كان حديث الغدير وما يتعلق به هو عمدة أئمة الزيدية الجارودية أو الهادوية في اليمن، وكانوا أكثر حرصا وتشبثا بحديث الغدير من الشيعة الاثنى عشرية لأن الأخيرين إذا كانوا يهدفون فقط من حديث الغدير بيان صحة مذهبهم واظهار ولاية الامام علي والاثني عشر من ذريته، فان أئمة الهادوية كانوا يسعون من خلال ولاية علي الى إثبات ولايتهم، فمن قال بالنص والولاية لعلي قال بالولاية للأئمة من ذريته.
 
ومع أنهم قد حاولوا أن يظهروا اختلافهم عن الشيعة الاثني عشرية وتقربهم لأهل السنة، فقال بعضهم بالتوقف عن سب الخلفاء الذين سبقوا علياً إلا أنهم حرصوا على أن لا يؤثر ذلك على القول بالوصية للإمام علي وأن الخلفاء الثلاثة أخطأوا في التقدم عليه، لكن ينبغي تحرزا عدم تكفيرهم أو سبهم.
 
وعندما أراد بعضهم أن يجمع بين التشيع والترضي على الخلفاء الذين سبقوه قال عبدالله بن حمزة وهو من أبرز الأئمة القائلين بالتوقف عن سب الخلفاء إن ذلك محال وقال في بعض أجوبته الموجودة بخطه:
 
“وسألت عمن يرضي عن الخلفاء، ويحسن الظن فيهم وهو من الزيدية ويقول: أنا أقدم علياً – عَلَيْه السَّلام – وأرضي عن المشائخ، ما يكون حكمه، وهل تجوز الصلاة خلفه؟ الجواب عن ذلك: أن هذه مسألة غير صحيحة فيتوجه الجواب عنها لأن الزيدية على الحقيقة هم الجارودية، ولا يعلم في الأئمة – عَلَيْهم السَّلام – بعد زيد بن علي – عَلَيْه السَّلام – من ليس بجارودي، وأتباعهم كذلك، وأكثر ما نقل وصح عن السلف هو ما قلنا -يعني التوقف- على تلفيق واجتهاد، وإن كان الطعن والسب من بعض الجارودية ظاهراً، وإنما هذا رأي المحصلين منهم، وإنما هذا القول قول بعض المعتزلة يفضلون علياً – عَلَيْه السَّلام – ويرضُّون عن المشائخ؛ فليس هذا يطلق على أحد من الزيدية. لأنا نقول: قد صح النص على أمير المؤمنين (عَلَيْه السَّلام) من الله تبارك وتعالى ورسوله – صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم – وصحت معصية القوم وظلمهم وتعديهم لأمر الله سبحانه، وإن كانت جائزة المعصية والترضية؛ فما أبعد الشاعرُ في قوله:
فويل تالي القرآن في ظلم الليــل وطوبى لعابد الوثن
 
ومن حاله ما ذكرت لا يعد في الزيدية رأساً، وإنما هذا قول بعض المعتزلة، وصاحب هذا القول معتزلي لا شيعي ولا زيدي. وأجمل من قال في أبي بكر وعمر وعثمان من آبائنا المتأخرين عَلَيْهم السَّلام إنما هو المؤيد بالله عَلَيْه السَّلام فنهاية ما ذكر أنهم لا يسبون،
 
وأن سبهم لا تصح روايته عن أحد من السلف الصالح عَلَيْهم السَّلام. فأما الترضية فهذا يوجب القطع على أن معصيتهم صغيرة فإن أوجدنا صاحب هذه المقالة البرهان على أن معصيتهم صغيرة تابعناه؛ فليس على متبع الحق غضاضة، ولكنه لا يجد السبيل إلى ذلك أبداً.
 
أو عصمتهم ولا قائل بذلك من الأمة، وشاهد الحال لو ادعى ذلك لفضحه؛ لأن طلحة والزبير من أفاضلهم وقد صح فسقهما بالخروج على إمام الحق، وإنما رويت توبتهما، ولم يرو من الثلاثة توبة عما أقدموا عليه من الإمامة وتأخير علي عَلَيْه السَّلام عن مقامه الذي أقامه الله سبحانه فيه ورسوله.
 
وأما الصلاة خلف من ذكرت ففي الصلاة خلاف طويل، وقد أجازها الأكثر خلف المخالفين ما لم يكن خلافهم كفراً؛ فالأمر في ذلك يهون، والاحتراز من الصلاة خلف من يقول بذلك أولى”. انظر (مجموع السيد حميدان)، إصدار مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية، صعدة، وذلك ضمن الدفعة الرابعة الصادرة عن المركز عام 1424هـ، 2004م.ص296ــ 297).
 
إن استغلال الغدير اكثر وضوحا لدى من يسعون للسلطة (الهادوية) ممن أغلق بابها حتى ظهور الامام المعصوم (الاثنى عشرية قبل نظرية ولاية الفقيه الخمينية)، ولهذا لا غرابة أن أول من ابتدع الاحتفال بعيد الغدير (البويهيون)، كانوا زيدية وكانوا يسعون لعزل العباسيين وتسليم السلطة للعلويين وهو ما ظل يقاتل من أجله الهادوية.
 
وإذا كان البويهيون قد تحولوا الى اثني عشرية وظلت تلك الطقوس ملازمة لهم حتى في ظل دويلات سنية لأن احتفالهم بالغدير لم يكن يترتب عليه خروجٌ على مغتصبي الولاية من آل البيت لأن ذلك من اختصاص المهدي المنتظر عندهم، خلافا للهادوية الزيدية التي ظلت ترفع السيف على الامة التي سلبتها هذا الحق.
 
ولهذا لم ير أئمة الهادوية الاوائل ضرورة لاحتفالات شكلية تذكر الناس بيوم الولاية يوما فقط في العام، إذ فرضوا ذلك في خطبة الجمعة كل أسبوع وفي كل المناسبات الدينية وغير الدينية يتم التذكير بالوصي وال البيت وفرضوا ذلك على الشيعة وغير الشيعة، فقد ألزموا خطباء المساجد من الشافعية أن يبدأوا بذكر الوصي وأولاده وأن يكفوا عن البدء بذكر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بحسب ما يعتقدون، وهذا عبد الله بن حمزة يبعث برسالة الى أهل مأرب يأمرهم بالأذان بحي على خير العمل، وخطبة آل البيت وذلك سنة597هـ، ففي كتابه الاول يقول: “بلغنا أن أموركم على غير نظام، وأنكم ماضون على الخطبة لبني العباس، ولا تجوز الإمامة إلا لمن قام مقام رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في الدعاء إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطهير نفسه وأجناده من الفساد والمعصية، وأنتم من أمركم في الغالب على غرور، وقد شاهدتم أفعالنا وما نحن عليه أولاً وآخراً. وبعد فنحن عترة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخزان علم الله، وورثة كتابه وكذلك أذاننا هو أذان رسول الله ـصلى الله عليه وآله وسلمـ وأذان أبي بكر بعده، وأذان عمر صدراً من ولايته، وهو رواية عبد الله بن مسعود، وهو أذان علي عليه السلام، وعليه أجمعت العترة الطاهرة ـ عليهم السلام ـ وقد أمرنا إليكم بهذا الكتاب؛ فإن كنتم على ما بيننا وبينكم أمرتم المؤذن بالأذان بحي على خير العمل، وكان الخطيب من جهتنا، وحضرتم جمعتنا، فسيفان في غمدٍ إذاً لا يصلحان، واعتقدوا بعد ذلك ما شئتم”.
 
وقد رد عليه فقيه شافعي بأن أذانهم هو أذان غالبية الأمة وأذان الحرم المكي وهم على مذهب الإمام الشافعي وهو من هو علما ودينا، فغضب من ذلك عبدالله بن حمزة ورد عليهم برسالة ثانية شديدة اللهجة، ذكر فيه انه ليس من حق هذا الفقيه أو غيره ان يجادل أبناء رسول الله الذين قرنهم الرسول بكتاب الله وأعطاهم دون غيرهم حق تفسيره وتأويله بل ومقاتلة من خالفهم في ذلك!
 
وبحسب قوله “فمن أجاب دعوتنا هذه العادلة غير الجائرة، الجامعة غير المفرقة، فهو منا وإلينا له ما لنا وعليه ما علينا، ومن كره ذلك حاكمناه إلى الله سبحانه وحاربناه، واستعنا بالله سبحانه عليه فغلبناه إن شاء الله سبحانه؛ وإنما نحن نقاتل هذه الأمة على تأويل كتاب الله كما قاتلهم أبونا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على تنزيله لأنه حط بين الدفتين لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، ونحن تراجمته وورثته، وعندنا معرفة غرائبه، وعلم عجائبه، وقد قال جدنا -صلى الله عليه وآله وسلم- حيث قرنه بنا وقرننا به مخاطباً لأمته: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)”.
 
ويختم الرسالة بتهديد صريح وواضح: “وقد أمرناكم أن تؤذنوا بأذان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وتخطبوا بخطبة أهل بيت نبيكم، ثم شأنكم بعد ذلك وما بدا لكم وما اخترتم لأنفسكم، فإن فعلتم ذلك فأهلاً بالوفاق، وإن أبيتم {فأذنوا بحرب من الله ورسوله}، {إن الله لا يحب الخائنين}، {ولتعلمن نبأه بعد حين}، {ولا عدوان إلا على الظالمين}، وكنا أبرياء من كل عقد لبعضكم أو لكلكم ومن كل منشور كذلك، وكان الله الناصر لأولى الفريقين بالحق، والسلام”.
 
وقد وجدوا أنفسهم أمام طاغية لا يقيم وزنا لحرية العقيدة والمذهب، فعاد جوابهم في الامتثال إلا في تقديم علي، فقد قالوا إنهم يترضون عليه ضمن ترضيهم على الخلفاء الراشدين، لكنه رفض ذلك أيضا وكتب إليهم:
 
“أما ما ذكرتموه من التقديم في الخطبة فلم نقدم علياً عليه السلام سهوةً ولا هوى، ولا قدمناه إلا لأن الله سبحانه قدمه في كل مكرمة، لم يسجد لصنم أبداً، ولم يتأخر في حرب عن الحومة العظمى حتى كانت كلمة الله هي العليا وكلمة الشيطان وحزبه السفلى، ومنه ذرية رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعلمه لا يخالف في ذلك أحد من العلماء، وأمس الخلق برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رحما، وهو خامس أصحاب الكساء، وقد وقعنا نحن وإياكم في فرقة عمياء، لا رضيتمونا إلى الله تعالى أدلاَّء فنوطيكم المحجة البيضاء، ولا نزلتم منزلة العلماء فنحاكمكم إلى كتاب الله وسنة المصطفى؛ إنما هو فجر أو بجر، فلا تركبوا الدهماء فتخسروا الآخرة والدنيا، وارضوا بنا أئمة نرضكم لنا تبعا، ولا تأخذكم حمية الجاهلية الجهلاء”. (انظر: كتاب مراسلات الامام عبدالله بن حموة تحقيق عبدالسلام الوجيه، ص 17 ــــ 18)..

*من صفحة الكاتب على فيسبوك

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر