الضحك ضد الحرب


سعدية مفرح

لم يجد أب سوري ما يدفع به ويلات الحرب ونتائجها وتداعياتها على نفسية طفلته الصغيرة سوى أن يعلّمها لعبة مبتكرة، تعتمد على الضحك سبيلا لمواجهة أصوات القذائف والطلقات النارية والطائرات الحربية.. نعم الضحك لمواجهة الحرب! قد تبدو اللعبة غير متكافئة بين طرفيها، ولكن التجربة لا تضرّ، ما دام الموت يتربّص بالجميع في ظروف حربٍ لا تريد أن تنتهي.
 
وهكذا أصبحت الطفلة الصغيرة ذات الأعوام الأربعة تضحك بشكل تلقائي وطبيعي جدا، كلما سمعت صوت طائرات الموت المحلقة فوق رأسها، أو صوت القذائف والطلقات وهي تنفجر بالقرب منها. وكلما علا صوت الموت كان على الطفلة أن تجتهد في رفع صوتها بالضحك وحده، كما علمها والدها.
 
يقول والد الطفلة، وهو نازح من مدينة إدلب إلى بلدة سرمدا، وهو يشرح تقنيته في حماية مشاعر طفلته: "هي طفلة لا تفهم الحرب. لذلك قرّرت أن أعلمها لعبة لمنعها من الانهيار. وحتى لا تتأثر بالأمراض المتعلقة بالخوف".
 
في مقطع الفيديو الذي انتشر أخيرا للطفلة ووالدها، وهي تلعب تلك اللعبة، بدت سيلفا، وهذا هو اسمها، تتسمّع للصوت القوي القريب منهما كما يبدو، لتجيب على سؤال والدها: هل هو صوت طائرة أم قذيفة؟ فترد عليه، بعد أن ميزت الصوت: إنها قذيفة .. صوتها يجعلني أضحك. وتنطلق بعدها ضحكتها المدوّية، لتملأ الفضاء، وتطغى على صوت القذيفة المرعب. يعود والدها ليسألها، وهو يشاركها الضحك؛ أنه أمر مضحك.. أليس كذلك؟ فترد عليه؛ نعم مضحك.
 
شاهدت مقطع الفيديو القصير مرّات كثيرة. وفي كل مرة أجدني أبتسم ثم أضحك مع ضحكات الطفلة ووالدها، وأتخيّل أنهما نجوا فعلا من القذيفة التي انفجرت بالقرب منهما، لأنهما يضحكان، ولأن القذائف لا تحب الضحك، ولا يغريها سوى البكاء والصراخ.
 
هل يمكن فعلا أن تنجح اللعبة مع غير هذه الطفلة ممن يعرف جيدا بشاعة الحرب وجدّيتها، وما يمكن أن تؤدّي إليه من موت ودمار في أي مكانٍ، يحدُث أن يكون مسرحا لها؟ هل يمكن للفرح، حتى وإن كان بلا سبب، أن يقاوم أحزان الحروب وأصوات القذائف المتفجّرة؟ هل يمكن أن تستمر تلك اللعبة طويلا، وتستطيع سيلفا ووالدها وبقية أفراد أسرتها أن ينجوا من تبعات النزوح إن تمسكوا بضحكاتهم العالية وحدها؟
 
تقول أخبار الأمم المتحدة إن ما يقرب من نصف مليون نازح من محافظة حلب السورية التي شهدت قتالا عنيفا، أخيرا، كانوا أطفالاً، نزحوا مع عائلاتهم فرارا من هجوم قوات النظام السوري المدعوم من روسيا، وهذا يعني أن وضعا كارثيا تجري فصوله في المكان، في ظل الظروف المناخية والإنسانية الصعبة. وإذا كان من الصعب جدا تصديق أن تدريب الأطفال على الضحك كافٍ وحده لمواجهة تلك الأوضاع، وطلبا للنجاة من الموت في ظلها، فإن هذا لا يمنع أبدا من الإيمان بقوة الأمل، والذي تعتبر لعبة سيلفا الصغيرة من تطبيقاته المبتكرة.
 
نعم .. علينا، كبشر طيبين نحب الحياة وملذاتها، دائما الاجتهاد في ابتكار كل ما يمكن أن نواجه به شرور بعض البشر من حيل، حتى لو كانت على هيئة ألعاب طفولية أو ضحكات بريئة!
 


نقلا عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر