جاهزية موانئ الحديدة أقل من النصف.. تداعيات التحويل القسري للسفن سياسيا واقتصاديا على اليمن (تقرير خاص)

[ موانئ الحديدة تعمل بطاقة أقل من 50% ]

 تدفقت السفن إلى موانئ الحديدة الخاضعة لمليشيات الحوثي المدعومة من إيران، غرب اليمن على حساب موانئ عدن، والموانئ البحرية والبرية الأخرى، وفق رئيس الغرفة التجارية في عدن، أبو بكر باعبيد.
 
وذكر باعبيد في تصريح قبل يومين، أن السفن تدفقت بدون تفتيش من آلية الأمم المتحدة، "اليونيفم" التي نشأت بموجب القرار 2216 الصادر تحت البند السابع عن مجلس الأمن في أبريل2015 الذي يهدف من خلال الآلية لتنفيذ قرار حظر توريد الأسلحة إلى اليمن.
 
لكن ثمة تحديات هائلة أمام حركة الملاحة التجارية إلى موانئ الحديدة، قد يكون لها انعكاسات سلبية كبيرة على الاقتصاد الوطني تتمثل في الأتي:
 
الألغام تهدد خطوط الملاحة
 
وفقا للمرصد اليمني للألغام، تنتشر ألغام مليشيات الحوثي البحرية على مسافة واسعة في البحر الأحمر بمحاذاة محافظة الحديدة وصولا إلى المياه الدولية.
 
ووثق المرصد اليمني العثور على ألغام بحرية قبالة جزيرة حنيش، وجزيرة زرباط، بينما تفجرت عدة ألغام بحرية بصيادين يمنيين في عدة مناطق محاذية لمحافظة الحديدة، في الفترة الماضية.
 
وقال إن العثور على لغم بحري مقابل جزر حنيش يأتي بعد أيام من اكتشاف شبكة ألغام بحرية حوثية، لافتا إلى مقتل صيادين مصريين بلغم بحري حوثي في المياه الدولية قبالة سواحل الحديدة في فبراير 2020.
 
كما سبق أن أعلن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، إنه نزع ما لا يقل عن 250 لغما بحريا حتى منتصف 2021.
 
وقضى اتفاق ستوكهولم في نهاية 2018 بانسحاب القوات الحكومية ومليشيات الحوثي مسافة لا تقل عن 23 كليو مترا من مدينة الحديدة وموانئها. لم ينفذ من الاتفاق سوى بند وقف إطلاق النار، ومازالت البعثة الأممية تقيم في سفينة على البحر، رغم انسحاب القوات الحكومية في نوفمبر2021 أكثر من 100 كيلو متر جنوبا، لكن المليشيا ما زالت تعسكر في الميناء.
 
وقال المرصد اليمني للألغام إن مدينة الحديدة تعد الأولى في اليمن من حيث انفجارات الألغام الحوثية في شوارع المحافظة، حيث قتل 18 شخصا، بينهم أطفال، وجرح أكثر من 20 شخصا أكثر من نصفهم أطفال في مدينة الحديدة خلال شهر يناير الماضي.
 
حالة حرب وليست هدنة
 
قال زعيم العصابة عبدالملك الحوثي، من مخبأ سري له، عبر خطاب مصور الجمعة الماضي، إن مليشياته تعيش حالة حرب، مع وجود خفض للتصعيد فقط، بموجب وساطة عمانية، وشدد على أن الحرب قد تعود للاندلاع بقوة أكبر في أي لحظة، خاصة إذا فشلت مفاوضات برعاية عمانية.
 
تصريحات الحوثي، تبعث برسالة خطيرة إلى شركات الملاحة وسفن الشحن البحرية مفادها أنها تغامر باتجاه موانئ في مناطق تشهد حربا ضروسا منذ سنوات، أحد طرفيها جماعة وصفت أعمالها وهجماتها بالإرهابية من مجلس الأمن أكثر من مرة، بينما تصنفها الحكومة اليمنية وحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي، بأنها جماعة إرهابية.
 
كما أن الجماعة غير ملتزمة على الإطلاق بأي اتفاقيات تمكن شركات الشحن والملاحة الدولية من مقاضاتها إن اختطفت سفنها في الحديدة.
 
الموانئ تعمل بطاقة أقل من 50%
 
وفقا لتقرير للبنك الدولي تعمل موانئ الحديدة بأقل من نصف طاقتها التي كانت عليها قبل سقوط الجمهورية وانقلاب مليشيات الحوثي 2014، وتواجه الموانئ تحديات تشغيلية كبيرة خاصة بجانب المعدات والمستلزمات الفنية.

وقال تقرير لمؤسسة موانئ البحر الأحمر التي يديرها الحوثي إن موانئ الحديدة الثلاثة تحتاج تمويلا ضخما يزيد قيمته عن مبلغ 2.7 مليار دولار لاستعادة الكفاءة التشغيلية لتلك الموانئ.
 
وبينت المؤسسة أن الرافعات والكرينات الخاصة بسفن الحاويات مدمرة بنسبة100% بينما تتراوح نسبة الدمار في الأرصفة والمستودعات بين 20% و 100%، وفق التقرير الذي صدر مطلع السنة الماضية.
 
وبين تقرير البنك الدولي أن الوقت المستغرق لتفريغ السفن ومغادرتها، ارتفع من عدة ساعات إلى أيام وأسابيع. وقالت مؤسسة موانئ البحر الأحمر إن خسائر محطات كهرباء الموانئ تحتاج تمويلا بقيمة 56 مليون دولار.
 
كما تظهر وثائق كشوفات حركة السفن في موانئ الحديدة عن وجود أربع عمليات حجز للسفن خلال سنوات سيطرة الحوثي على الموانئ، ولا يعرف مصير تلك السفن.
 
 وحصل "يمن شباب نت" على نسخة من أمر حوثي بحجز سفينة تدعى نامار إن وصلت إلى موانئ الحديدة. وصدر الأمر الحوثي بالقبض على سفينة شحن ملاحية في موانئ الحديدة من قبل هيئة حوثية يرأسها القيادي الحوثي المدعو أحمد حامد، بحجة وجود خلاف بين ملاك السفينة وشخص آخر.


 
التداعيات السياسية
 
يعد التحويل الإجباري لسفن نقل البضائع إلى مناطق سيطرة مليشيات الحوثي عبر موانئ الحديدة حصرا، قرارا سياسيا أكثر منه اقتصاديا؛ إذ هو بالدرجة الأولى انفصال شامل لمناطق سيطرة الحوثي عن الجمهورية اليمنية، وضربة قوية لإعادة توحيد اليمن.
 
من ناحية لم يأت القرار مقابل تقدم في مفاوضات الحوثي مع الحكومة اليمنية، بل مفاوضات مع السعودية فقط، وبالتالي فإن مسألة إعادة فتح الطرقات بين المحافظات التي يسيطر عليها الحوثي وإيران والمحافظات المحررة من سيطرتها الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية، قد تستمر إلى الأبد.
 
إذ منع الحوثي منذ بداية السنة الجارية التجار على إدخال بضائعهم القادمة من عدن أو الموانئ البرية الأخرى مثل ميناء الوديعة البري مع السعودية في حضرموت، أو مينائي شحن وصرفيت البريين مع سلطنة عمان، وينص القرار الحوثي على تعهد حوثي يلزم بموجبه التجار بعدم جلب أي مواد أخرى من تلك الموانئ.
 
وستحصل مليشيا الحوثي بموجب هذا القرار على جبايات ضخمة تزيد عن مليار دولار سنويا، وهو المبلغ الذي كان تحصله مصلحتا الجمارك والضرائب، وقد استحدث الحوثي عشرات الجبايات الأخرى التي تحصل على جبايات ضخمة من الواردات.
 
كما أن تدمير موانئ عدن، والموانئ البرية والبحرية الأخرى الواقعة تحت سيطرة الحكومة ستتعرض لخسائر كبيرة، جراء التحويل القسري، وبالتالي ستفقد الحكومة موارد مهمة، بينما تلتزم الحكومة وحدها من إيرادات النفط والغاز بمرتبات الموظفين تحت سيطرة الحوثي، الأمر الذي سيغذي مشاعر الشعور بالمظلومية بشكل أكبر في مناطق الإنتاج النفطي حضرموت مأرب شبوة، وأيضا عدن، التي تعتمد بدرجة رئيسية على الإيرادات المتحصلة من موانئ عدن.
 
وقد تندلع احتجاجات واسعة أو حروب أهلية لتعويض الفاقد من تلك الموارد. وقال رئيس الحكومة معين عبدالملك إن التطورات المتعلقة بحركة السفن، له مخاطر حقيقية على آلية التفتيش التي تراقب حظر الأسلحة، وقد تؤدي إلى تجاوز الآلية. في إشارة صريحة إلى إمكانية النقل بكثافة أكبر للأسلحة الإيرانية والمخدرات إلى مناطق سيطرة الحوثي.
 
التداعيات الاقتصادية
 
لم يقم قرار تحويل الاستيراد وحصره على موانئ الحديدة عبر المنافسة والميزة التنافسية والأمور الفنية المتعلقة بالكفاءة والسرعة وخفض التكاليف، بل ضمن خطة حوثية هادفة للسيطرة على القطاع الخاص، وجعله حصرا بيد قادة الجماعة على حساب بقية القطاع الخاص اليمني، الذي يشكل معظم مكونات الاقتصاد اليمني.
 
وقال الصحفي الاقتصادي محمد الجماعي في تصريح خاص لـ"يمن شباب نت"، إن ما يجري هو حرب اقتصادية، تشنها مليشيا الحوثي ضد الحكومة، منذ سنوات، تطورت في الفترة الأخيرة لتشمل عددا من القطاعات أهمها النفط والبنوك، والموانئ. وأكد الجماعي أن هذه الحرب، لها تداعيات مباشرة على قوت المواطن اليمني، يتربح منها قادة الجماعة الحوثية.
 
وشككت الغرفة التجارية في أمانة العاصمة بجدوى النقل الجبري إلى موانئ الحديدة، على خفض عملية التكاليف، وقالت الغرفة في نشرة شهرية صادرة عنها إن التكاليف في عملية النقل قد تنخفض فقط بنسبة 20% لكن الجبايات الأخرى بعد وصول الشاحنات تتضاعف عدة مرات. وستؤدي إلى تقويض الاستقرار الاقتصادي وهجرة رأس المال من صنعاء ومناطق سيطرة الحوثي.
 
كما أن القرار الحوثي القسري بتحويل التجارة ، يقوض أسس النظام الاقتصادي للجمهورية، القائم على مبدأ السوق والعرض والطلب، ويمنح الحوثي يدا كبيرة للسيطرة عليه، والتدخل في تسويقه وبيعه، بدون أن تكون حكومة الحوثي هي المنتجة، للخدمات التي تفرض أسعارها على التجار.
 
وقد اندلع نزاع فعلا بين عدة قطاعات اقتصادية مع مليشيا الحوثي، حول الأسعار، من بينها صراع تجار المحطات الكهربائية في صنعاء، ووزارة كهرباء الحوثي، حول الأسعار.
 
تقسيم الاقتصاد الوطني
 
حظرت مليشيا الحوثي، دخول منتجات الاسمنت القادم من المحافظات المحررة من بينها منتجات شركتي الوحدة والوطنية، وهناك عدة مصانع أخرى للإسمنت في عدة محافظات، مثل حضرموت، لم يعد بإمكان تلك الشركات بيع منتجاتها في مناطق سيطرة الحوثي.
 
وتظهر وثائق حركة السفن في موانئ الحديدة، لجوء الحوثي إلى إنشاء شركة حوثية أخرى للاستيراد من الخارج، لمادة الاسمنت، الأمر الذي يستنزف الاقتصاد الوطني من عدة جهات، أولها تقليص سوق الاسمنت من المنتجات المحلية، وثانيها استنزاف العملة الصعبة عبر استيراد من الخارج بدلا من المنتجات المحلية.
 
طبقة حوثية مسيطرة على التجارة
 
في أبريل 2015 أعلنت مليشيا الحوثي خصخصة شركة النفط الوطنية لإتاحة الفرصة كما قالت للتنافس بين القطاع الخاص في سوق الوقود، بما يؤدي إلى تفعيله.
 
خلال فترة قصيرة أنشأ الحوثي خمس شركات نفطية، تتبع الجماعة، ثم أنشأت شركة تدعى دروب الاتحاد، تعمل من مقرات شركة النفط الحوثية، في صنعاء، وتسيطر كليا على الاستيراد والوقود، ورغم السماح تماما لتدفق السفن إلى موانئ الحديدة، بدون تأخير أو احتجاز سفن، فإن أسعار الوقود في مناطق سيطرة الحوثي ما زالت أغلى من عدن ومن التي كانت قادمة عبر البر والموانئ المحررة.
 
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة آزال بصنعاء الدكتور طه الروحاني في منشور له على فيسبوك "بحرب وبدون حرب، بحصار وبدون حصار، بتفتيش وبدون تفتيش، بغرامات وبدون غرامات، بازدواج جمركي وبدون ازدواج جمركي، بإعفاءات وبدون اعفاءات، الدبة البترول بعشرة الف ريال، كما هي".
 
والعشرة آلاف بصنعاء من العملة القديمة، أكثر بكثير من سعر نفس الكمية في عدن، مقارنة بأسعار الصرف. ويخشى كثير من التجار من هيمنة اقتصادية واسعة عليهم، خاصة إن الاقتحامات الحوثية لا تتوقف على تكتل اقتصادي دون آخر.
 
وقال تجار في صنعاء إن السوق اليمنية يعتمد كثيرا على الصادرات السعودية، ويؤدي حصر الاستيراد عبر موانئ الحديدة مرتفع التكاليف والتأمين، إلى خلو السوق من البضائع الأساسية التي يحتاجها، ويمنع كثير من التجار اليمنيين الذين نقلوا مقرات مصانعهم إلى السعودية من توريد بضائعهم.
 
وذكر أحد العاملين في سوق النقل إن "تكلفة النقل والشحن عبر السفن بحرا من السعودية إلى موانئ الحديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين البحري على السفن المتوجهة إلى موانئ الحديدة، مقارنة بتكاليف النقل برا عبر الوديعة".
 


- فيديو :


مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر