يحاول البعض أن يقلل من تأثير العامل اليمني في تفاقم الأزمة الخليجية إلى الحد الذي بلغته هذه الأزمة من المواجهة والحصار والتهديد الوجودي لواحدة من أكثر دول المنطقة استقراراً ورفاهية وجودة حياة وأعني بها دولة قطر.
 
قبل أن تندلع هذه الأزمة، كان الدور القطري ذي الطابع الإنساني مستهدفا بشكل كبير جداً في اليمن، وخصوصاً في المناطق التي تخضع لسيطرة الإمارات، إلى حد أن المساعدات الإغاثية القطرية التي تصل ميناء عدن كانت تنتظر لأيام للحصول على إذن بالتفريغ من على متن السفن قبل أن يتم نقل هذه المساعدات إلى مستحقيها سواء في محافظة عدن أو محافظة تعز المجاورة الأشد تضرراً من الحرب والحصار، أو سواها من المحافظات اليمنية الأخرى المتضررة من الحرب.
 
في ظل إدارة المحافظ المقال عيدروس الزبيدي، كانت إجراءات تفريغ المساعدات القطرية تتم بصعوبة، وكان هذا التضييق مقصوداً لذاته، على الرغم من التدخلات النوعية القطرية في هذا الجانب الإنساني الهام.
 
فقطر سارعت إلى الاستجابة إلى مطالب الحكومة اليمنية بتغطية نفقات أعضاء السلك الدبلوماسي لضمان بقاء البعثات تحت السيطرة الكاملة لنفوذ الشرعية، واستجابة لمطلب الحكومة المتعلق ببناء محطة توليد طاقة كهرباء جديدة في عدن لمواجهة عجز حاد وغير مسبوق أحال المدينة إلى جحيم.
 
 وفي تعز، أنشأت الجمعيات الخيرية القطرية معملاً لإنتاج الأوكسيجين هو الأكبر من نوعه منهية بذلك أزمة كبيرة جدا تسببت في الكثير من المعاناة للمرضى، وعطلت غرف العمليات عن العمل، وفقد العشرات أرواحهم نتيجة غياب هذه المادة الحيوية.
 
اضطر رئيس الوزراء اليمني الدكتور أحمد عبيد بن دغر إلى الانتظار أسبوعاً لكي يعود إلى عدن من الرياض في أيار/ مايو الماضي لافتتاح محطة الطاقة الكهربائية التي أنشئت بتمويل قطري، والسبب هو أنه أعلن أنه سيعود يوم الأحد برفقة محافظ عدن الجديد عبد العزيز المفلحي، لكن رئيس الوزراء لم يتمكن من العودة إلى عدن إلا بعد أكثر من أسبوع لأن الإمارات أعطته درساً في فهم طبيعة النفوذ بمحافظة عدن والمحافظات المحررة إجمالاً حيث لا إرادة تتجاوز إرادة أبو ظبي أو تغالبها، وهذه الإرادة تستهدف نفوذ السعودية قائدة التحالف نفسها، وبالتالي فهي لا تستوعب أي دور لقطر، ناهيك عن وجود نفوذ للدوحة التي استطاعت خلال الفترة الماضية أن تكسب احترام قطاع كبير من الشعب اليمني، لأنه وجد الدوحة معه في رحلة البحث عن الحرية، وفي كشف المظالم الهائلة التي تعرض لها خلال هذه الرحلة التي واجه خلالها واحدة من أعتى الثورات المضادة للربيع العربي .
 
في ندوة "أزمة الخليج.. تداعياتها ومستقبلها" التي عقدت أمس السبت في الدوحة، بتنظيم من مركز الجزيرة للدراسات، كنت معنياً بتوضيح إلى أي مدى ساهمت الأزمة اليمنية في الدفع بالعلاقات الخليجية الخليجية إلى هذا المستوى الحرج، فالأمر برمته يتعلق بالنفوذ، وثمة شخصية طامحة للسلطة في أبوظبي هي محمد بن زايد يرى في اليمن المساحة الجغرافية التي يمكن أن يختبر فيها تجاربه الامبراطورية المراهقة، والتي بدأ يعززها بالانتشار العسكري الرمزي ضمن خارطة تشمل ضفتي البحر الأحمر الجنوبي وخليج عدن، وكيف قاد حرباً في ظاهرها استهداف للتواجد العسكري للانقلابيين، وفي باطنها إعادة ترسيم للحدود الشطرية، وإعادة هندسة للطبيعة الجيوسياسية لليمن، والتي تضمنت فيما تضمنت عزل باب المندب عن عمقه الجغرافي في تعز المحسوبة إدارياً على  شمال اليمن.
 
ليس هناك من تفسير لهذا السلوك الذي تعمد إبقاء تعز محاصرة وتتعرض للقصف اليومي، وتقاتل بالحد الأدنى من الإمكانيات، سوى أن ابو ظبي أرادت أن تعزل تعز عبر اقتطاع باب المندب فيما يعكس رغبة لا يمكن إخفاؤها لتحصين المشروع الإماراتي في الجنوب والذي يتأسس على خطة لتكريس الانفصال وفرض الهيمنة.
 
إذا كان هناك من مؤشر على حجم النفوذ والتأثير الذي تمارسه أبوظبي على الرياض عبر ولي العهد الجديد، فهو السلوك الإماراتي الذي يستهدف تقويض نفوذ المملكة عبر ضرب أدواتها وتجريف التيار السلفي صاحب الحضور الكبير خصوصاً في المحافظات الجنوبية، إلى جانب حالة التيئيس والإحباط التي تتلبس معظم اليمنيين نتيجة الدور السعودي السيئ في اليمن والذي يحمل الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، ويهدر الإمكانيات الهائلة التي تنفقها السعودية جراء تدخلها العسكري الشامل في اليمن.
 
لذا، فإن العامل اليمني يعتبر أحد العوامل المهمة والحاسمة في تعميق الأزمة الخليجية والدفع بها إلى هذا المستوى الخطر جداً، والا لما وصل الأمر إلى حد التضحية بالدور الكبير الذي كانت تقوم به قوات النخبة القطرية في الحد الجنوبي للمملكة طيلة أكثر من عامين.
 

*عربي21

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر