عن قرارات تشعل أزمة في عدن


د. علي الذهب

تشهد الساحة اليمنية توترًا جديدًا بين طرفي حكومة اتفاق الرياض، بعد أسبوعين من عودة هذه الحكومة إلى عدن، سبقه تصعيد خطابي لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، وتصدَّر ذلك رئيس المجلس، عيدروس الزُّبيدي، ونائبه هاني بن بُريك، ومدير أمن عدن السابق، شلال شايع، ثم استدعاء قيادة المجلس المقيمة في الإمارات محافظ عدن، على نحو مفاجئ، عقب إعلان اللجنة العسكرية السعودية المشرفة على تنفيذ اتفاق الرياض عن توقف عملها، بعد إخفاقها في تمكين اللواء الأول حماية رئاسية من الدخول إلى عدن، تمهيدًا لعودة الرئيس عبد ربه منصور هادي. 

 

باعث هذا التوتر إصدار الرئيس عبد ربه منصور هادي عدة قرارات قضت بتعيين رئيس الحكومة الأسبق، أحمد بن دغر، رئيسًا لمجلس الشورى (غير مجلس النواب "البرلمان")، وتعيين شخصين آخرين عضوين في المجلس، ونائبين، في الوقت نفسه، لرئيس المجلس. فضلًا عن تعيين شخصين آخرَين في موقعين قياديين في السلطتين القضائية والتنفيذية؛ إذ أثار ذلك استجابة رافضة من المجلس الانتقالي الجنوبي، عبَّر عنها بيانه الصادر في 16 يناير/ كانون الثاني 2021، الذي وصف القرارات بالتصعيد الخطير، والخروج المرفوض عن التوافق الذي رسمه اتفاق الرياض. 

 

 

في السياق، قال بيان منسوب إلى اللجنة العامة لحزب المؤتمر الشعبي العام، ومصدره، كما يبدو، فصيل من الحزب تدعمه الإمارات، إن هذه القرارات تُعدُّ خرقًا للدستور، ولاتفاق الرياض. ودعا البيان إلى تصحيح مسار الشرعية التي "أصبح رأسها سكِّينًا في خاصرة الوطن"، وهو تعريضٌ واضح بالرئيس هادي، فيما عبَّر بيان مشترك، للحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الناصري، عن استنكارهما هذه القرارات؛ لأنها خرق للدستور، وانتهاك للقوانين، وانقلابٌ على التوافق الوطني المنبثق عن مؤتمر الحوار الوطني لعام 2014. 

 

والواقع أن هذه القرارات لا تمثِّل خروجًا على اتفاق الرياض؛ لأن أحكامه لم تتضمّن اشتراط التوافق، بين طرفيه المتعاقدين، على أي قراراتٍ يصدرها الرئيس هادي، ما عدا قرارات تعيين محافظي المحافظات الجنوبية، ومديري عموم الشرطة فيها، في إطار التطبيق الكامل للاتفاق. ولعل ذلك ما دفع نائب رئيس المجلس الانتقالي، هاني بن بُريك، المقيم في الإمارات، إلى التعليق على القرار الخاص بتعيين نائبٍ عام، من دون القرارات الأخرى، متجاهلًا مسألة دستورية هذا القرار وقانونيته؛ لعدم اعتراف أعضاء المجلس الانتقالي بدستور البلاد وقوانينها.  

 

أما بيان فصيل المؤتمر الشعبي العام، المدعوم إماراتيًا، بشأن بُطلان هذه القرارات، دستوريًا، فغير دقيق؛ إذ من حق الرئيس، وفقًا للدستور، تعيين كبار موظفي الدولة وعزلهم، وفقًا للقانون، إلا أنه خالف القانون 39 لعام 2002، الخاص باللائحة الداخلية لمجلس الشورى، الذي تقضي مواده من 26-30، بانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، عبر المجلس ذاته، فضلًا عن اشتراط الدستور عدم مخالفة القانون. 

   

بالنظر إلى أبرز زوايا مشهد الأزمة الجديدة بين طرفي اتفاق الرياض، نجد أن قرارات الرئيس هادي مثَّلت مطيةً سهلةً للمجلس الانتقالي الجنوبي، للتمسّك بموقفه المتصلب تجاه توحيد قواته ودمجها في هياكل قيادتي وزارتي الدفاع والداخلية، فيما يشير موقف الأطراف الأخرى، الرافضة للقرارات، إلى احتمال انخراطها في تحالفٍ معارضٍ لإطاحة الرئيس هادي وحلفائه، بدعم إماراتي، وقد يشمل ذلك معارضة الدور السعودي، أو دفعه إلى الانخراط في ذلك عنوة، وفقًا لتقاسم جديد للنفوذ تفرضه الإمارات وحلفاؤها. 

 

رمى الرئيس هادي، بقرارات التعيين في مجلس الشورى، إلى إحداث توازن بين مجلسي النواب والشورى، على مستوى محافظات الشمال والجنوب، ومستوى المكونات السياسية الفاعلة؛ حيث سيقابل استئثار الشمال برئاسة هيئة مجلس النواب استئثار الجنوب بهيئة رئاسة مجلس الشورى، وهكذا بالنسبة إلى التوازن الحزبي، سيما بين حزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، وما قد يُحدِثه الاستقطاب الإماراتي الراهن لحزب المؤتمر الشعبي العام عبر مجلس النواب، من تأثير سلبي على استقلال القرار السياسي الوطني. 

 

كذلك، تتيح التعيينات الجديدة في مجلس الشورى، للمجلس نفسه، الاضطلاع بدور فاعل، في أثناء اشتراكه مع مجلس النواب، في المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بالدفاع، والتحالف، والصلح، والحدود، وما قد يعرضه الرئيس من قضايا تتطلب إجماعًا مشتركًا لمجلسي الشورى والنواب، وذلك ما يشي بأن معاهدات أو اتفاقيات من هذا القبيل يمكن أن تُعرض عليهما في المدى القريب، وأن وقوع الاختيار على المشمولين بالقرارات محلّ نقاش هذا المقال، لشغل مناصب هيئة رئاسة مجلس الشورى، لم تأت عبثًا أو من فراغ، بالنظر إلى انتماءاتهم السياسية، ومواقفهم من دول التحالف والقوى السياسية الأخرى. 


*نقلا عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر