أردوغان علماني.. ولكن؟!


هدى الحمادي

هناك فرق شاسع بين من يستخدم العلمانية، ومن يعتنقها.

من يستخدم العلمانية يعلم أن لها تبعات، ويرصد تداعياتها بعقلانية وبدون عاطفة وتعصب أعمى، ويتعامل معها بمرونه وتعقل.
 
ومن يعتنقها يعيش أحلام وردية، ويرى فيها الخلاص، وأنها قارب نجاة، ولا يمسه سوء وهو تحت مظلتها.

من يستخدم العلمانية يعرف بأن الصراع والأحداث التي سبقتها كان أساسه توظيف الدين لخدمة الحاكم، لذا عمّ الظلم والاضطهاد باسم الدين، فثارت الشعوب ضد طغيان وكهنوت أنظمة الحكم، وكانت الضرورة تُحتّم أن يٌدحر الظلم بأي وسيلة، فأتت فكرة الفصل التام بين الدين والدولة كحل عاجل، ولم ولن يكون مصير دائم، كما يُؤْمِن ويوقن أن الأديان السماوية والدين الإسلامي بريء من الجور الذي عمّ الأرض آنذاك.

أما من يعتنق العلمانية، فهو يتصور بأن الصراع الذي سبقها كان صراعا حقيقيا بين الدين والدولة، وأن الدين كان المنتصر في كل جولة، فانتشر الظلم والتخلف والرجعية بين الناس باسم الدين، وتحت مظلة المتدينين، وبالتالي ثاروا على الدين، وعلى رموزه، وأقصوا كل أمر متعلق بالدين، أو له علاقة قريبة أو بعيدة من حياتهم؛ ليعيشوا بأمن واستقرار، وهذا يعني ان معتنق العلمانية لا يعرف من التاريخ إلا تاريخه ووضعه الشخصي، أو ما يروق له من الملاحم وحمّل الدين مسؤلية التدهور والتخلف.

نعم قال أردوغان أن بلده علماني. 

ولكن كيف؟ وماذا يقصد ؟!

من يستخدم العلمانية يعي أنها فكرة ونهج قابلة للأخذ والرد والنقد، ويتوقع من العقل البشري ابتكار ما هو أفضل منها لنفع العالم وتطويره، وتغييره نحو الأفضل.

بينما الذي يعتنق العلمانية، كمن يعتنق دين سماوي مقدس، منزل من السماء، لا خير يأتي بدونه، ويناهض كل من قال ورأى أن العلمانية جهد بشري، وليست شرط ملزم غير قابل للتغيير، ولا حل لإدارة الدولة سواها.

الذي يستخدم العلمانية يعرف أن له هوية وميول ومعتقد من حقه أن يمارسها، كما أنه يعترف بذلك الحق لغيره، ولا يعيب ولايسئ من يخالفه في الفكر والرأي والدين؛ بل يراعي خصوصية الغير ويحترمها.

ومن يعتنق العلمانية يلغي هويته وميوله ومعتقده، ويستحي أن يقول بسم الله، أو السلام عليكم، أو يقرأ الفاتحة، ويقول آمين، أو يذكر اسم الله في ثنايا كلامه، حتى يلحق بالركب مثل النعجة في قطيع كبير، و يعيب على الناس ميولهم ولباسهم وأراءهم إن خالفوه، وقد ينتهك خصوصية غيره بحجة نشر الوعي.

ومن يستخدم العلمانية يعلم أنها محطة لها وقتها وحاجتها المؤقتة، مثلها مثل أي وسيلة أو آلة أو نظام ابتكره البشر من قبل، وخضع للتبديل والتعديل والتغيير والإلغاء والنسيان.

من يعتنق العلمانية قد يعاني من فراغ روحي، فترسخ لديه فكرة العبودية، ولسان حاله يقول: بما أن الفكرة كانت مُجدية فيجب أن تكون مُقدّسة ومُسلّم بها، مثل من صنع الأوثان قديماً لرجال قدموا الخير وصنعوا المعروف، واستمروا بتقديسهم مدى الحياة.

وقبل أن نقول تركيا بلد علماني، علينا أولاً أن نعي:

أن من يستخدم العلمانية يحترم نفسه، ويؤمن بأنه إنسان، وليس آلة أو حيوان صيد، ومصيره ليس بيد أحد.

ومن يعتنق العلمانية يلغي ذاته، ويضع عقله ومصيره رهن إشارة قائد سياسي، أو رأي مثقف أو ميول متحدث أو مفكر انتهازي.

من يستخدم العلمانية، إنسان يؤمن أن الله خلقه حُر، كما أنه ليس علماني الروح والجسد والملبس والمأكل والمشرب والقول والفعل، وليست العلمانية هي السبب الوحيد في تحقيق نجاحاته؛ بل يثق أن لديه قدرة على توظيف الفرص وتفكيره موضوعي، ويقوم بكثير من الجهود العملاقة ويتقن انجاز التفاصيل الصغيرة، ويرى أن هذه العوامل وغيرها هي من صنعت لبلده الأمن والاستقرار والتقدم وليس العلمانية.

ومن يعتنق العلمانية سمع منادياً ينادي أن العلمانية صنعت حضارة الغرب، فصدّق وسلّم، لما قيل وجعل من قوله معتقد وحجة وبرهان، دون أن يتأكد ساقه لذلك الهالة واللباس ونبرة الصوت والشكليات والهرج والمرج الدعائي، وبدأ يجتهد في تقليدها.

ومن شدة إعجابه بتلك القشور شرد بعيداً، ونسي أن له ولغيره من الناس عقول قادرة على انتاج نظريات وأفكار قد تحدث انسجام بين روح الإنسان ومحيطه، بعيداً عن هذه القناعات والاعتقادات التي كانت أحد العوامل الأساسية في الفوضى القائمة في العالم.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر