في ذكرى رحيل عرفات


محمد كريشان

وفاء وحنين ورسالة… هكذا أحيا عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة الذكرى 13 لرحيل الرئيس ياسر عرفات بمهرجان جماهيري ضخم لم تشهده غزة منذ عشرة أعوام، أي منذ سيطرة حركة «حماس» على القطاع قبل أن تتخلى عن ذلك مؤخرا.

الوفاء هو لهذا الرجل الذي اقترن اسمه بالنضال الوطني الفلسطيني كما لم يقترن باسم أحد غيره، وقد يكون الفلسطينيون الوحيدين الذين يصرون على إحياء ذكرى رحيل زعيمهم سنويا، الحنين هو لزعيم استطاع أن يمزج بطريقة فريدة بين المرونة والصلابة فظل لأعوام يلعب بالبيضة والحجر حتى نقل قضية شعبه من قضية لاجئين مشردين إلى قضية تحرر وطني وتقرير مصير، أما الرسالة فهي لحركة «حماس» مفادها أنها استطاعت لعقد كامل إحكام قبضتها على القطاع في تجربة حكم غير موفقة لكنها لم تتمكن أبدا من التحكم في ضمائر الناس وميولاتهم السياسية وأن المهرجان الذي حرموا منه لسنوات استطاعوا هذا العام أن ينظموه بطريقة «تثأر» لسنوات المنع السابقة. 

ياسر عرفات، هؤلاء الشيب والشباب الذين خرجوا بالآلاف اشتاقوا إليه فعلا… رجل عاصر طوال تزعمه لحركة «فتح» ثم منظمة التحرير الفلسطينية لزهاء الأربعين عاما، رؤســاء وملوكا عربا من كل ألوان الطيف واستطاع، معهم وبينهم، أن يبدي قدرة كبيرة على التكيف معهم جميعا، أقساهم وأطيبهم، مخلصهم وما دون ذلك، محبيه وباغضيه.

«الختيار»، كما يناديه دائما محبوه ورفاقه، استطاع أن يتعامل طوال أربعة عقود مع قامات سياسية كبرى في بلادنا العربية، اتفق مع بعضها واختلف مع بعضها الآخر حد السعي إلى شطبه أو تصفيته، أحب بعضهم وكره بعضهم الآخر وبادله معظمهم حبا بحب أو كرها بكره، لكن «الختيار» لم يقطع أبدا شعرة معاوية مع أي كان. كان يرى الود مؤقتا وكذلك النفور وبينهما ظل يتنقل لأربعين عاما لم يكلّ فيها ولم يتعب.

كم كانت من ابتسامة في وجهه تخفي خنجرا في ظهره وكم من عتاب له كان يخفي حرصا. هو الآخر كان يوزع ابتسامته على الجميع وقبلاته تمطر الكل بلا استثناء، لا يهم إن كانت صادقة أم لا. قلة أولئك الذين صدقوا معه في وقت كان هو مدعوا فيه أن يثبت صدقه للجميع. 

من النكت التي تقال عن عرفات أنه وخلال شعيرة رمي الجمرات في الحج رمى كل الحجرات لكنه احتفظ بواحدة فلما سئل عن السبب قال إنه لا يريد أن يقطع بالكامل مع الشيطان فمن يدري؟!! كانت له قدرة رهيبة على كظم الغيظ والتصرف مع أعدائه أو حتى الذين انقلبوا عليه أو المخططين للتخلص منه وكأنهم أولياء حميمون. غريب هذا الرجل، كم كانت قدرته رهيبة على التعالي على الجراح وعلى نسيان الأذى.

من أجمل ما كتب في ذكرى رحيله هذا العام ما خطه الصحافي الفلسطيني زياد بركات على صفحته على الفيسبوك: «أحببت عرفات متأخراً ككثير من الفلسطينيين. في مطلع الشباب كنّا نراه «مفرّطاً» و»منحرفاً»، وسرعان ما اكتشفنا أننا بلهاء وأن الرجل وحده من رآنا على حقيقتنا والعالم على وساخته، وأنه كان يلعب طيلة الوقت بشروطه، وأنه لم يسمح لشروط اللعبة يوماً بأن تسلبه حلمه العظيم بأن يرفع أو ترفع زهرة من زهرات فلسطين علمنا في القدس، وكان يرى ذلك ويصدّقه».

في المهرجان الشعبي الكبير الأخير في غزة رفعت صور عرفات وعباس جنبا إلى جنب، وإلى هذا الجمع الكبير تحدث «أبو مازن» فأكد على الثوابت الأساسية الدنيا التي يجمع عليها الفلسطينيون منذ سنوات. عباس ليس مختلفا عن عرفات في هذه المسألة ولكن ينقصه جانب يفتقده الفلسطينيون فيه كثيرا.

 ذات مرة قال لي الرئيس الفلسطيني بأنه كثيرا ما يقال عنه إنه أكثر اعتدالا ومرونة من عرفات وهذا غير صحيح «فأنا لم أقبل بما رفضه أبو عمار ولا رفضت ما قبل به». هذا صحيح، ولكن عرفات الذي استطاع أن يمزج طوال حياته بين عقلية عملية منفتحة على التسويات والصفقات وبين نفس التحدي وروح المقاتل المستعد للشهادة في أي لحظة، هو ما لم يجده الفلسطينيون بالكامل في عباس. 

محمود عباس هو الجانب المرن الذي عرفناه في ياسر عرفات، والرجل هنا للأمانة لم يفرط في شيء مما لم يكن عرفات مستعدا للتفريط فيه، ولكنه وبطبيعة تركيبته وتجربته وشخصيته لم يكن ذلك المقاتل الحامل للسلاح والمرابط على الجبهات مع مقاتليه في كل المحطات الصعبة في لبنان وقبله الأردن وفي كل مواجهة مسلحة. لم يستهجن الفلسطينيون في عباس الجانب البراغماتي فيه لكنه افتقدوا الجانب العنيد المتحدي المكابر، الوجه الآخر لعرفات، خاصة عندما يكون رجل مثل نتنياهو هو من يقف في الجهة المقابلة، وهذه قصة يطول شرحها,،،

* القدس العربي

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر