كل خاف منك معلن


جمال أنعم

هناك تعريف لابن القيم للإخلاص يرى فيه "أن يستوي لديك المدح والذم"، لطالما استوقفني هذا المفهوم وانا أقرأ وأبحث عن "الوجود المحض" أي الوجود المنبثق من داخل الذات لا من خارجها إذ يصير كل ما هو خارجي امتدادا لهذا الوجود المحض وتجليا له على نحو ما.
 
اي أن نكف عن تسول ذواتنا وحضورنا ووجودنا من خارجنا ومن عيون الآخرين، وأن لا يظل وجودنا مشروطا باعترافهم وبطبيعة نظرتهم الينا، ومن هنا بدأت اتفهم معنى أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وتلحظ هنا ذات الاحالة الأولية على الداخل في نشدان التغيير لكل ما هو خارجنا.
 
وكما أن الوجود انبثاق من داخل النفس على نحو حاسم نقف هنا إزاء مفهومي الظاهر والباطن، اذ يبدو كفاحنا منصبا لإيجاد ذلك القدر من الاتساق والتناغم بين ما نخفيه ونعلنه وهو ما يوصلنا الى حال من السوية والصدق المفصح عن نفسه بتلقائية وبدون تقصد وبدون الحاجة الى تفتيش إذ "كل صدق يسأل عنه لا يعول عليه" بحسب ابن عربي.
 
وحين نخفق في ايجاد هذا التناغم والاتساق يحدث التشوش والاضطراب ويحصل الارتباك الذي يخلق ما يقابله على صعيد رؤية الآخرين لما نحن عليه حيث يمكن السقوط في حالات من التناقض والازدواجية والفصام المرضي والنفاق وسوى ذلك من الأدواء والتشوهات، مطلوب منا أن نكون نحن، ولا شي أكثر، وأن نعرف أنفسنا قبل كل شي، ومعرفة الذات أول الطريق لمعرفة الله.
 
إن ما نراه فينا هو الأهم لا ما يراه الآخرون اذ في وسعنا أن نلون الصورة والتصور لديهم دون أن يعني ذلك أن ما يصلهم يمثل حقيقتنا الفعلية، اتذكر بيتا في أحياء علوم الدين يرد ضمن سياق الحديث عن السماع   عند الصوفية جاء على لسان جارية: الى متى تتلون غير هذا بك أحسن.
 
واتذكر أتي اشتغلت عليه في نص يستبطن ذلك المعنى العميق مازال في ذاكرتي منه شذرات     
كل خاف منك معلن 
"فإلام ٓ تتلون  
غير هذا بك أحسن"  
انت ما تخفي وتضمر 
لست ما تبدي وتظهر  
من عيون الناس تخشى
فتواري كل فحشا
وعن الستار تعشى
جاعلا اياه اهون
وهو نص كان العزيز امين حاميم قد شرع في تلحينه منذ زمن بعيد ويبدو أنه ما يزال مشروعا مؤجلا لديه.


ما أود أن أخلص اليه، هو أننا حين نشتغل على ذواتنا مجاهدة ومغالبة وتهذيبا وتشذيبا وعناية وتعهدا وتربية وتزكية ونشدانا للسوية نكف عن القلق من رأي الغير فينا ومن رؤيته لنا، لأننا نعرف من نكون، ولان رؤيتنا لأنفسنا قد صارت واضحة الى حد يكفي لكي يرانا الاخرون على ما نحن عليه بلا رتوش ولا زوائد ولا مساحيق وهنا نكف عن بذل اية جهود مبالغ فيها لاستدعاء محبة الآخرين وإستلفاتهم واستثارة اعجابهم او الاستغراق في تقديم أية ارضاءات مستحيلة مقابل نشدان الاعتراف منهم بأي مزية لنا أفضل.
  
وهي حالة عبر عنها الشاعر القديم بقوله:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فمازال غضبانا على لئامها
 
وهو ما يعني مراعاتنا الوقوف في قلب المعنى والقيمة وعيش المثال والحرص على ان نكون نحن بصدق بحيث يرانا الناس بجلاء، حين نكف عن النظر إليهم في رؤيتنا لأنفسنا، ولما نحن عليه.
 
الذات الحرة الغنية الممتلئة لا تحتاج لأن تتسول الآخرين الاعتراف أو المديح والإطراء، ولا تهتز لأي انتقاد، ولا تأسرها الشهرة الفقيرة وهي تغيب لنحضر ولا تتهافت على الحضور الزائف الذي قد يعنى منتهى الغياب.


*من صفحة الكاتب على فيسبوك

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر