محمد عمارة.. المعتزلي الأخير


نبيل البكيري

رحل المفكر الإسلامي، محمد عمارة، والذي يعد موسوعية علمية ومعرفية في الدراسات الفكرية والفلسفة الإسلامية. رحل تاركا خلفه مكتبة متكاملة من تأليفه وتحقيقه، تربو على أكثر من مئتي كتاب، في شتى ألوان العلم والمعرفة في التراث والتجديد الفكري الإسلامي، في حالةٍ قلما تجد لها نظيرا... تنقّل، في مراحله العمرية والفكرية، بين مدرستي اليسار واليمين، بقناعةٍ كانت تتشكل وفقا لقراءاته وتأملاته الفكرية والفلسفية الواسعة.
 
وهذا ما انعكس في بعض كتاباته في بداية مشواره البحثي والأكاديمي، والذي بدأه بشهادة الدكتوراة، في أطروحته "الدولة في فكر المعتزلة"، وقبلها في الماجستير في "مشكلة الحرية عند المعتزلة"، الفرقة التي خدمها محمد عمارة، وأزال عنها كثيرا من غبار القراءات النمطية المسبقة التي رمت المعتزلة بكل نقيصةٍ، حتى جاء الكاتب المصري الراحل، وأبان حقائق علمية كثيرة عنها، باعتبارها أول جماعة تفكير حر في التاريخ الإسلامي.
 
سافر محمد عمارة باكرا إلى اليمن، باحثا عن أفكار المعتزلة، وصدمه هول ما وجد في اليمن من خرافات الزيدية التي تدّعي أنها بنتها على أسس عقلانية المعتزلة، في مفارقة غريبة وعجيبة من نوعها. كان عمارة يبحث عن مخطوطات المعتزلة، ظنا منه أنه يمكن أن يجدها هناك، باعتبار أن الزيدية تدّعي صلةً بها، وهو ما لم يجده عمارة في فكر الزيدية، ولا في مخطوطات المعتزلة، للبون الشاسع بينهما فكرة وتطبيقا.
 
ينتسب عمارة إلى مدرسة التجديد الفكري في التراث الإسلامي، بحثا وتحقيقا وتنقيبا، عاكفا في محراب العلم زاهدا في كل بهارج الدنيا ومباهجها الزائفة التي جرى كثيرون وراءها، متخلين عن أفكارهم ومناهجهم العلمية مقابل التعايش مع عطايا السلطان وسطوة الجمهور. قضى جزءا كبيرا من حياته العلمية محقّقا للتراث الإسلامي، بشقه العقائدي والفلسفي، وخصوصا فكر المعتزلة وفلسفتهم وأفكارهم ومعاركهم الفكرية التي خاضوها مع خصومهم، حيث تعلق مبحثه في الدكتوراه بالإمامة وفلسفة الحكم المعتزلة.
 
 وكان، مع صرامته العلمية الدقيقة، ميالا لفكرة التجديد والإصلاح الديني في الفكر والفلسفة معا، معتبرا أن مشكلة التراث الإسلامي تكمن في عدم الاقتراب العلمي المحقق والمنهجي منه، وبقائه خارج سياق النقد والتحقيق.
 
ومثلما بدأ حياته بميول يسارية اشتراكية، فخاض غمار معاركه الفكرية تحت سطوة راية العدالة الاجتماعية التي كان اليسار يرفعها حينها، تقدّم محمد عمارة المعارك الفكرية في التراث محققا معظم كنوز التراث الفكري فيما يتعلق بالمعتزلة، وكذلك أفكار ابن تيمية وابن رشد والغزالي، وصولا إلى أفكار محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، وحسن البنا، وغيرهم.
 
عاش معارك فكرية كبيرة بين مختلف التيارات الفكرية في الساحة المصرية، والعربية عموما، وخصوصا معركة "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، والذي رد عليه بكتاب. وظل عمارة عصيا على التصنيف والاستقطاب، لخلفيته المعرفية الموسوعية الكبيرة، وعقليته النقدية التي لا يمكن أن تسلمه لغير الحقيقة المجرّدة، ما جعل الجميع يقف أمامه بإكبار، وإنْ لم يكنوا له أي ود، إلا أنه لا يمكنهم تجاوزه، لمرجعيته العلمية التي فرضها في ميادين الاجتهاد الفكري الواسع، ممثلة بمختلف إنتاجاته الفكرية، والتي كرس حياته كلها لهذه المعركة البحثية والأكاديمية، راميا كل ما عدا ذلك خلفه.
 
تأثرتُ كثيرا بقراءات عمارة التجديدية والنقدية للتراث الإسلامي، وكنت أميل كثيرا إلى كتاباته البحثية التي كانت تأتي نتاج خلاصاتٍ طويلة من القراءة والتحقيق والبحث. ولكن الملاحظ أن أفكاره شابا لم تظل هي أفكاره كهلا، ككل المفكرين المنطلقين من واقعية اللحظة المعاشة، والذين لا يجدون أنفسهم محايدين في معركة الأفكار، ولا يتعاطون معها باحثين من خارج النسق الفكري والحضاري للفكرة ذاتها. ولهذا كانت أفكاره شابا أكثر ثوريةً من أفكاره كهلا، وعكست كثير من مشاريعه الفكرية من "التفسير الماركسي للإسلام" مرورا ب "الإسلام وحقوق الإنسان" و"المنهج العقلي في الدراسات الإسلامية" و"مسلمون ثوار" و"الحركات الإسلامية.. رؤية نقدية"، إلى آخر مشاريعه الفكرية الكثيرة والمتعدّدة التي جعلته مرجعا معتبرا في الفكر الإسلامي والعربي المعاصر.
 
رحل محمد عمارة (1931 – 2020)، بعد مشوار طويل حافل بغزارة إنتاج بحثي وفكري، في ظاهرة لافتة، ربما هي آخر ظاهرة فكرية موسوعية بهذا الثراء، ممثلا لآخر رموز الوحدة الإسلامية، والتجديد الفكري في التراث الإسلامي. والأهم أنه ربما آخر المدافعين عن فكر المعتزلة، والناقدين له في الوقت نفسه، وذلك بعد قرون من خفوت فكر هذه الجماعة.
 
قد لا يروق عنوان المقال متابعين كثيرين، لما مثله عمارة من موسوعية فكرية كبيرة، لا يمكن حصره وتنميطه في جماعة بعينها. ولكن العنوان للفت النظر ليس إلا، فضلا عن الإسهام الكبير للرجل في الكشف عن فكر المعتزلة وإخراجه للناس، عدا عن أن عمارة فعلا كان عصيا على التنميط والتأطير، وظل منارا ومرجعا فكريا كبيرا في الحالة الإسلامية كلها. نترحم على روحه، مع دعوة إلى أن يجد الناس وقتا للاهتمام بإنتاجه الفكري، والذي يمثل كسرا لقيود الرتابة والجمود في التراث الإسلامي الذي ظل أسيرا لقراءات سلفية جامدة.
 
 

*نقلاً عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر