خمس ساعات من الإنقلاب


مازن المجيدي 

شهدت معظم شوارع تركيا  عشية يوم الجمعه 15تموز/يوليو 2016م ؛ هدوء تام وسكينة استوطنت الحياة لا يعتريها أي مؤشر بالقلق تزامناً مع بدء عطلة الأسبوع التي يذهب معظم الناس فيها بما فيهم السياسيين للراحة بعد أيام طويلة وشاقه من العمل،ولكن لم يمض الكثير من أجواء السكينة حتى خرجت الفوضى العارمة من مكامنها لتصبح السماء مشحونة بأصوات الرصاص تعتريها صوت سلاح الجو - السلاح الأقوى في الجيش- الذي يعطي دلالة أن المحاولة الانقلابية كان مخطط لها بإحكام ودقة متناهية ، تلى ذلك السيطرة على التلفزيون الحكومي وبث بيان الانقلاب والبدء في تطبيق الأحكام العرفية في البلاد.

في الوقت الذي كان فيه الانقلابيون يتلون بيانهم ،حينها كان مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية على علم بالمحاولة الانقلابية التي تكشفت الجمعة، وإنهم يعلمون بما يحدث في تركيا، لكنهم لا يزالون يدرسون آثار الانقلاب على العمليات العسكرية التي تضطلع بها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. حسب ماورد في صحيفة "واشنطن بوست "على لسان الكاتب ،كارين دي يونغ .

بينما كانت السفارة الفرنسية قد أغلقت أبوابها ،قبل يومين، لدواع أمنية ؛ وكانت السفارة الأمريكية في أنقره تصيغ بيان موقفها المؤيد والمشرعن للإنقلاب، لتسمي ما يحصل بالانتفاضة التركية ، و عندما حدث عكس ذلك سارعت بالإدانة والشجب.

ردة الفعل الدراماتيكية والعاجلة للوسائل الاعلامية العربية بينها ، الاماراتية ، وكذلك بعض النخب العربية المنحطة اشتعلت قلوبها بالفرح و اشعلت شريطها الإخباري (عاجل ،أردوغان ، هرب، طلب اللجوء،هبوط  الليرة ، ..... الخ ).

ولكن لم يلبث أن أعلن الانقلابيين عن انقلابهم، سرعان ماذابت على الثلج خطواتهم  بخروج الرئيس التركي  رجب أردوغان في مكالمة شجاعة عبر موقع التواصل الاجتماعي "سكايب" بدعوة الشعب للخروج الى الساحات والشوارع لتلقين المتمردين الدرس اللازم ؛لإنهاء انقلاب لم يدم سوى الخمس ساعات ،وهذا يعد أهم وسائل إفشال الإنقلاب.

دعوة الرئيس أردوغان للشعب ، كانت بمثابة صاعقة  أخرست الأبواق الاعلامية التي كانت تروّج فيه بعضها  عن مغادرته البلاد وطلبه اللجوء إلى ألمانيا.

خطاب بـ"12 ثانية" كان كافيا لنداء  76 مليون ، الذي استجاب للنداء وخرج بالالف والملايين ،وسرعان ما فشلت محاولة الانقلاب ودحر القائمين عليه بظرف  ساعتين ؛ خطاب سيسجله التاريخ . 

إن أي عمل اعتباطي تقوم به جهات أو جماعات ضد شعب يؤمن بالديمقراطية كدين أو معتقد ؛ هو في طبيعة الحال عمل فاشل لا محاله.

بالأمس ؛ ألغى الشعب التركي وللأبد القاعدة المعروفة في تركيا بأن الجيش هو "حامي العلمانية بتركيا " ، وأثبت أنه الرقم الأصعب في كل المعادلات التي تقيض مصير البلاد ومصيره.

هنيئا له دخول التاريخ من أوسع أبوابه وأن يسطر حروفه من ذهب،لأنه بالفعل رقماً صعباً في المعادلات العسكرية والسياسية ، لذا كل محاولات العابثين باءت  بالفشل مهما كانت الظروف والمحاولات .

الأمر الذي ساهم في إفشال الانقلاب وزاد من التماسك بين جميع مكونات الشعب وعدم الانجرار نحو الفوضى موقف قادة المعارضة الرئيسية إلى جانب الحكومة الشرعية.

وكذلك القوات الأمنية الداعمة للديمقراطية ، وذات الأغلبية، التي صرحت برفضها القاطع للانقلاب ووصفت المتمردين "بقطاع الطرق" وتمكنت من الإمساك بزمام الأمور لصالح الحكومة الشرعية.

وفي ذلك الإطار؛ لا يمكن إغفال دور جهاز الاستخبارات الذي يطلق عليه الأتراك يد أردوغان الضاربه الذي ساهم وبشكل كبير في إفشال محاولة الانقلاب.

لايمكن لنا ان نستبعد عن وجود دوافع خارجية لها صلة بمحاولة الإنقلاب دبرته و حصرته بجماعة "فتح الله غولن"، وفي الايام القليلة القادمة سيثبت من خلال التحقيقات أن هناك دول وأجهزة مخابرات دعمت وخططت وربما شاركت في محاولة الانقلاب الفاشلة سواء بطريقة مباشرة أو غيرمباشرة .

المساعدات التي تقدمها تركيا بحوالي 6.4 مليار دولار لـ 140 دولة في 5 قارات ، كفيلة أن تحبط مخطط الانقلاب والارهاب والتآمر لأن عنايتها واهتمامها بحاجات الضعفاء والبسطاء ، واستعابها لأكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري وعراقي  حالت حجرة عثرة أمام كل قوى الشر ، فكانت رعاية الله وحفظة فوق كل المقادير.

 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر