احتمالات عبد الفتاح


مروان الغفوري

دخل عبد الفتاح السيسي في الطريق الطويل لسلفه، أو لأسلافه. نجح، بمساعدة الجيش، في إلحاق هزيمة قاتلة بالديموقراطية. اختلفت النخب المصرية في شرح النصر الذي أحرزه السيسي. فبينما قالت القوى الإسلامية إنه قضى على الشرعية، ذهبت القوى الديموقراطية إلى القول: إنه قضى على الخمينية في نسختها المصرية. وحده السيسي كان يعرف ما فعله. فقد سحق الديموقراطية، الديموقراطية وحسب.
 
الأعوام الأخيرة لزمن مبارك شهدت انفتاحاً متزايداً. كما شهد المجال السياسي نمواً ملحوظاً في حرية التعبير. وكان الظهور المتزايد لجمال مبارك يخلق معه حيزاً من الممكن الديموقراطي تحت السيطرة. فقد كان نجل مبارك في مسيس الحاجة إلى ذلك الحيز ليمنح ظهوره معنى ومشروعية. على طريقة بوتين كان مبارك، وحزبه الوطني، يدعم حياة ديموقراطية تحكمية تستقبل كل الأسئلة وتعيد إنتاج الإجابة ذاتها. غير أن المشاكل البنيوية التي كان المجتمع المصري ينتجها، وبتسارع تاريخي، كانت تستدعي حلولاً بعيدة المدى تستند إلى رضا شعبي، أي إلى ديموقراطية تمثيلية. آلت الأمور، وقد تراكمت على ذلك النحو الخطر، إلى خروج اللعبة من قبضة نظام مبارك وانهيار واجهة النظام.
 
انهارت واجهة نظام مبارك، وطرح انهياره نصيحة مدوية: تغيير الواجهة ليس حلاً. لوقت قصير دخلت مصر في ديموقراطية الفوضى. فالسلطة التي أنتجتها الانتخابات، سلطة الإخوان المسلمين، نظرت إلى عملية التصويت بوصفها تفويضاً نهائياً. ثم دخلت في مواجهة حادة مع قوى مدنية لم يسبق لها أن تحركت بلا ضغط. نتجت عن المواجهة حالة سياسية رخوة أمكن اختراقها وتفكيكها من قبل جنرالات خائفين.
 
عندما صاح عصام العريان من داخل البرلمان المصري "لقد ولى عهد الانقلابات العسكرية" لم يكن يعرف عن ماذا يتحدث. فالجماعة الديموقراطية التي تبحث في المجتمع عن حلفاء فلا تعثر سوى على جماعات دينية لا بد وأنها قد سلكت غير طريق الديموقراطية. وعندما قرر العسكر الانقضاض على الإخوان المسلمين كان الأخيرون قد خسروا تعاطف كل القوى الديموقراطية. فلم يمض سوى عامين فقط حتى كان الإخوان ينتقلون من خطاب الجماعة الوطنية والكتلة التاريخية إلى خطاب "أستاذية العالم"، كما وردت الكلمات نفسها على لسان المرشد.
 
إن أول زعزعة للديموقراطية المصرية قامت بها جماعة الإخوان المسلمين عندما أحالت مسألة حرجة كالدستور للاقتراع، ضاربة عرض حائط بعناصر خطرة كالرضا والتوافقات في مجتمع يعيش على مشارف الحداثة. ذلك ما أعطى للعسكر الفرصة الكاملة لإنجاز انقلاب على مرحلتين: على الشرعية السياسية أولاً، ثم على الديموقراطية ثانياً.
 
في المرحلة الأولى قال العسكر إنهم سيدافعون عن الديموقراطية، وفي الخطوة الثانية قالوا إنهم سيكافحون الإرهاب. تمضي مصر الآن في حقبة ممتدة من مكافحة الإرهاب، وهي حقبة تتوسل كل السبل والآلات التي تجعل الشعب طيعاً في قبضة الحاكم. فهو شعب خائف وعرضة للخطر، ولديه حاكم عارف وقادر.
 
في المرحلة الأولى دخلت الديموقراطية المصرية في أزمة أسلمتها إلى العسكر. لكن العسكر لم يقفزوا إلى الأمام بل داروا دورة كاملة وعادوا إلى الأيام الأخيرة لنظام مبارك، واستلموا أدواته. لم ينهر نظام مبارك لأن الرجل فقد الكاريزما، كما يوحي السيسي. بل لأن أدواته التي يستخدمها في فهم المجتمع المصري واحتوائه تجاوزها الزمن وصارت شيئاً من الماضي. وتلك معادلة لا يبدو أن عبد الفتاح السيسي قد اقترب منها. فهو يظهر ذات القوة التي أظهرها مبارك في أيامه الأخير، ويرتدي قفازي الرجل بالطريقة ذاتها.
 
الديموقراطية ليست قدراً ولا هي حتمية تاريخية بالنسبة لبلدان كثيرة. فقد رصد إدوارد لوسي في كتابه الجديد "انسحاب الليبرالية الغربية" تراجع حوالي ?? دولة عن الديموقراطية في آخر ?? عاماً. كم قامت حوالي ?? دولة بحظر كل المنظمات غير الحكومية العابرة للحدود. فنحن نعيش في أيام تعمل فيها وسائل إعلام روسية، قادرة على الوصول إلى ثلث مليار بشر حول العالم، على التبشير بالفكرة القائلة إن الليبرالية الغربية بصورتها الديموقراطية إلى زوال.
 
وبشكل مفاجئ تكدس الحركات اليمينية حول العالم نجاحات ملحوظة. وهي حركات تخوض صراعاً ثقافياً، في الأساس، مع الليبرالية الغربية: التعددية، التسامح، والحريات. فخطاب القومية ينطوي على تهديد واضح، غير ديموقراطي، للأقليات الإثنية.
 
تتراجع الديموقراطية وتفسح الطريق للأوليغارشيات والأنظمة التسلطية، وتلك تعجز مع الأيام عن الإحاطة بتعقيدات المجتمع ما بعد الحديث، فتنسحب أو تفشل بالطريقة ذاتها التي شهدناها في حقبة التسعينيات. يذهب بول كروغمان في كتابه "عودة اقتصاد الكساد الكبير" إلى القول أن أهم أسباب تشتت الأمم الروسية وانهيار المنظومة الشيوعية شرقاً هو الإبهار الليبرالي القادم من كوريا الجنوبية واليابان، تلك الصورة التي كسبت كل جولات المقارنة بينها وبين مجتمعات الأنظمة الشيوعية. يحدث الارتداد عن الديموقراطية بصورة فجة كما جرى في مصر وبولندا مؤخراً. إذ تنجح أنظمة يمينية أو عسكرية في استغلال عاصفة ما، سياسية أو أمنية، للانقضاض على الحكم. لكن الأنظمة تلك سرعان ما تجد نفسها أمام مهام جسيمة غير كمية ولا يمكن إخفاؤها أو المناورة حيالها. فهي مشاكل تاريخية ومركبة ولا يؤدي تأجيلها سوى إلى تفاقم وضعها.
 
تقول التجربة الصينية إن الديكتاتورية الواعية قد تكون وضعاً تاريخياً مناسباً. لكن تجربة مجاورة، في الهند، تقول إن الديموقراطية الجاهزة لتصحيح ذاتها بمقدورها شق الطريق لأمة كبيرة يمثل التنوع الثقافي أبرز ملامحها. تبدو الحالة المصرية أقرب إلى الهند منها إلى الصين. فالنظام العسكري المنشغل بإدارة اقتصاده الموازي يبدو عاجزاً عن فهم أزمة التنمية المصرية بوصفها مسألة حريات في الأساس. فهو نظام بلا نظرية، فهو خليط من الديماغوغية الاشتراكية، ديماغوغية المشاريع الكبرى، والليبرالية الاقتصادية بصورتها المتوحشة. في نهاية المطاف يجد الفرد نفسه وقد أصبحت أمنيته الكبرى في تناول الشاي في واحد من أندية الضباط التي عادة ما تحتل أفضل الأماكن.
 
ورث السيسي سلفه، ثم ورث نظامه. إن أزمته الرئيسية تكمن في تعريفه للمشكلة التي تقض مضجعه. فهو ينفق وقته كله في السيطرة على الأجواء، واحتواء التهديدات المدنية التي تهدد استقراره الشخصي. تعتبر دالة الإرهاب واحدة من أطواق النجاة لنظام السيسي. إذ بمقدوره، مع الإرهاب، مصادرة الديموقراطية لمزيد من الوقت كما لن يكون بالمقدور مساءلته على الإخفاقات التي ميزت فترته الرئاسية الراهنة. فهو رئيس يُحارب، ولم يحن بعد الوقت الذي سيتفرغ فيه للبناء.
 
في البدء اخترع السيسي الإرهاب، ثم حصل عليه بعد ذلك. في الحالتين استطاع نظامه أن يمد رجليه ويأخذ نفساً. غير أن مشكلة الإرهاب على المدى الطويل معقدة. فالإرهابيون لن يسقطوا نظام السيسي لكنهم سيكشفون وهنه وضعفه، كما حدث مؤخراً في الواحات. فالنظام الذي استطاع أن يزج بـ ?? ألف مدني في السجون خلال أيام عجز، بكل الوسائل، في أول اختبار مسلح ضد جماعة لا يتعدى أفرادها المئات.
 
ينزع الإرهاب عن نظام السياسي نظارته الشمسية المهيبة. ومع الأيام يكتشف الناس أن أسوار المعسكرات العالية ليست للذود عن البلد بل لحماية الرئيس من مواطنيه. وأن معسكراته الرهيبة، بأسلحتها الفتاكة، لا تصلح سوى لأن تكون سجوناً. وتلك كانت حقيقة نظام مبارك في أيامه الأخيرة.
 

*مدونات الجزيرة

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر