهنود والبرازيليين، وحتى الإيرانيين والأتراك، في إطار معادلة دولية بالغة التركيب والتعقيد كان فريد زكريا قد سماها "الغرب والآخرون"(The west and the rest).
 
ربما وحدهم العرب المنقسمون على أنفسهم، والمستغرقون في حروبهم الداخلية والبينية وصقل أجهزتهم القمعية الداخلية، هم الغائب الأكبر عن المشهد.
 
 
*نقلاً عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر